قراءة في رواية: السوريون الأعداء

.الكاتب: فواز حداد.
.نشر رياض الريس للكتب والنشر.
.ط1 ورقية. 2014.

فواز حداد روائي سوري متميز، وضع كتاباته في نسق التأريخ للواقع الاجتماعي والسياسي لسورية الحديثة، وللمجتمع الدمشقي بشكل أساسي؛ منذ الاستعمار الفرنسي لسوريا إلى اليوم وربيعها وثورتها، وعبر كتابة روائية متمكنة صاغت الحياة عبر عشرات السنين في سوريا.

السوريون الأعداء؛ رواية تروي الحدث السوري الأبرز في القرن الماضي، إنها أحداث الصراع بين الإخوان المسلمين والنظام السوري، ومن خلال مذابح النظام للشعب السوري وخاصة في حماة، ورصد مسار الأحداث وحياة شخصيات الرواية منذ مذبحة حماة إلى مذابح النظام للشعب السوري اليوم، ردّاً على الربيع السوري وثورة الشعب وخروجه مطالبا بالحرية، والكرامة، والعدالة، والديمقراطية، والحياة الافضل؛ الآن وقبل ثلاثين عاماً.

تبدأ الرواية من القاضي في القصر العدلي  بدمشق سليم الراجي يستقبل أحدهم حاملاً ابن أخيه الرضيع حازم، وأبلغوه أنّ أخيه الطبيب عدنان مفقود، أما زوجة أخيه وأولاده وأبيه فقد قتلوا جميعاً في حماة أثناء اجتياحها من قبل الجيش وسرايا الدفاع والوحدات الخاصة في ثمانينات القرن الماضي. يستعيد القاضي سليم أيامه الماضية، وكيف منع من دخول حماة للاطمئنان على أهله، وتذكّر أهله وعيشهم في حي الكيلانية في حماة، ودراسته للمحاماة ومن ثم تحوله من محام لقاض، وتذكّر أخاه الطبيب عدنان وزوجته وأولاده الثلاثة وأنّ حازم الصغير ذا الأشهر القليلة آخر من بقي من عائلته كلها، ذهل أمام خبر مقتل العائلة وفقدان أخيه، وقرر أن يبحث ليعرف الموضوع بدقة.

في مستوى آخر سنتابع النقيب سليمان ضابط الأمن في إحدى قطعات الجيش المجتاحة لحماة، والذي سيقتل عائلة الطبيب عدنان كلها، ويحوّل الطبيب إلى المحكمة الميدانية ليموت إعداما هناك. النقيب سليمان من الطائفة العلوية كأغلب ضباط الجيش، مقرب من الرئيس حافظ الأسد، فهو ومنذ بداية شبابه سيشي عن خاله القيادي في حزب البعث والمختلف مع الأسد أيام الصراع بين  قيادات البعث العسكريين؛ حافظ الأسد من جهة وصلاح جديد من جهة أخرى، وكان لسليمان دور في القبض على خاله والمجموعة الأخرى وإيداعها في السجن حتى الموت. سليمان يدخل في الجيش، وتدرّج بالرتب حتى النقيب، يبحث في حماة عن فرصة للقتل دون رادع ويحصلها، يقتل في داخله الخوف، وأنه في سبيل السلطة كل شيء مباح، سيتعرف على الرائد مروان بالاستخبارات العسكرية، الذي سيأتي لحماة ليقود حملة إعدامات جماعية لكل من تبقى في حماة من نساء وأطفال ورجال.

والذي يصطدم مع قيادة السرايا والوحدات، والذين سيقتلونه لاحقاً، إنّه من الطائفة السنية وغير محمي. سليمان يفكر بتغيير اتجاه حياته، وبحثاً عن السلطة أكثر يطالب بتسريحه من الجيش، ووضعه مقرّباً من الأسد، ميزته دورة كمخبر للوقيعة بكل من يحاول التفكير أو العمل للإطاحة بالحكم أو حتى الإساءة له، كان وراء إعدامات كثيرة؛ اقترب من الرئيس وكوّن جهازاً خاصاً، أي أنّه مخابرات على المخابرات، واستمر ينبش في ملفات كل المسؤولين ليصنع لهم ملفات أمنية تستخدم عند الحاجة، كان مدعوماً من الأسد الأب، كان لا يؤمن بوجود الله، وكان يرى أنّ القوة هي إله هذا الزمان، تصنع المال والنفوذ وكل شيء. قدر أن بث فكرة تحوّل الرئيس الأسد لإله ستجعله محظياً أكثر؛ وأوصل الفكرة للأسد وتقبّلها، وسمح له بصناعة إله عبر تخليد وجود وإشاعة الأسد في كل شيء؛ صورٌ كبيرةٌ وعديدة ومستدامة، أصنام، أخبار تدور حوله وحول مكرماته، ومؤسسات ومدارس ومشافٍ وجسور وسدود وكل شيء باسمه، لقد جعل الأسد حاضراً دائماً، أسس لقطيعة مستمرة ومتواجدة دوماً مع الشعب، غير أنّ الرئيس سيموت رغم كونه خالداً في الشعارات المطروحة، لكنّ خلوده سيكون عبر سلالته في الحكم، فهذا ابنه يصير رئيساً وهذا الخلود يتجسّد، ويستمر سليمان في خدمة الرئيس الأسد الابن حتى آخر لحظة من حياته.

في مسار آخر ومتشابك مع مسار النقيب سليمان؛ الذي يلقب بالمهندس لاحقاً، والذي يتصرف باسم الرئاسة لفترات طويلة، سنتابع حياة الطبيب عدنان الذي لم يعدم؛ والذي حُوّل إلى سجن تدمر، لنتابع معه حياة أسوأ من الجحيم، سجن تدمر سيء الذكر؛ حيث كان انتهاؤه هناك بعد تنقّله عبر الفروع الأمنية كلها، معانياً من تعذيب شديد وبكل الوسائل للتحقيق معه ويعترف بما لم يفعله، ومع ذلك يحوّل لسجن تدمر حيث سيعيش هناك ما يزيد عن العشرين عاماً. حياة أسوأ من الموت؛ الاستقبال بالتعذيب؛ والتعذيب في الصباح وكذلك المساء، وعند أي حركة أو تصرف، أناس مستباحون وإن  ماتوا لا يهمّ؛ فهم مبعوثون للموت البطيء؛ يقتلهم المرض واليأس وإحساسهم بعدمية وجودهم الإنساني، سيعانون من اختلافهم وريبتهم من بعضهم، سيموتون أمام أعين بعضهم دون إمكانية فعل شيء، سيأتي يوم ويحوّلون تباعاً للإعدام؛ وينتظر كل دوره، سيعدم من لم يحكم بالإعدام، وسيخرج البعض المحكوم، وسيخرج الطبيب عدنان ذو الرقم 77 من السجن بعد عقدين من الزمن ليجد أنّ الدنيا تغيّرت، وليذهب لأخيه ويعرف أنّ عائلته قتلت وأنّ ابنه حازم الناجي صار محامياً وابناً لأخيه بالتبني أيضاً.

وفي مسار آخر يتابع القاضي سليم محاولته مع أستاذه القاضي رشدي أن يحافظوا -مع غيرهم- على العدالة قدر الإمكان؛ وإن لم يتمكنوا، خاصة بعد أن عرف ما حصل بعائلة أخيه وفقدان أخيه الطبيب، وأنّ الجيش والأمن والقصر الجمهوري متغلغلاً في أروقة القصر العدلي، وأنّ لهم عصبهم ومصالحهم وأنّ القضاء غطاء لعمليات استغلال و رشوة ونهب ومحسوبية وتهرب من القانون، وزاد الموضوع سوءاً أنّ القاضي سليم وأستاذه وزملائه اتهموا بعملهم ضد الدولة، ولولا تدخل النقيب سليمان الملقّب المهندس، لما خرجوا من المعتقل إلا للسجن؛ المهندس أنقذهم ليستخدمهم في جهازه الخاص لأجل فتح ملفات لكل مسؤولي الدولة في الجيش و الأمن… الخ، ليكونوا تحت التهديد والاستخدام من الرئيس عند الحاجة، القاضي سليم سيطّلع على ما لم يكن يتصوره عن تغلغل الفساد ومصالح رجالات الحكم المغطاة قانوناً أو المقفلة قضاياهم ومحالة للأرشيف والنسيان، سيتوصّل مع أستاذه لنتيجة أنّ الخراب والفساد في الدولة وأجهزتها وشبكة المصالح لا يمكن أن يتمّ إصلاحها أبداً ولا حلّ إلا باستئصال السلطة وأعوانها؛ وإنّ كل عملهم بلا فائدة؛ لم تستثمر جهودهم، وبقيت في الدروج المقفلة لوقت يحتاجها الرئيس وعصابته.

تتقاطع مسارات المهندس والقاضي والطبيب العائد من السجن للحياة، عندما يعرف المهندس أنّ الطبيب الخارج من تدمر هو من كان يجب أن يعدم قبل أكثر من عقدين، وأنّ ابنه الطفل الناجي هو حازم المحامي ابن القاضي، وإنّ موت الأسد الأب سيلغي خلوده ويجعله مركوناً جانباً لوقت حاجته، وأنّ الطبيب عدنان سيتعرّف على المهندس، وسيرى به النقيب قاتل عائلته، وسيدرك ذلك المهندس، وسيعمل على قتله مجدداً، لكنّ الطبيب عدنان سيصل للمهندس، وسيضع المسدس في رأسه، وسيقرّ المهندس بجرمه ولكنّه يبرر، لن يقتله الطبيب لأنه لا يوجد ثأر يوفي حقّه بأهله المعدومين وعمره الذي أفناه في جحيم تدمر، لقد قرّر أنّ الحل هو استئصال السلطة الحاكمة من جذورها، وعودة الحقوق كاملة للناس؛ يتركه ولا يقتله.

وفي تطور جديد يحصل الربيع العربي، ويمتدّ إلى سوريا، ويقوم الشعب مطالباً بالحرية، والعدالة، والكرامة، والديمقراطية، والحياة الأفضل؛ رافضاً عقود من الذل والعبوديّة والقهر والظلم والفساد والطائفية وضياع الحقوق، ويكون رد النظام باطشاً يختار طريقة معالجة مشكلة حماة بالعنف المطلق، وسيعود المهندس ليكون محرّكاً للحلّ الأمني في مواجهة الربيع السوري، وتأجيج الطائفية واستعداء الطائفة العلوية وتوريطهم بدم الشعب السوري والعمل العنفي في مواجهة الشعب، بدءاً من قتل أطفال درعا؛ حتى اجتياح الجامع العمري؛ لمواجهة المتظاهرين بالسلاح؛ لتحوّل خطاب السلطة بلسان الأسد الابن لحرب على الشعب عبر اتهام الناشطين بالعمالة والطائفية والإرهاب والارتباط بالأعداء. وستتحوّل سوريا إلى مواقع حرب على الشعب السوري في كلّ مكان، فلا حلّ عند النظام إلا بقتل المتظاهرين وعودة الشعب كلّه للذل والقطيعة والعبودية السابقة، ولا حلّ عند الشعب وأبنائه الثوار إلا استمرار الربيع الذي أصبح ثورة.

تنتهي الرواية عندما يتحوّل الطبيب وابنه المحامي. ليكونوا جزءاً من الثوار، يقومون بدورهم قدر إمكاناتهم، ويكون مصير المهندس أن يقتل نفسه  بجهازه الخاص؛ لأنّه تجرّأ يوماً وفكّر أن يغتال الأسد إن اختار الاستسلام لمطالب الناس، وهكذا يقتل نفسه فداء للسلطة التي أمضى عمره يخدمها بأسوأ السلوكيات اللا إنسانية.

الرواية تأريخ مجتمعي كامل لمرحلة ماضية، وما زالت مستمرة في سوريا المعاصرة، وهي مطلوبة ولازمة للذاكرة الجماعية لشعب كشف واكتشف حقيقة السلطة الطائفية الاستبدادية الوحشية الحاكمة؛ والتي لا حلّ أمامنا إلا باستئصالها؛ ليتسنى للشعب أن يعيش إنسانيته، وأن يكون جزءاً من العالم في هذا الزمان.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend