التحالف الروسي – التركي – الإيراني في سورية

مقدمة:

لعل أهم ما ميّز المسألة السورية منذ البدايات هو سرعة حصول التدخلات الإقليمية وتعدُّد أطرافها، علاوة على تأخر الضبط الدولي للصراع المسلّح والاكتفاء بمراقبته وإدارته، بحيث لا يُحسم لمصلحة أحد الطرفين، وسط تراجع الحديث عن جوهر المشكلة المتمثل بثورة شعب ضد نظام مستبد. ويمكن القول إن مؤتمر جنيف 1 (2012) كان بداية صحيحة، لم تكتمل، للتعاون الدولي من أجل الخروج من حالة الاستقطاب الداخلية والخارجية، ورسم خارطة طريق للحل السياسي، كعملية انتقالية ديمقراطية متدرّجة وآمنة.

منذئذ، كانت ثمة محطات عدة لتوافقات أميركية – روسية حول رؤية عامة للحل السياسي، لم تخرج كثيرًا عن مقررات جنيف 1، لكن من دون إرادة حقيقية لتطبيقها على أرض الواقع، نظرًا إلى وجود العديد من النقاط الخلافية بين الدولتين، فضلًا عن ربط التوافق بينهما على الحل في سورية بقضايا خلافية في مناطق أخرى من العالم.

في خريف عام 2015، استعاد التدخل الروسي في سورية التوازن العسكري بين قوى النظام والمعارضة المسلحة خلال عدة أشهر، وصولًا إلى قلبه لمصلحة النظام في الوقت الحاضر. حدث ذلك في غياب موقف أميركي واضح، وتردّد إدارة الرئيس أوباما في السعي لتعزيز المسار السياسي في جنيف، وانشغال التحالف الدولي الذي تشكل عام 2014 بالحرب ضد (داعش) والحدّ من تمويل الإرهاب، من خلال الضغط على الدول الإقليمية ذات الصلة. وفي منتصف عام 2016، تطور تحالف جديد، روسي – تركي – إيراني، تداخلت أهدافه المُعلنة مع أهداف التحالف الدولي في الحرب على الإرهاب أو ادعائها، وافترق التحالفان في قضايا أخرى.

أولًا: نشوء التحالف الثلاثي:

كانت إيران، وبرغم الزخم الذي دخلت به على خط الصراع في سورية عام 2013 إلى جانب النظام، قد وصلت في منتصف عام 2015 إلى طريق مسدود، بعد سيطرة الفصائل المسلحة على مدينة جسر الشغور وأجزاء كبيرة من سهل الغاب وريف اللاذقية، وتهديدهم المباشر للساحل السوري.

في هذه الأثناء، سافر الجنرال قاسم سليماني، قائد (فيلق القدس) في الحرس الثوري الإيراني، إلى موسكو لإقناع الروس بالتدخل في سورية لتغليب كفة النظام على المعارضة المسلحة، والترتيب لزيارة رأس النظام من أجل وضع اللمسات الأخيرة على التدخل الروسي أواخر شهر أيلول/ سبتمبر من العام ذاته. منذئذٍ، دخل التعاون بين طهران وموسكو مرحلةً جديدة، وجرى تقاسم المهمات بينهما، حيث تضطلع إيران بقيادة الميليشيات الشيعية، على رأسها ميليشيات (حزب الله)، وبقايا قوات النظام على الأرض، فيما تتكفّل روسيا بتأمين الغطاء الجوي لهذه القوات البرية.

في مرحلة لاحقة، احتدم التنافس بين الدولتين على الإمساك بمقدرات النظام السياسية والعسكرية، ومع مرور الوقت، باتت الكفة تميل إلى مصلحة الروس. وبقيت نقطة الضعف الإيرانية في هذا التحالف في أن الروس هم من أنقذوا الإيرانيين من هزيمة محقّقة في سورية، وكان عليهم التذكير بذلك كلما نشبت الخلافات بينهما.

لاحقًا، وبعد التقارب الروسي – التركي عام 2016، تشكل تحالف جديد، روسي – تركي – إيراني، كضرب من توسيع التحالف الروسي – الإيراني، ما أتاح لروسيا الخروج من قيود التحالف مع إيران وتوسيع دائرة تأثيرها السياسي لتشمل المعارضة المسلحة بوساطة تركيا، الداعمة للكثير من الفصائل والضامنة لها، فيما أمّن التحالف الجديد لتركيا تجاوز العقبة الأميركية في التوسع شمال سورية، وإمكانية إجراء المقايضات التي توفّر لها السيطرة على بعض المناطق الحدودية.

تُهيمن روسيا على التحالف الثلاثي وتقوده في مواجهة التحالف الغربي الذي تقوده أميركا، وذلك باستغلال التناقضات الموجودة بين شريكتيها في الحلف أو بين كل منهما ودول التحالف الغربي. لكن ذلك لم يخفِ هشاشة هذا التحالف؛ بسبب تعارض المصالح في قضايا كثيرة، ومنها الخلاف على تقاسم مناطق النفوذ في سورية.

عزّزت سلسلة مؤتمرات أستانا من قوة التحالف الثلاثي، ومكّنته من السيطرة النسبية على مجريات الصراع العسكري بإنشاء مناطق خفض التصعيد. ومن خلال هذا التحالف، استبدلت روسيا التعاون والتنسيق المتعثرين مع الولايات المتحدة بالتنسيق مع شريكتيها، إيران وتركيا.

في هذه الأثناء، كانت العلاقات التركية – الأميركية تمر بالكثير من المطبات، وأهمها اعتماد الأميركيين على قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD)، العدو الأول لتركيا، في الحرب على (داعش) منذ معركة عين العرب (كوباني) 2014. وبالنسبة إلى إيران، ثمة تاريخ من العلاقات السيئة للجمهورية الإسلامية مع أميركا، على الرغم من الهدنة الموقّتة بين الدولتين بعد توقيع الاتفاق النووي مع دول الغرب عام 2015.

رافق ظهور التحالف الروسي – التركي – الإيراني إعادة اصطفاف إقليمية خفَّفت من حدّة الصبغة المذهبية، السنية – الشيعية، للصراع في سورية، وخاصة بعد تعرُّض التنسيق بين دول الخليج، الذي كان يطّلع به مجلس التعاون الخليجي، إلى ضربة كبيرة بعد الأزمة الخليجية. وهكذا، رُسِمت خطوط جديدة للمصالح والتحالفات، فتعززت علاقة تركيا بقطر، فيما حاولت إيران التقرب من قطر عبر الإيحاء برغبتها في فك المقاطعة التي فرضتها دول التحالف الرباعي على قطر، فضلًا عن التغييرات الداخلية، ليبرالية الطابع، التي بدأ بتطبيقها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وأثرها في الحدّ من التوجهات الدينية الداعمة للإرهاب، وانشغال الجهد السعودي في اليمن. كان لا بدّ لكل هذه التطورات أن تنعكس على المسألة السورية، بما في ذلك الحدّ من تمويل الفصائل المسلحة أو تغيير مصادر الدعم.

ثانيًا: العلاقات البينية:

لا يمكن إخفاء التناقضات بين دول التحالف الثلاثي، الذي تحكمه ظروف دولية ومصالح مشتركة ما زالت تحوم حول المستويات التكتيكية، سياسيًا على الأقل، مع أن طموح إدارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يذهب بعيدًا إلى تعميق تحالفه مع هاتين الدولتين، تركيا وإيران، في مواجهة العولمة الشاملة التي يتبناها الغرب.

على الرغم من العلاقات المتينة والمصالح المشتركة بين روسيا وإيران، التي تعززت من جرّاء العقوبات المفروضة على الدولتين من جانب الدول الغربية، واتفاقهما على تعطيل دور مؤتمر جنيف، فثمة خلافات مهمة حول طبيعة الحل السياسي في سورية، بدا ذلك واضحًا في مؤتمر سوتشي الأخير، حيث تماهى موقف إيران مع موقف النظام في الاعتراض على تشكيل اللجنة الدستورية التي أُقِرّت في ختام المؤتمر، على أن تقدم الدول الراعية الثلاث مرشحيها لعضوية اللجنة إلى المفوض الأممي، ديمستورا، فيضيف إليها مرشحين من اختياره، ويضع اللمسات الأخيرة عليها.

كما ظهر الخلاف بين الروس والإيرانيين في أكثر من مرة ومناسبة، فامتنع الروس عن التغطية الجوية لبعض المعارك التي أصر الإيرانيون على خوضها في ريف حلب وغيرها، وهددوا بسحب طائراتهم الحربية غير مرة من سورية. وفي معركة الغوطة الشرقية الأخيرة، لم تشارك الميليشيا الموالية لإيران؛ لاختلاف الأهداف أيضًا، ما حدا بالروس لسحب قوات الفيلق الخامس من منطقة دير الزور، فعاد تنظيم (داعش) للحركة، أو فُسح له المجال، واستولى على العديد من المناطق في ريف دير الزور الجنوبي الغربي.

يعدُّ ما سبق مؤشرًا على تعارض نسبي بين السياستين الروسية والإيرانية في سورية، يُضاف إليها عدم اكتراث الروس لسياسات التهجير والتغيير الديموغرافي المذهبي التي يُفضلها الإيرانيون، بخاصة في محيط دمشق، الذي يعتبرونه من مناطق نفوذهم، بما في ذلك الغوطة الشرقية، فيما يسعى الروس إلى إعادة هذه المناطق إلى سلطة النظام، وإخضاع السكان لنفوذه. كما يصعب تذليل الخلافات الروسية – الإيرانية فيما يتعلق بالحل السياسي في سورية، ولا بد من مرور فترة طويلة من التعايش معها قبل الوصول إلى صيغة توافقية مشتركة.

أول وهلة، تبدو العلاقات الروسية – التركية ضمن التحالف الثلاثي أكثر استقرارًا، وتعززها الكثير من المصالح السياسية، التي حصلت بموجبها تركيا على عفرين والمزيد من النفوذ في محافظة إدلب، من خلال وضع العديد من نقاط المراقبة، مقابل الضغط على الفصائل المسلحة في غير منطقة لمصلحة الروس والإيرانيين. ومؤخرًا، أعلن الرئيس أردوغان أن لا حاجة إلى دخول قواته إلى منطقة تل رفعت، بعد أن طمأنه الروس بانسحاب الوحدات الكردية منها، وربما كان تمدد القوات التركية حتى مدينة مورك في ريف حماه الشمالي وإقامة نقطة مراقبة هناك، بديلًا لاحتلالها تل رفعت.

في الوقت نفسه، يستمر تعزيز التعاون الاقتصادي بين روسيا وتركيا، فقد استبقت قمة التحالف الثلاثي الأخيرة، قمةٌ ثنائية بين الرئيسين بوتين وأردوغان، جرى فيها وضع حجر الأساس لبناء محطة نووية في تركيا، فضلًا عن التسريع بتسليم تركيا صواريخ الدفاع الجوي من طراز اس 400، عوضًا من صواريخ باتريوت المُعدّلة، التي اقترحت الولايات المتحدة تقديمها إلى تركيا. ترافقت مجمل هذه التطورات الإيجابية بين البلدين بتليين موقف أردوغان تجاه الأسد، وحديثه المتزايد عن الحرب على الإرهاب.

مع ذلك، يشعر الروس أنهم مضطرون إلى تقديم الكثير من التنازلات للأتراك لقاء استمرار تحالفهما في وجه النفوذ الأميركي، ويلعب الأتراك، من جهتهم، هذه الورقة ببراعة، فلاهم مستعدون للانفكاك عن حلف الأطلسي ولا هم ذاهبون باتجاه حلف سياسي متين مع روسيا، ويفضلون أن يبقى الاقتصاد الرابطة الأكثر ثباتًا في هذه المرحلة على الأقل.

غداة مجزرة الكيماوي الأخيرة في دوما، انتقد الرئيس أردوغان “ازدواجية الغرب وصمته” أمام المجازر التي يرتكبها النظام السوري في الغوطة الشرقية. وفي اليوم التالي، في اتصال هاتفي مع نظيره الروسي، عبّر أردوغان عن قلقه من سقوط ضحايا مدنيين في الهجوم الكيماوي على دوما، كضرب من العتب. لكن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الذي اعتبر هذا الموقف ضارًا بالتحالف، سارع إلى مطالبة تركيا بالخروج من عفرين وتسليمها إلى النظام السوري؛ لثقته بأن قوة الروابط الاقتصادية، ومنها مشروع خط الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا، كبديل أو داعم للخط المار عبر أوكرانيا، ستجعل تركيا تتراجع عن مواقفها. ومع أن الرئيس التركي عقّب على تصريح وزير الخارجية الروسي بالقول إنّ “هذا الموقف خاطئ جدًا، ونحن نعرف جيدًا لمن نُسلّم عفرين”، فإن المواقف التركية اللاحقة مالت إلى المهادنة، فحضّ رئيس الوزراء التركي، علي يلدريم، في الحادي عشر من نيسان/ أبريل روسيا والولايات المتحدة أن تتوقفا عن “الشجار” حول سورية، مشيرًا إلى أن من سيدفع الثمن هم المدنيون، فيما صرح الرئيس أردوغان بعده بيوم واحد: “سنتمسك بتحالفنا مع واشنطن وشراكتنا مع روسيا وتعاوننا مع إيران”.

يبدو أن الأتراك قد عادوا إلى مسك العصا من منتصفها عندما شعروا بجدية التهديد الأميركي المتصاعد بتوجيه ضربة إلى المواقع التي يتم فيها تصنيع أو تخزين أسلحة النظام الكيماوية، وبعد تنفيذ الضربة، أعلنوا تأييدهم لها، باعتبارها “ردًّا مناسبًا” على هجوم دوما الكيماوي، فيما شُغِلت حليفتهم روسيا بإحصاء الخسائر واستيعاب الإهانة. تشير المواقف التركية الأخيرة في سورية إلى استمرار سياسة التأرجح بين هذا الطرف أو ذاك، في محاولة للحفاظ على الحلفاء وعدم مواجهة الخصوم.

أما العلاقة التركية – الإيرانية، فتضمنها المصالح الاقتصادية بالدرجة الأولى، على رأسها تصدير النفط والغاز الإيرانيين إلى تركيا. وفي أثناء الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران، ترجم الرئيس أردوغان هذه العلاقات الاقتصادية سياسيًا بالقول: “إنّ استقرار إيران مهم لتركيا”. ويبدو بأن الجوار الجغرافي والاقتصاد (بلغ حجم التبادل التجاري بين الدولتين 10 مليارات دولار عام 2015) تغلبا على عوامل الاختلاف التاريخية والمذهبية، وبقيت تركيا المتنفس الرئيس لإيران طوال فترة العقوبات الاقتصادية الغربية التي فُرضت على هذه الدولة؛ بسبب اتهامها بممارسة أنشطة نووية غير سلمية.

لكن ذلك لا يخفي تباينات المواقف السياسية فيما يتعلق بالملف السوري، في ضوء شعور إيران المتزايد بأنها الطرف الأضعف في التحالف الثلاثي، على الرغم من كل ما قدمته في سورية. ووصل الأمر بإيران، أحيانًا، إلى الوقوف في وجه التمدد التركي بالقوة، مثلما حدث في هجوم الميليشيا الحليفة على رتل عسكري تركي كان يتقدم لوضع نقطة مراقبة في تل العيس بريف حلب الجنوبي أوائل شهر شباط/ فبراير الماضي. من الناحية الاستراتيجية، يعيق التمدد التركي في شمال سورية طريق العبور الإيراني إلى سورية ولبنان عبر كردستان العراق.

في الوقت الذي تبدو فيه الروابط السياسية لدول التحالف الثلاثي هشةً، تقوم الدول الثلاث بتمتين العلاقات الاقتصادية بينها على المستويات كافة، ومنها الاتفاقيات الاستراتيجية المتعلقة بالطاقة النووية والنفط والغاز، فضلًا عن النشاط التجاري والسياحي. فربما يساعد تمتين الروابط الاقتصادية في ترميم الخلافات السياسية وتخفيف حدة التناقضات البينية وترجيح احتمال حلها عن طريق التفاهم والتفاوض. مع ذلك، لا شيء يبدو ثابتًا في الرمال المتحركة للعلاقات الدولية والإقليمية في سورية.

ثالثًا: قمة أنقرة وادّعاء أميركا الانسحاب من سورية:

مع أن التحالفين، الروسي والغربي، بدءا كمشروعين غير متضادين تمامًا، فإنهما تحوّلا تدريجًا إلى المواجهة في سورية، بخاصة بعد وصول الحرب ضد (داعش) إلى خواتيمها، وبروز مسألة تقاسم النفوذ وتوزيع الحصص. كما أن ظهور خلافات جديدة بين دول الغرب وروسيا، تمثل آخرها بمسألة الطرد المتبادل للدبلوماسيين بعد اتهام روسيا بتسميم الجاسوس الروسي – البريطاني المزدوج وابنته في لندن، علاوة على الضربة الأخيرة التي وجهتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إلى مواقع النظام؛ قد تنعكس توترًا جديدًا في العلاقات بين هذين التحالفين.

لم تأتِ قمة أنقرة الأخيرة بين رؤساء دول التحالف الثلاثي بجديد، في العلن على الأقل، واكتفت بالحديث عن “دعم الدول الثلاث لسيادة ووحدة الأراضي السورية” و”التعاون من أجل إحلال السلام والاستقرار في سورية” و”الاستمرار في محاربة الإرهاب، وأهمية فصل الإرهابيين عن المعارضة المسلحة”، وبأن “الحل ممكن فقط من خلال عملية سياسية”. مثل هذه التعابير المكرّرة والعامة تُضمر أكثر مما تُعلن، وقد تشير إلى وجود اتفاقات غير معلنة بين أطراف التحالف الثلاثي، مثلما يمكن أن تشير إلى الرغبة في طمس الخلافات في وجهات النظر.

بالطبع، من غير الممكن للدول الثلاث إغفال الحدث المهم المتمثل بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتعلقة برغبته في الانسحاب من سورية، وأن ذلك لا بدّ أنه شغل حيزًا مهمًا من مباحثات القمة الأخيرة في أنقرة، لما له من أثر كبير في مختلف الأطراف ذات النفوذ في سورية وعلى الحل السياسي النهائي. فمن المعروف أن أميركا تدعم الخطوات المتَّبعة في مؤتمرات جنيف، في حين تركز روسيا، الطرف الرئيس في التحالف الثلاثي، على مخرجات مؤتمرات أستانا ومؤتمر سوتشي، ومن وراء ذلك محاولة روسيا الاستفراد بحل المسألة السورية، ولو أن تحقيق ذلك دونه المزيد من العقبات.

تحاول روسيا استثمار جهدها العسكري والدبلوماسي في سورية من أجل رسم خريطة الحل السياسي الذي تريده، وهي مستعدة لتقديم التنازلات إلى حليفتيها الرئيستين، تركيا وإيران، ومحاولة تذليل التناقضات بينهما بما لا يغيّر من جوهر هذا الحل، المتمثل بإجراءات تجميلية على النظام والإصرار على شرعيته ودعوة الأطراف كافة للتعامل معه. في هذا الإطار، لا تتوانى روسيا عن الإشارة إلى الوجود غير الشرعي للقوات الأميركية في شرق سورية، مقارنة بوجودها “الشرعي” من خلال اتفاقية جرى توقيعها بتاريخ 26 آب/ أغسطس 2015، وجرى بموجبها تسليم مطار حميميم قرب مدينة جبلة لروسيا إلى أمد غير محدد، علاوة على توقيع اتفاقية توسيع القاعدة البحرية في طرطوس واستخدامها مدة 49 عامًا قابلة للتمديد في 20 كانون الثاني/ يناير 2017.

حتى الإدارات الأميركية فوجئت بإعلان الرئيس ترامب، في 29 آذار/ مارس من الشهر الماضي، عزمه الانسحاب من سورية، مثلما فعلت دول كثيرة مهتمة بالشأن السوري. برّر الرئيس قراره هذا بالحدّ من التكاليف، وكان قد وعد في حملته الانتخابية بتوفير المزيد من الأموال، مذكرًا بإنفاق 7 تريليون دولار في الشرق الأوسط مقابل “لا شيء”، كما قال، لا بل إنه طالب السعوديين بدفع التكاليف إن أرادوا بقاء القوات الأميركية في سورية، في عملية ابتزاز مالية وسمت تصريحات الرئيس الأميركي في لقاءاته مع بعض الأطراف الخليجية أكثر من مرة. لاحقًا، أسفر اجتماع الرئيس بأعضاء مجلس الأمن القومي الأميركي عن تأجيل الانسحاب مدة ستة أشهر؛ بغية إنهاء الجيوب الداعشية المتبقية في سورية، وفقًا لما صدر عن الاجتماع.

جاء قرار الرئيس الأميركي المفاجئ في الانسحاب ولم تكن قد مضت عدة أشهر على وضع وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، لأسس الاستراتيجية الأميركية في سورية، وذلك في خطاب له في جامعة ستانفورد في 17 كانون الثاني/ يناير الماضي، فضلًا عما ورد في “اللاورقة” التي جرى الاتفاق عليها مع الحلفاء الغربيين والسعودية والأردن.

من المرجح أن تذهب هذه الاستراتيجية مع وزير الخارجية المُقال، ولا بدّ من انتظار وضع استراتيجية أميركية جديدة حول سورية بعد تعيين مسؤولَين متشددين جديدين في إدارة الرئيس، هما وزير الخارجية، مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي، جون بولتون، مع العلم أن مواقفهما تميل إلى معارضة قرار الانسحاب، بوصفهما مناهضين للدورين الروسي والإيراني في سورية، يعطي ذلك بعض الواقعية لوجهة النظر القائلة إن تصريح ترامب حول الانسحاب كان قرارًا متسرعًا، ومجرّد استعراض لا يلبث أن يتضاءل أثره مع مرور الوقت.

ربما أراد ترامب، حين قال في معرض حديثه عن الانسحاب: “فلندع الآخرين يتولون الاهتمام بها الآن”، رمي الكرة في ملعب التحالف الثلاثي وإرباك حلفائه الغربيين والإقليميين، ما يوقع بين أكثر من جهة، ويورط الدول المهتمة بالمسألة السورية في صراعات بينية.

مع ذلك، ثمة مؤشرات عملية على قرار الرئيس الأميركي بالانسحاب من سورية، منها تجميد 200 مليون دولار كانت مخصصة لإعادة الإعمار في المنطقة التي تسيطر عليها أميركا شرق الفرات، والمباحثات الجارية حاليًا مع الوحدات الكردية لتحديد طبيعة الدعم الأميركي بعد انسحاب القوات الأميركية المحتمل من المنطقة، فالأكراد هم أكثر المتضررين من هذا الانسحاب، وقد دفعهم عدم الاكتراث الأميركي للهجوم التركي على عفرين للتشكيك باستمرار تقديم الدعم لهم شرق الفرات.

لا شك في أن انسحاب القوات الأميركية من شرق سورية سيُسعد الإيرانيين، وهم الذين دعوا إلى مقاومة الوجود الأميركي وتحرير الرقة، وآخر إعلانات هذه “المقاومة” ما صدر عن ميليشيات (الباقر)، التي أعلنت الجهاد ضد القوات الأميركية في شرق سورية.

يحقق الانسحاب الأميركي، إن حصل، حصول الإيرانيين على المزيد من المكاسب في سورية، ويزيل الخطر المتمثل بقطع الطريق باتجاه مناطق نفوذهم في سورية ولبنان، فضلًا عن تعزيز قوة أوراقهم في مواجهة الهيمنة الروسية شبه المطلقة على الأوضاع في سورية، وفي نهاية المطاف، يمكِّنهم ذلك كله من الحصول على حصة أكبر من الكعكة السورية.

إنه لمن المستغرب أن تنسحب أميركا من سورية في الوقت الذي تبني فيه استراتيجيتها للحدّ من النفوذ الإيراني في المنطقة، مع أن بعض التحليلات تذهب بعيدًا، معتبرةً أنّ الانسحاب الأميركي قد يستبق ضربة أميركية لإيران، ربما بمشاركة “إسرائيل” أيضًا، وحتى لا تكون القوات الأميركية، البالغ عددها 2000 جندي، هدفًا للرد الإيراني المحتمل.

يؤثر الانسحاب الأميركي أيضًا على تموضع تركيا في التحالف الثلاثي، وكانت تركيا قد سيطرت على جيب جرابلس – إعزاز – الباب، ومن ثم عفرين بمقايضات مع روسيا وعدم اعتراض أميركي، كما طالبت أميركا بالانسحاب من منبج بغية الحلول مكانها. لكن أميركا ليست في وارد تحقيق الطلب التركي، بدليل تعزيز قواتها هناك مؤخرًا، فضلًا عن إعلان فرنسا عن رغبتها في إرسال بعض جنودها إلى هذه المدينة، وهذا ما تعترض عليه تركيا بشدة. قد يشير الإعلان الفرنسي إلى رغبة الولايات المتحدة في أن يتم ملء الفراغ الذي سيتركه انسحابها من الجزيرة بقوات من حلفائها الأوروبيين، وربما الخليجيين أيضًا.

في جميع الأحوال، سيكون من السهل على تركيا تنفيذ مخططاتها في الشمال السوري، الذي تعتبره ملعبها الخاص، إن حصل الانسحاب الأميركي، مع أنها قد تدخل في حرب مفتوحة مع الوحدات الكردية، بخاصة إذا استمر الدعم الأميركي للأكراد. كما قد تدخل تركيا في تنافس حاد مع حليفتيها، إيران وروسيا، على تقاسم الحصص في المنطقة الشرقية الغنية بالموارد، ما يضعف من قوة التحالف الثلاثي، الذي تعتبر مواجهة النفوذ الأمريكي عامل لحمته الأساس.

من جهتها، بدت روسيا مشككة بالنيات الأميركية حول الإعلان عن الانسحاب، وهي التي دعت إليه مرارًا، واعتبرت الوجود الأميركي غير شرعي. مع ذلك، روسيا هي الطرف الرئيس الذي سيشغل الفراغ بعد الانسحاب المزعوم، ما يزيد من قوتها، ليس فقط في مواجهة حليفتيها، إيران وتركيا، إنما وفي مواجهة “إسرائيل” أيضًا، التي لن تشعر بتلك القوة والثقة في غياب حليفها الأميركي عن الساحة السورية.

في معركة الغوطة الشرقية الأخيرة، بدا أنه ليس ثمة تعارض بين الروس والأميركيين فيما يتعلق بالإجهاز على المعارضة المسلحة، لا بل إن اجتماع أطراف غرفة “الموك” في الأردن لم يُعط الضوء الأخضر لفصائل الجنوب من أجل فتح معركة لدعم فصائل الغوطة. وبدا أن أميركا لا تُعارض سيطرة الروس على جزء مهم من سورية لا يوجد فيه الأمريكيون بقوّة، ربما تمهيدًا لمرحلة الحل السياسي الذي سيحدِّد توزيع القوى السياسية بالتناسب مع توزيع القوى العسكرية.

في هذا الإطار، يلفت الانتباه أيضًا ما قاله الرئيس الفرنسي، ماكرون، في مكالمة هاتفية مع نظيره الروسي، متمنيًا عليه “الإسراع في إنجاز الحل السياسي في سورية”، وهو اعتراف ضمني من دول الغرب بمسؤولية الروس عن هذا الحل. كل ذلك لم يخفِ الغيوم الملبّدة في سماء العلاقات بين الروس والغرب، والتي كانت تحتاج إلى شرارة، لم يلبث أن وفرها الهجوم الكيماوي على مدينة دوما، إذ لا يمكن لروسيا الهروب من تحمل مسؤولياتها بهذا الشأن، على الرغم مما وضعته من عراقيل وفيتوات سابقة بهذا الشأن.

تأتي كل هذه التطورات بعد تحوُّل علاقات التعاون النسبية لإنجاز الحل السياسي في السنوات السابقة إلى مواجهة دبلوماسية واحتكاك عسكري بين القوتين الكبيرتين، بخاصة بعد الضربة الأميركية في شرق دير الزور، والتي قتل فيها العديد من الضباط والجنود الروس المرتزقة، علاوة على النتائج التي يمكن أن تترتّب على الضربة الأميركية – البريطانية – الفرنسية على مواقع النظام صباح الرابع عشر من نيسان/ أبريل. على الأغلب، سيُطوى موضوع الانسحاب الأميركي على المدى المتوسط، كأحد مفاعيل الضربة الأخيرة، التي قد تمهَّد لعودة جهد التحالف الدولي من أجل تفعيل الحل السياسي في سورية.

خاتمة:

على الرغم من المصالح التي تربط روسيا وتركيا وإيران في سورية، فلا يمكن اعتبار تحالفها منجزًا، كما أنّ التحولات السياسية والعسكرية الجارية على الأرض السورية، فضلًا عن المستجدات التي تظهر من وقت إلى آخر، يمكن أن تعيد ترتيب العلاقات السياسية بين أطراف التحالف أو تقود إلى تفكيكه، فالخلافات البينية حول تقاسم مناطق النفوذ هي العامل الداخلي الذي قد يزعزعه، فيما قد يعمل الضغط الخارجي للحلف الغربي على إضعافه.

تحدث هذه التجاذبات الدولية والإقليمية بغياب الصوت السوري الفاعل والمستقل، ما يجعل النتائج تصب دومًا في غير مصلحة السوريين، الذين يدفعون ثمن صراعات الآخرين وتحالفاتهم من دمائهم وممتلكاتهم، وتتبدد ثرواتهم التي تحتاجها الأجيال المقبلة لإعادة بناء سورية. كما أن احتمال تطور هذه الاحتكاكات الدولية إلى صدامات عسكرية، يمكن أن يفضي إلى عواقب لا يمكن التكهُّن بمداها وآثارها على سورية.

من سوء حظ السوريين أن يتحوَّل حلمهم بحياة لائقة ودولة حق وقانون إلى كابوس طويل، يتحمل الاستبداد المسؤولية الرئيسة عنه، في حين تتحمل الدول التي تدخلت في الشأن السوري المسؤولية الأخلاقية عن استمراره، بخاصة الدول الغربية التي تعتبر نفسها وصية على قيم الحرية والعدالة في هذا العالم، وذلك لتجاهلها المسألة الأساس، المتمثلة بوقف الحرب وإنجاز الحلّ السياسي الدائم.

مصدر مركز حرمون للدراسات المعاصرة
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل