قراءة في رواية الرئيس

الكاتب: محمد العدوي.
الناشر: تنوير للنشر والإعلان.
ط 1. ورقية .2013.

خاص بالأيام - أحمد العربي

محمد العدوي طبيب وروائي مصري، هذه الرواية باكورة أعماله الأدبية.

الرئيس؛ رواية متعددة المستويات، والرئيس هي تسمية تتعلق بالطبيب، والمفكر، والفيلسوف ابن سينا، الرئيس أحد أسمائه، حيث كان في زمانه رئيساً للأطباء.

محمد بطل الرواية، شاب مصري اجتهد لتكوين نفسه وحياته، درس الطب، وعندما دخل عالم الإنترنت من خلال إيميل خاص به، اختار اسم ابن سينا، كان ذلك في نهايات القرن الماضي، محمد متشبّع نفسياً وفكرياً بالعمق التاريخي العربي والإسلامي، مغرم بالبحث عن عمق الأشياء والواقع والتاريخ، يغوص عميقاً في البحث في كل شيء، اختياره اسم ابن سينا كان بسبب ولعه بهذا الفيلسوف الموسوعي الذي بحث في كل شيء، ومنها الطب، كان طبيباً معالجاً وكان وزيراً لكثير من الحكام في زمانه، وصحبة الحكام لها مكاسبها، ولها مساوئها، تارة في صدارة المجالس، وتارة في السجن، وكثيراً من الأحيان متوارياً وهارباً إلى حيث يعيش الأمان.

محمد حلم أن يذهب إلى موطن ابن سينا الذي ولد في بخارى، وانتقل إلى بلاد فارس وعاش فيها، وصل إلى طهران ووصفها وإلى مدن أخرى كثيرة، يعالج مرضاه، وينصح العلماء، ويدرس على أيديهم يعلّم ويتعلّم، ويكمل كتاباته، ويصاحب الحكام، ويقدّم لهم المشورة والنصح.

محمد يعيش زمنه المعاصر زمن إصدار الرواية حيث جاء الربيع العربي، وقامت الثورات في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، كان قد قدم طلباً من السلطات المصرية السماح له أن يسافر إلى إيران أيام حكم “مبارك”، وكان الجواب دائماً بالرفض، وبعد الثورة سمحت له السلطات بالذهاب إلى إيران، لكي يكمل حلمه بأن يطل عن قرب على الأجواء التي عاش بها ابن سينا. محمد لا يخفي انتماءه للثورة المصرية والربيع العربي، فهو من جيل الشباب الذي حلم كثيراً أن يصل إلى مجتمع تتحقق فيه قيم الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية، وكان له صديق سوري اسمه: “عبد الرحمن” هو أيضا ينتمي للثورة السورية، فهو ولد وعاش خارج سوريا، حيث كان والده معارضاً للأسد الأب منذ ثمانينات القرن الماضي، وهرب ناجياً بروحه، وأسس حياته خارج سوريا، عبد الرحمن صديقه، التقى به في مصر وفي المدينة المنورة، شجّعه على متابعة حلمه بالذهاب إلى موطن ابن سينا في إيران وهكذا حدث.

محمد يبدأ رحلته إلى إيران، في الطائرة سيتعرّف على عائلة كان فيها الزوج إيراني والزوجة عراقية، ويذهبان إلى طهران، حدّثهم عن مقصده، وقدّموا له النصح، وتبيّن أنّ لهم ذات الاهتمامات التاريخية، يستعيد محمد بينه وبين نفسه ومع العائلة، تاريخ الانشقاق التاريخي بين الشيعة والسنة، وكيف التحق الإيرانيون الفرس بالمذهب الشيعي، وكيفية التماهي – عندهم-  بين المذهب الشيعي والانتماء الفارسي، تحدّثوا عن الشعور الفارسي العميق بأن العرب المسلمين أسقطوا دولتهم الفارسية يوما، وأنهم لم ينسوا ذلك، لذلك أخذوا الإسلام بهويته الشيعية، ورفضوا التعريب، تماماً كما حصل مع الترك، بينما كل البلاد العربية، ثبّتت إسلامها مع تعريبها، تماماً كما حصل مع مصر، ولو عبر أكثر من قرن من الزمن.

وصل محمد إلى طهران أخذ باتساعها وجمالها، وجدها ممتلئة بكثير من التاريخ، وكثير من المعاصرة، وخاصة بعد حركة الخميني، ونشأة الحكم الإسلامي الشيعي فيها، الخميني رمز شعبي وديني كبير، كانت صوره والصرح الكبير المقام على قبره، وأسماء الشوارع، كلها تذكر فيه، أنه أب الدولة الإيرانية الحديثة بكل معنى الكلمة، منه تؤخذ كل الشرعيات، والكل يسير في الحكم حسب نهجه الذي أسسه، الخميني لم يمت في إيران.

استقر محمد في طهران قليلاً وبدأ ينتقل إلى المدن التي احتضنت ابن سينا، بين طهران وأصفهان وغيرهما، استعان بكثير من الأصدقاء العارفين، الذين كانوا يقدمون له خلاصة معارفهم حول موضوعه الشغوف به؛ ابن سينا، تعرف على فتاة إيرانية وكذلك فتاة تركية، غاص عميقا في العمق الثقافي الإيراني، استرجع الشاعر الفردوسي، وكذلك استرجع مع صديقته التركية شغفها بجلال الدين الرومي، وشمس التبريزي، تعايش مع أجواء التصوف والبحث عن الكمال، بالبحث عن العلاقة مع العباد ورب العباد، كان ممتلئا بالتاريخ وبالمعلومات، فهو يعيش في كل مكان يصل إليه مع عمقه التاريخي، وما مر عليه من أحداث وبشر، لكل ما يراه عمقه الوجداني والمعرفي، فهو يتابع ما يراه وكأنه عالم جيولوجيا يقرأ طبقات الأرض بتتاليها فوق بعضها، طبقات تصنع حاضرها الذي نراه، وتفسر لنا لماذا هو هكذا الآن. يحدثنا عن جمال الطبيعة والعمران بعمقه التاريخي، والعمران بصفته تاريخ معاش؛ يعرف ويفسر ويستمر في المستقبل كنهر أدرك مجراه من آلاف السنين.

محمد في متابعته للنص الذي يدونه لما يعيش يجعلنا ننتقل دون عناء بين المعاش المباشر والتاريخ وحكايات ابن سينا وعلاقته مع أهله وجواريه وتلامذته ومع أصحاب السلطان، كل ذلك في الزمن الحاضر المعاش وكأنه الآن، وهذا يعطي للرواية جمالية فريدة، فعند التحدث عن جواري ابن سينا حيث يخصّ جاريتيه الأقرب إليه “نسرين” و “ورد”، بحيّز كبير لنفهمهم، ونفهم زمانهم وظروفهم الذاتية، الزمان القرن الخامس الهجري و نسرين الفتاة التي ولدت من أسرة مجوسية في بلاد فارس، تعيش في قرية متواضعة مع أخيها الذي يكبرها ووالدها، والدتها متوفاة، أسرتها حافظت على دينها المجوسي، بينما أغلب سكان القرية دخلوا في الإسلام، عندما كبرت وأخاها، عشقها أخاها، وأراد التزوج منها حيث تسمح الديانة المجوسية (عبادة النار) بالزواج بين الأخوة، الأب لم يستطع تقبّل ذلك، أبعد الابن عن البيت لفترة من الزمن، و اضطر أن يبيع ابنته بأسرع وقت، والذي اشتراها زوّجها لأحد عبيده، عاد الأخ فوجد أخته قد بيعت وتزوجت، عانى كثيراً وقرر أن يقتل زوج أخته، ونفّذ ذلك، وعندما واجهه القاضي بتهمته، وأراد القصاص منه، طالبتُ القاضي بأن يعفوا عنه، وأن يستعبدها بدلاً عن ذلك، وكان ابن سينا حاضراً، وواجه القاضي، وساعد الأخ ولم يحصل عليه القصاص، وأصبحت نسرين جارية ابن سينا، نسرين التي انتقلت للعيش في كنفه، واحتضنتها جاريته الأخرى ورد. ورد الفتاة القادمة من بلاد الهند حيث قريتها التي تعيش على ضفاف نهر الغانج، القرية التي تقدّم فتياتها الأبكار في كل سنة قربانا ( أضحية) لنهرهم المقدس لكي لا يفيض، وإن فاض لا يؤذيهم، وأخبر الكاهن عائلة ورد أنّ الدور على ابنتهم لتكون قربانا للنهر ذاك العام، ولأن الأهل لم يقبلوا بما سيصيب ابنتهم، لذلك باعها والدها لتاجر عبيد عربي، ليذهب بها إلى حيث يعيش ابن سينا، ليشتريها أحدهم ويهديها لابن سينا، وتصبح جاريته الأقرب إلى نفسه وروحه.

ورد أحبت ابن سينا بعمق وشغف كبير، وآمنت به فكانت السند له دوماً. ابن سينا الذي ومنذ صغره شغف في معرفة كل شيء عن كل شيء، درس خواص الجسد بما توصّل إليه العلم في زمانه، بحيث أصبح رئيس أطباء زمانه، تعمّق في الطبيعة والعلوم، درس في الإلهيات، والفلسفة، والمنطق، والأديان، غاص عميقاً في الخير والشر والحكم الصالح، لذلك كان قريباً من الحكام، الذين يبحثون دائماً عن فرص ملازمته، هذه الملازمة التي جعلته ضحية الكثير من الوشاية وسوء المعاملة، فكان يهرب أو يتوارى إلى أن يجد لنفسه أمانا يعيشه من سلطان لا تكتمل شروط الحياة إلا بوجوده، ظالما أو عادلاً، وكان ابن سينا يعمل دوماً ليكون الحاكم الأقرب للعدل، ليكون أقرب إلى ميزان الكون المضبوط، وأقرب لإرادة الخالق عز وجل من خلق الكون والإنسان، وتحميله مسؤولية استخلافه في الأرض. وينتهي ترحال ابن سينا بين بحثه العلمي الدؤوب في كل أبواب العلم وتدوينه لكثير من الكتب، إلى أن مرض أخيراً في القولون، وقوي عليه المرض ووصلت الحالة به لفقدان الوعي، وأدّى أخيراً لوفاته عن عمر مبكر، قبل وصوله الستين من العمر.

تنتهي الرواية ومحمد عائد إلى القاهرة ، مارّاً إلى المدينة المنورة أولاً حيث يقوم بزيارة قبر النبي والصلاة في مسجده. وليعود وقد امتلأ عبر شهر من الزمان بعمق تاريخي ومعرفي، بعد زيارته لإيران والمدن التي احتضنت ابن سينا والغوص عميقاً في تجربته وأعماله وزمانه وعصره.

وفي تقييم الرواية نقول: إننا أمام نمط من السرد محكوم بذاتية الروائي؛ فهو كالنحلة التي تنتقل بين زهرة وزهرة لتحصل عسلاً رائعاً فيه غذاء وشفاء للناس، وهذا ما فعله الروائي بالتنقل في الزمان، والمكان، والأشخاص ليقدّم لنا عمله منجزاً، لم يبتعد عن عصره، وقال رأيه، وحدد انتماءه إلى الربيع العربي وثوراته، وحدّد موقفه من الأديان بصفتها حاجات إنسانية، وأدوات بناء حياة أكثر إنسانية وإخاء وعدل وتسامح، دخل في التاريخ متسامياً عن حقائق الصراع المباشر بسبب الساسة والحكام، وصولاً إلى أطوار تحوّلت بها دول كإيران متورطة بالحروب ضد شعوب المنطقة كلها، عاملة لتصل لوهم تفوق فارسي أو خلاص ديني شيعي على طريقتهم.

أراد القول: إننا كدولة وأمم موجودين من زمن سحيق، وإلى زمن قادم لمئات السنين، وليس لنا إلا أن نستوعب تنوعنا واختلافنا وضرورة توافقنا على مصالحنا المشتركة، وما بيننا من توافقات أكثر بكثير من الاختلاف، والتفاهم أولى دائما.

.الأهم  في الرواية هو: لغة الرواية المنسابة مع النفس، الرقراقة كجدول ماء، المعانقة للمعنى الأسمى في كل شيء تمر عليه .

نحن أمام رواية رائعة تستحق القراءة.

شكراً محمد العدوي وننتظر إبداعات كثيرة قادمة.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend