بشار الأسد سيُقتل ولو بعد حين.. جساس مثالاً

الأيام السورية ـ أحمد عليّان
“وفرسي وأذنيه
وناصيته وعينيه
وسيفي وحدّيه
لا يترك الرجل قاتل أبيه ينظر إليه”

هذه الحكمة خلص إليها قائلها وهو الجرو بن كليب بن ربيعة التغلبي بعد أن عاش في كنف خاله جساس بن مرّة البكري قاتل أبيه، قالها الجرو بعد أن اكتشفَ ما أخفته أمّه وزوّره خاله حول مقتل أبيه… كانت لحظة الحقيقة العارمة والجارفة، الحقيقة التي أعادت للجرو اسمه الحقيقي بعد أن زوّر القاتل حتّى اسمه مطلقاً عليه اسم الهجرس!

بالفعل لم يترك الجرو قاتل أبيه حيّاً، وأراح أبيه، كما تقول العرب، في قبره.

الامتيازات التي قدّمها الخال لابن أخته كانت كبيرة حتّى أنّه زوّجه ابنته، لكنّها أي الامتيازات كانت أقل بكثير مما سلبه الخال، فعلاوةً عن حرمان الجرو من أبيه، بالغ الخال في تزوير حياة ابن أخته.

ربّما كان جساس يتوسّد الطمأنينة ويلتحف الرضا كلّما أقبل إليه الجرو هجرساً مُغيّباً وقانعاً بهويته لا يساوره أدنى شك حولها، وربّما لم يخطر ببال الخال المُحصَّن والمُحتاط من نسمة الهواء إن هبّت، أن يجيء إليه ابن أخته جرواً بكامل ولائه وعدّته للحقيقة، مُقسماً بمضاء سيفه وصهيل فرسه أنَّ “الرجل لا يترك قاتل أبيه ينظر إليه”، لكن وقع المستحيل، فكانت نهاية جساس الذي شاخ في قصر كليب وعلى عرشه ومات قتلاً بسيف ابن أخته الذي ربّاه.

الحكمة من أواخر فصول حرب البسوس، كما روتها المصادر التاريخيّة، تكمن في استحالة ديمومة القاتل ـ وإن كان ملكاً ـ  بعيداً عن سيف العدالة، وأيضاً في أنّ التزوير لا يدوم إلى الأبد فالحقيقة تصرّ على الظهور مهما طال الزمن ومهما أخذ القاتل احتياطاته، من تراه يمنع أو يتنبّأ بانفجار عين ماءٍ من بين مفاصل الصخر وعروقه؟

بشار الأسد قتل وشرّد وغيّب ودمّر ما لا طاقة للمخيّلة أن تحيطَ به وتستوعبه، وها هو يعرض على الضحايا مصالحاتٍ تُضحكُ لوقاحتها وفداحتها، تضحك لأنَّها أكبر من البكاء، أو بالأحرى لأنّها تجمّد ماء العين المالح.

المصالحات التي يعرضها بشار وروسيا على السوريين الثائرين هي أكثر من الموت مرارةً، ويوافق عليها بعض الضحايا مجبرين، فمن يخيّر أهل الأرض بين الولاء له والتسوية وبين النفي المؤبّد والسطو على داره وأرضه التي ورثها عن جدّ جدّه، ليعيش في خيمةٍ حقيرةٍ مرميةٍ في أرضٍ بعيدة عن كل شيء؟

تحت أيّ اسمٍ يمكن لهذه التسويات أن تندرج؟ وتحت أيّ عنوان يمكن أن يندرج تزوير مقتلنا بفيلم جود سعيد “مطر حمص”، الذي يحاول طمس ما وثّقته عدسات الهواتف المحمولة لأهالي المدينة وعدسات الكاميرا للصحافية ماري كولفن التي قتلها نظام الأسد في حمص لأنّها تنقل الحقيقة؟

الأسد ينتشي بصيده، لكنّه أي الأسد الحيوان لا يصطاد إلا عندما يكون جائعاً، أمّا أسد التعفيش الحاكم قسراً لسورية فهو يصطاد وينتشي بتقطيع أوصال فريسته ليس جوعاً بل إمعاناً في القتل وتلذّذاً فيه.

الوقاحة التي ينتهجها نظام الحكم في سورية لم يكن جساس ليفكّر بها، فلم يقل لابن أخته: أنا قتلت أباك برمحي هذا ولكنّك يا ابن أختي ستقول للعرب إنّ أباك قتل نفسه لأنّه بخيانته جلب للقبيلة العار، أنا قتلت أباك برمحي هذا لكنّك يا ابن أختي ستهتف بمجدي وتنشد لي الأشعار مرغماً، وستضحك أمام القبائل وتصرخ ملئ فاك: جساس ربّي وربُّ العرب.

لم يفعل جساس شيئاً من هذا، وفعله الأسد فبأيّ العصور نعيش نحن؟ وما هي الجاهلية؟

من حمص إلى داريا إلى القلمون و الغوطتين وصولاً إلى فلسطينيي سورية أهالي مخيم اليرموك، وسوريي الجولان المحتل الذين وسمهم النظام بالنازحين، ومناطق أخرى كثيرة كلّها انقسمت بين أهالٍ قبلوا التسوية مرغمين لانعدام الخيارات، وبين أهالٍ لم يلتفتوا للتسوية، فكانت الخيام خيارهم الوحيد ومن هناك يصنعون الخَيَار، تماماً كما قاله لي أحد الفلسطينيين المهجّرين بعد ليلته الأولى في المخيّم القماشي: جهنّم الرّب ولا حكم آل الأسد وسنرجع إلى الشام لكن بطريقتنا، طبعاً الرجل الخمسيني قال هذا وهو بلا ساقٍ ولا ابنٍ وحيد ولا بيتٍ بناه على مدى 4 سنوات سالفة!

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend