طهران – تل أبيب ورقتا كوتشينة أم حرب مشاريع؟

ما نتائج الاستفزاز الذي نراه بين تل أبيب وطهران ؟ وهل يمكن احتوائه أم أنّ طبول الحرب قُرعت وانتهت المسألة؟

الأيام السورية؛ فرات الشامي

لم يخرج الصراع الإيراني-الإسرائيلي خلال العقود الماضية عن الحرب الكلامية والتصعيد الإعلامي؛ بين الطرفين، ورغم بعض المناوشات التي جرت وتجري بينهما على الأرض، وباستمرار، لم تدخل الساحة مواجهة حقيقية بين الفريقين.

معظم الشواهد والوقائع تؤكد أنّ حتمية الردّ الإيراني على إسرائيل، أو تأديب طهران، ظلّ في إطاره التقليدي، حرباً بالوكالة، ساحتها لبنان دائماً، ومؤخراً سورية.

مسألة المواجهة المباشرة عسكرياً، أو الحرب الشاملة، تنفيها على الأقل تصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، الذي توعّد بمعاقبة إسرائيل، مؤكّداً أنّ ذلك «أمرٌ حتميٌّ لا رجعة عنه، لكن طبيعته ومكانه وزمانه متروكةٌ لإيران»، حسب تعبيره. هذا ما يعيد إلى الأذهان شعار “الرد المناسب في المكان المناسب”، وهو خطاب النظام السوري منذ عهد حافظ الأسد، الذي ظلّ مثار جدلٍ وسخريةٍ في الشارع العربي.

ثمة سيناريوهات مختلفة ترجّح احتمال أن يسعِّر أحد الطرفين الحرب الدائرة، أو تنفي ذلك الخيار وتضعه ضمن خانة الحرب المحدودة، في حال حصل الردّ فعلاً.

المتابعة التاريخية لطبيعة الصراع الإيراني-الإسرائيلي، تكشف أنّ مقولة “إزالة إسرائيل من الوجود”، واحدةٌ من شعاراتٍ كثيرة رددها المسؤولون الكبار في حكومة طهران، لكنّها لم تخرج أو تتعدى الحرب النفسية، وبقيت التهديدات عموماً؛ هي الرصاص المتبادل بين الطرفين، حتى في أصعب الظروف وأحلك الأزمات.

العالم يدرك أنّ سيناريو المواجهة مكلفٌ عسكرياً وسياسياً، فضلاً عن كونه عامل إرباكٍ لو فكرنا بالجانب الاقتصادي وتداعياته على الطرفين (إسرائيل-إيران)، وهذا ما يبرر لتل أبيب عدم اللجوء إلى الخيار العسكري؛ لضرب المشروع النووي الإيراني، والاكتفاء بضربات مباغتة ومحدودة.

رغم توفر عوامل الحرب بين تل أبيب-طهران فوق الأراضي السورية، فإنّ خياراً كهذا ستحاول إيران تفاديه لأسباب كثيرة، لعل أبرزها يرجع إلى الظرف الداخلي والاحتجاجات التي شهدتها مؤخراً بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية. كما أنّ الدخول في حربٍ مباشرة مرفوضٌ لدى بعض النخب داخل المجتمع الإيراني، لسبب مهم يتمثّل بالنفقة الضخمة التي-من الأكيد ستكون باهظةً، وستضاف إلى فاتورة ما يدفع في اليمن وسورية.

المواجهة المفتوحة مع إسرائيل، ستخلق ذريعةً لدى الإدارة الأمريكية للتدخل عسكرياً ومساندة تل أبيب، بالتالي؛ من الطبيعي أن نقرأ الحذر الإيراني؛ لتفويت فرصة ذهبية كهذه على واشنطن.

من جانب آخر، توجد خشية لدى طهران من تقويض ما كسبته مؤخراً من الناحية الاستراتيجية على الأرض؛ في سورية تحديداً.

إيران داخلة ضمن حلفٍ قوي مع روسيا، تختبأ خلفه وتحتمي به؛ ما يجعل الرد على إسرائيل انطلاقاً من الجولان مثلاً، يصطدم بمعارضة قوية من الروس.

الرد الإيراني، بكلماتٍ مختصرة؛ محكومٌ بتوازناتٍ وتفاهماتٍ فرضتها ظروفٌ متشابكة داخلية وخارجية، وأهمها وجود موسكو على خط حماية إسرائيل.

Steve Jobs Apple co-founder

لا يختلف الحذر في إسرائيل عن أجواء التوجس الإيراني؛ فالظروف والأزمات الداخلية والسياسية التي تعيشها تل أبيب، إضافةً لوجود عاملٍ عسكريٍّ يعيق التحرك باتجاه التصعيد الشامل، والمتمثل بالخشية من تعدد جبهات الحرب في كلٍّ من: (غزة المدعومة من حكومة طهران، لبنان والذراع الإيراني حزب الله، وأخيراً سورية التي باتت مرتعاً للميليشيات المتعددة الجنسيات والمعروفة بولائها الطائفي الذي ينتظر الإشارة للتحرك).

جميع تلك الأوراق الضاغطة والمتعددة لعلها كافية لتثني تل أبيب عن المخاطرة؛ وتوجيه ضربة قوية لإيران.

إنّ الشواهد المتوفرة تجعل من الحرب بين الطرفين إيران-إسرائيل خياراً عبثياً، هذا في حال صدّقنا بحتمية وحقيقة العداء بينهما، وكذّبنا أنّ كل منهما يمثل وجهان لعملة ورقية واحدة.

بالتالي؛ تبقى احتمالية المواجهة العسكرية المباشرة، أمرٌ مستبعد، تحكمه عوامل خارجة حتى عن إرادة الكيان الإيراني والصهيوني معاً، فهو محكوم ومرتبطٌ بتوازنات وتفاهمات دولية، إضافة لعوامل أخرى داخلية لدى الجانبين.

إسرائيل وإيران عملياً يفضلان خياراً واضحاً؛ تبقي الحرب التصعيدية الكلامية في إطارها التاريخي، ومن الممكن أن يكون شكل المواجهة من خلال الضربات العسكرية المحدودة من الجانبين، وفي مثل هذه الحالة فإنّ إمكانية احتواء أثرها وتداعياته سيكون من السهل ضبطه.

إسرائيل مستفيدة حقيقةً من التغلغل الإيراني في المنطقة، فهي تدفع باتجاه فرض صراع طائفي سني-شيعي ينهك الطرفين، بالتالي توفير الوقت والتكلفة في عملية مستقبلية تجهز على المنتصر بينهما.

Steve Jobs Apple co-founder

كما أنّ تل أبيب ما تزال على تنسيق مع الإدارة الأمريكية بغية إضعاف إيران، مستفيدةً من وجود الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض صاحب السياسة المناهضة لطهران، ومستفيدة أيضاً من التبدل الواضح في سياسة الرياض اتجاهها، واحتمالية التعاون بينهما على إقناع واشنطن وحملها على نقض الاتفاق النووي الإيراني واردة بل موجودة وتسير في هذا الخط.

لو صدقنا جدلاً أنّ إيران تسعى لإنهاء إسرائيل؛ فالسؤال ما الذي منعها قبل اليوم من توجيه سيفها لقطع الرقبة الصهيونية، أم أنها مجردُ شعاراتٍ، أو بالون مطاطي ينفخ في هواءٍ رحب، والعكس يقال بحق تل أبيب؟! وحتى ذلك اليوم الذي نسمع فيه بضربة عسكرية أو مواجهة بين الطرفين تبقى مقولة الرد المناسب في المكان المناسب هي السيد على الأرض.

عملياً، إيران فزاعة لا يمكن اقتلاعها، فهي ورقةٌ رابحة بالنسبة للغرب وتحديداً واشنطن، كما أنّ لهاث المجتمع الدولي لإرضاء وحماية إسرائيل لن يتغير؛ فالصراعُ محكومٌ بهذا القالب، له شكله وبعده الديني الذي تستعمله كل الأطراف، ولا يمكن تجاهله أو إغفاله.

دول الخليج تدفع خوفاً من الفزاعة، إسرائيل لا تريد إلا حماية حدودها وبقاء وجودها، الغرب يملأ خزائنه من المدفوع ثمناً لحماية رعاة البترول العرب… تلك معادلة سياسية موجودة أيضاً، ولها دلالاتها.

أما إيران فهي تقنع شارعها الداخلي بأنها تخرج كلّ يومٍ بانتصارٍ تاريخي على الشيطان الأكبر، إسرائيل، وتواجه مؤامرةً كونية، شأنها في ذلك شأن النظام السوري، تستهدف ثورتها الإسلامية وقوتها المتنامية.

بالمحصلة فإنّ ما يعزز قوتها داخلياً يتجلى من خلال إقناع مواطنيها بأنّ وجود قواتٍ لها في سورية سيف في خاصرة الصهاينة، وهذا بحد ذاته انتصار!

لا يوجد خاسرٌ في معادلةٍ طرفاها تل أبيب-طهران، كلاهما يمثل رغبة المجتمع الدولي في تفتيت المنطقة العربية، وتأجيج الصراع، ومن ثم إخماد فتيله، وبمعنى آخر، هما ورقتا الكوتشينة الأخيرة والأولى التي تُرمى على طاولة الصراع في العالم.

Steve Jobs Apple co-founder

 

مصدر arabic.rt
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل