إيلياهو كوهين، حرب الجواسيس الغامضة

الأيام السورية؛ فرات الشامي

حرب الجواسيس؛ مسمى لاقى رواجاً كبيراً، إثر الصراع العربي-الإسرائيلي منذ خمسينيات القرن الماضي، حين حاولت أطراف النزاع تلميع صورتها ومخابراتها وكذلك قدراتها على اختراق العدو.

لتبقى تلك الحقبة التاريخية، ملفاً غامضاً عمل الطرفان العربي-الإسرائيلي على تقديمه بأنه إحدى أهم معجزات جهاز المخابرات.

تحاول إسرائيل، على سبيل المثال، تصوير جواسيسها من خلال ما تطلقه البروباغاندا من حكايات تنسج حولهم (جواسيها)، تختلط فيها الحقائق بالمبالغات، ولا يختلف الأمر لدى الدول العربية (مصر، سورية) تحديداً؛ فالخيال والواقع متماهٍ تماماً في الروايات المقدمة للجمهور، تحت أهدافٍ استعراضية واضحة.

إيلياهو كواهين، يقابله رأفت الهجان (رفعت الجمال)؛ مثالان صارخان عن طبيعة وشكل تلك الحرب.

الإصرار الإسرائيلي على تقديم جاسوسها إيلياهو كوهين، تحت مسمى “جاسوس المستحيل”، الذي تمكّن من تقديم خفايا وأسرار سورية (عسكرياً، سياسياً، أمنياً) إلى جهاز الموساد؛ إضافةً لاختراقه قمة الهرم القيادية، وهذا ما تحاول حكومة النظام السوري تفنيده، مقتصرةً على ذكر روايةٍ تفيد بعلاقته بالضابط معزي زهر الدين، الذي حُكم بالسجن خمس سنوات، إضافة إلى مدني يُدعى جورج سالم سيف.

المنطق يؤكد عدم إمكانية تصديق الروايتين الإسرائيلية، التي تحاول ترسيخ فكرة أسطورية حول جهاز استخباراتها الذي لا يقهر، كما لا يمكن التسليم بمنطق الاستخفاف الذي قدّمته الرواية السورية-المصرية، التي كذبت ما حققه كوهين من خرقٍ أمني.

النكتة أن انتقال الحرب المخابراتية بين العرب وإسرائيل، كان على غير المتوقع، فالرواية السورية الرسمية تتحدث عن دور مخابراتها في إماطة اللثام عن الجاسوس، إيلياهو كوهين، فيما تتحدث مصر رسمياً عن دورها المحوري في كشف هوية العميل الصهيوني، ما بين عام 1942 – 1965.

مصادر مطّلعة مقرّبة من القصر الجمهوري اليوم في سورية، إضافة لمعلومات أخرى متطابقة مصدرها محكمة أمن الدولة التي كان يرأسها، فايز قاسم العرب (فايز النوري)؛ تؤكد أنّ عملية كشف الجاسوس، الذي حمل اسماً حركياً ((كامل أمين ثابت))، أتت مصادفةً بعد أن وردت معلومات من السفارة الهندية في دمشق، حول وجود تشويش على بثّها اللاسلكي، لتصل المخابرات إلى مصدر البث، ويفتضح أمر إلياهو كوهين.

الرواية السابقة يؤكدها الأمين العام المساعد لشؤون حزب البعث الأسبق د.محمد الزعبي، عضو القيادة القطرية وقتها، ووزير الإعلام. بحسب شهادته التي نشرتها قناة أورينت والتي فصل فيها بالقول: ((الأمر الذي دفع، مدير المخابرات حينذاك اللواء أحمد سويداني، إلى الاستعانة “بالسوفييت”، الذين زودوه براشدات حساسة. تمكنت من تتبع، وتحديد إشارات البث اللاسلكي المجهولة. حيث تولى اللواء سويداني، قيادة عملية مُداهمة المنزل، وقيامه بشل حركة كوهين بنفسه تماماً خوفاَ من احتمال إقدامه على تناول السم)). متحدثاً عن تفاصيل أكثر في إفادته التي أكدت حدوث خرق في قيادة حزب البعث آنذاك.

المخابرات المصرية أيضاً قدّمت روايتها؛ مؤكدةً أنّ أحد جواسيسها في إسرائيل كان وراء كشف هوية كامل ثابت، أو إيليا كوهين، وهو رفعت الجمال الذي اشتهرت قصته وحمل اسم رأفت الهجان.

ارتبط كوهين بعلاقة وثيقة بالرئيس السوري، أمين الحافظ، بحسب الرواية الإسرائيلية، بينما تدحضها القصة التي حكاها منذر موصلي، مدير مكتب الحافظ، المكلف بمتابعة ملف “كوهين” بعد القبض عليه، وصولاً إلى إعدامه. لتبقى هذه العلاقة محط جدلٍ وإثارة. … وغموض.

لقاء إذاعة دمشق مع الجاسوس ايلي كوهين قبل اكتشاف أمره:

حكاية كوهين ومسار حياة الجاسوسية:

  • كوهين، يهودي من أصول حلبية.
  • ولد ونشأ في الإسكندرية.
  • في عام 1944 انضم إيلياهو كوهين إلى منظمة الشباب اليهودي الصهيوني في الإسكندرية، وبدا متحمّساً للسياسة الصهيونية على البلاد العربية.
  • بعد حرب 1948 أخذ يدعو مع غيره من أعضاء المنظمة لهجرة اليهود المصريين إلى فلسطين.
  • عام 1949 هاجر أبواه وثلاثة من أشقائه إلى تل أبيب، بينما تخلّف هو في الإسكندرية ‏.
  • عمل في شبكة تجسس “إسرائيلية” على مصر، تحت قيادة “إبراهام دار”، المعروف “جون دارلينغ”؛ وهو أحد كبار الجواسيس الإسرائيليين الذي وصل إلى مصر ليباشر دوره في التجسس ومساعدة اليهود على الهجرة وتجنيد العملاء.
  • نفّذت الشبكة سلسلة من التفجيرات ضد مصالح أمريكية في الإسكندرية، بهدف إفساد العلاقة بين القاهرة، وواشنطن، التي عرفت لاحقاً بفضيحة “لافون”.
  • ألقي القبض على كوهين في مصر، أكثر من مرة، قبل أن يهاجر إلى “إسرائيل” عام 1957 نهائياً.
  • بعد انتهاء عمليات التحقيق‏ كان إيلي كوهين قد تمكّن من إقناع المحققين ببراءة صفحته إلى أن خرج من مصر‏ عام 1955‏ حيث التحق هناك بالوحدة رقم ‏131‏ بجهاز أمان لمخابرات جيش الدفاع الإسرائيلي ثم أعيد إلى مصر، ولكنه كان تحت عيون المخابرات المصرية؛ ‏التي لم تنس ماضيه فاعتقلته مع بدء العدوان الثلاثي ضد مصر في أكتوبر ‏1956.‏
  • بعد الإفراج عنه هاجر إلى إسرائيل عام 1957، حيث استقر به المقام محاسباً في بعض الشركات، ‏وانقطعت صلته مع “أمان” لفترة من الوقت، ولكنها استؤنفت عندما طرد من عمله.
  • عمل لفترة كمترجمٍ في وزارة الدفاع الإسرائيلية، ولما ضاق به الحال استقال وتزوج من يهودية من أصل مغربي عام 1959.
  • رأت المخابرات الإسرائيلية في إيلياهو كوهين مشروع جاسوس جيّد؛ فتم إعداده في البداية لكي يعمل في مصر‏ (مجدداً)،‏ ولكن الخطة ما لبثت أن عدلت، ورأي أن أنسب مجال لنشاطه التجسسي هو دمشق.‏
  •  بدأ الإعداد الدقيق لكي يقوم بدوره الجديد،‏ ولم تكن هناك صعوبة في تدريبه على التكلم باللهجة السورية،‏ لأنه كان يجيد العربية بحكم نشأته في الإسكندرية.‏
  • رتبت له المخابرات الإسرائيلية “الموساد”، قصة ملفقة يبدو فيها سورياً مسلماً. يحمل اسم كامل أمين ثابت. هاجر مع عائلته إلى الإسكندرية، ثم سافر عمه إلى الأرجنتين عام 1946 ليلحق به كامل وعائلته عام 1947.
  • حرص “الموساد”، على إتقان “كوهين” اللهجة السورية، وفرض عليه متابعة أدق أخبار سوريا، وحفظ أسماء رجالات السياسة، والاقتصاد، والتجارة. إضافة إلى تدريبه على استخدام اللاسلكي، والكتابة بالحبر السري.
  • بنى كوهين، على مدار عامين تقريباً، وجوده كرجل أعمال سوري ناجح في الأرجنتين‏. وكوّن لشخصيته الجديدة، هوية لا يرقى إليها الشك،‏ واكتسب وضعاً متميزاً لدى الجالية العربية في الأرجنتين،‏ باعتباره رجلاً وطنياً شديد الحماس لبلده، وأصبح شخصية مرموقة في “بوينس آيريس”.
  • طلب إليه ارتياد النادي العربي في بوينس أيرس للتعرف على بعض السوريين، وممن تعرف عليهم عبد اللطيف الخشن رئيس تحرير جريدة “العالم العربي” التي تصدر باللغة العربية، قادته هذه المعرفة إلى التعرف على الكثير من رجال الأعمال السوريين، وبناء على توجيهات مدربه، أخبر كوهين الخشن في شهر آذار/مارس عن نيته القيام بجولة في بعض الدول العربية؛ للترويج للشركة السياحية التي يعمل فيها، وزوّده الخشن برسائل إلى أصدقائه ومن بينها رسالة إلى ابنه كمال في دمشق يوصيه فيها الاهتمام بـ” كامل أمين ثابت”.
  • دخل دمشق عام 1961.
  • أعلن تصفية نشاطه الاقتصادي في الأرجنتين، والاستقرار النهائي في سوريا “لدواع وطنية”.
  • تعرّف في دمشق على منزل كمال الخشن، وسلّمه الرسالة الموجهة إليه من والده.
  • تعرّف من خلال تردده إلى بيت الخشن على جاره معزى زهر الدين ابن شقيقة قائد الجيش عبد الكريم زهر الدين.
  • تمكّن كوهين في الشهور الأولى من إقامة شبكة واسعة من العلاقات المهمة  مع ضباط الجيش والمسؤولين‏.
  • طلب منه المسؤول عنه تمتين علاقته مع كل من: كمال الخشن، وجورج سيف، ومعزى زهر الدين، وهيثم القطب الموظف في المصرف المركزي وصاحب المنزل الذي استأجره كوهين في أول شارع أبي رمانة.
  • اعتمد كوهين على الأشخاص (الأسماء السابقة) بشكلٍ رئيس للحصول منهم على المعلومات المطلوبة.
  • كما حددت مهامه الأساسية بإبلاغ المركز عن: (1) أية حركات عسكرية يسمع بها أو يطلع عليها مهما بدت بالنسبة إليه عادية وغير ذات قيمة؛ (2) الأخبار الاقتصادية والسياسية، والتركيز عليها؛ (3) أهم الشائعات المتعلّقة بالوضع السياسي والعسكري والاقتصادي.
  • بعد استدعاء معزى للجيش بعد الثامن من آذار وتعيينه قائداً للحرس القومي في إدلب استضافه وقاما معاً بزيارة المنطقة الحدودية السورية -التركية في المحافظة. سبتمبر ‏1962‏ دخل التحصينات الدفاعية بمرتفعات الجولان‏. وتمكّن من تصوير جميع التحصينات بواسطة آلة التصوير الدقيقة المثبتة في ساعة يده‏، وهي إحدى ثمار التعاون الوثيق بين المخابرات الإسرائيلية والأمريكية.
  • مع أن صور هذه المواقع سبق أن تزودت بها إسرائيل عن طريق وسائل الاستطلاع الجوي الأمريكية، إلا أن مطابقتها على رسائل كوهين كانت لها أهمية خاصة‏ سواء من حيث تأكيد صحتها‏،‏ أو من حيث الثقة في مدى قدرات الجاسوس الإسرائيلي‏.‏
  • عام ‏1964، عقب ضم جهاز أمان إلى الموساد،‏‏ زوّد كوهين قادته في تل أبيب بتفصيلات وافية للخطط الدفاعية السورية في منطقة القنيطرة،‏‏ إضافة لتقديم تقرير حول وصول صفقة دبابات روسية من طراز تي ـ‏54،‏ وأماكن توزيعها.
  • أصدرت إسرائيل طابعاً بريدياً تذكارياً يحمل اسمه وصورته.

محاكمة كوهين وإعدامه:

-بعد انتهاء التحقيق مع كل من عرفهم كوهين وعددهم لا يتجاوز الأربعين شخصاً بينهم عشرة نساء، بدأت محاكمتهم أمام المحكمة العسكرية الاستثنائية وصدرت الأحكام ببراءة 33 متهماً والنسوة من بينهم.

-صدر حكم الإعدام بحق “إيلياهو كوهين”.

-حاولت الكثير من الشخصيات الأوروبية إضافةً إلى بابا الفاتيكان ورئيس وزراء فرنسا جورج بومبيدو آنذاك؛ التوسّط لتخفيف الحكم دون جدوى.

-نُفّذ الحكم وعلّق إيلياهو كوهين على حبل المشنقة في ساحة المرجة بدمشق، بتاريخ 18 أيار/مايو 1965.

لقطات لإعدام ايلي كوهين-الجاسوس الإسرائيلي في ساحة المرجة وسط العاصمة السورية دمشق.

 

ملف غامض:

ظل ملف إيلياهو كوهين، غامضاً في طريقة كشف هويته، والمفارقة أن الغموض امتد أبعد من ذلك بعد أن طلبت إسرائيل من نظام الأسد استعادة جثته كشرط لإجراء محادثات مع سورية في التسعينيات، ويبدو أن الرفض السوري للشرط، فرضته حقيقة أو شائعة تفيد بجهل سلطاتها بمكان الجثة، بحجة أنه تّم تحريكها من مكانها ثلاث مرات، تفادياً لإمكانية سرقتها من قبل “الموساد”.

في حين تفيد معلومات أخرى بأنّ كوهين دفن في منطقة المزة بدمشق داخل بئر خُصصت لهذا الغرض.

بين اﻷسطورة والحقيقة تبقى قضية الجاسوس الإسرائيلي الذي أعدمته دمشق بتاريخ 18 أيار 1965، ملفاً مخابراتياً غامضاً يفتح الباب على مصراعيه حول تساؤلات عديدة من بينها، وصوله إلى مراتب قيادية في البعث، وترشيحه لمناصب حساسة في الدولة مثل وزير الدفاع، وإنْ وجد من ينفيها.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر الجزيرة المجموعة 73
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend