وطنٌ مكسورٌ خلف الطاولة

الأيام السورية؛ فرات الشامي

لأول مرةٍ تبتعد عن غرفتها المنهكة، في ذاك السوق الذي تحوم بداخله أفكارها، كأس الشاي بلا نكهة، بلا لون، إنه مجرد زجاجةٍ ممتلئة، ربما تنكسر، كما ينكسر الفؤاد… الطريق إلى المنزل خيارٌ وحيد، فالماضي يحتاج إلى طاولة وقلم، وشيءٍ من الأوراق القديمة تيقظ الغفوة وتحملها على كفِّ أمل.

خلف الطاولة؛ كل شيءٍ يبدو مرتبطاً ومربكاً، الذكريات والصورة، الأقلام والأوراق… لا تختلف عن فوضى حياتها بعيداً هناك في غربتها… دمعةٌ واحدةٌ كانت تكفي لتشي بما يدور في رأسها من أفكار… ومشاعر محكومةٍ بالسكوتِ كالقيد محيطاً بالمعصم.

تعيد ترتيب الأوراق كمن يعيد إلى الذاكرة شيئاً تحتاجه… أو تبحث عنه بمفردها خلسة … ربما هو اشتياق، قطعاً إنها تسير برغباتها إلى اللحظات الأولى لولادة عشقها الذي توج بالزواج.

لم تكبُر … لكن الدهر أورثها أثراً واضحاً في صوتها وكلماتها وهي تخربش فوق تلك الورقة المهترئة على الطاولة؛ كأنما تريد تحويل القلم إلى سكينٍ يقطع صلتها باﻷلم… تلك وريقاتٌ كتبت عليها قبل سبع سنوات… (بدنا حرية).

دفعت الثمن… قدمت شهيداً شاباً عرف معنى الرجولة مبكراً، والإيمان بوطنه!!

كانت تحاول أن تنتفض مع عائلتها التي توزعت اليوم بين الشتات في تركيا حيث يعيش ولدها وزوجته، في الشمال السوري زوجها الذي يخاطب كل شابٍ يراه كما اعتاد أنْ يتحدث إلى ابنه الشهيد، وينهي حواره بدمعةٍ هو الآخر … ثم يبتعد عن المكان.

أما هي، فلا تزال تكمل المشوار الذي خطته؛ لكن في غربتها بعيداً عن سورية.

صوت أم كلثوم تلك الأمسية كان يعيد إليها الحنين إلى صدر ولدها وزوجها، أمسكت الظرف وأخرجت ورقة قديمة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة، كانت تحمل ذكرى أول خلاف مع زوجها وحبيبها الشاب… تقرأها بصوت خافت: ((أنت فين والحب فين))، وشيئاً من العتب… تدمع مقلتاها؛ لكنها ما تلبث أن تخرج ورقةً أخرى: تهمس ما بداخلها همساً، لكننا تصالحنا بعد مشاجرة … انظر ماذا كتبت يومها: ((صالحت بيك أيامي حاربت فيك الزمن))… ثم تبدأها بسطر جديد، ((اشكي مش حسأل عليك… أبكي مش حارحم عينيك))… تسخر من صباها، ثم ما تلبث أن تمسك هاتفها الجوال… صوت رنينه يكسر صمت المكان.

يرد زوجها، لا تخرج الحروف إلا بالكاد… تهمسها كأنما صوت ناي يشي بأسرارها…

لماذا البكاء؟

ليت الزمن توقف، ليت شيئاً لم يحدث.

على العكس، نحن افترقنا من أجل الوطن، ورأينا كيف أثمر حبنا شاباً سقا تراب دمشق من دمه… إنّ الحب يولد من رحم تربة الشام وغيرة شبابها.

تودعه… تاركة فؤادها بين يديه، وأفكاراً تترنح بها بين الفخر والانكسار.

تستسلم للأغنية التي لم يعد يسمع في المكان إلا نغماتٌ تدندنُ معها، سائحة سارحة ببصرها نحو بيتها الذي احتلته ميليشيا حزب الله بعد السيطرة على ضيعتها في ريف دمشق.

لم تبدُ مختلفة عن غيرها من أمهات سوريا، بل بدت متماهية مع وطنها، كأنما اتحد جسدها بتراب بلادها، منكسرة مثل دمشق المحتلة، مقيدةً بالأمل حيناً، والخيبة حيناً آخر…

خلف طاولتها لا تزال تمارس دورها وعملها الثوري ... هي امرأةٌ تحاول أن تشبه الوطن. وتؤمن بما قاله زوجها: إنّ الحب يولد من رحم تربة الشام وغيرة شبابها.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل