احتفالية عيد العمال والطقوس السورية

عيد العمال؛ احتفاليةٌ بطقوسٍ ألفتها الذاكرة، بين الرعب والرهبة، هكذا أرادها حافظ الأسد، كيف كنّا نعيشها؟

الأيام؛ فرات الشامي

اعتاد السوريون تكذيب عطلة اليوم الأول من أيار الرسمية، بل اعتادوا أن يستقبلوها بكوابيس تقضّ مضاجعهم قبيل ساعاتٍ من استقبالها، فالجميع دون استثناء مرغمٌ على الذهاب للعمل طواعيةً في يوم الإنتاج.

عدم الحضور والتغيُّب، مصيره خصمٌ من الأجرة، ومساءلة سياسية، تستوجب زيارة أحد الأفرع الأمنيّة ذات الصيت الواسع والتي تجاوزت العشرات.

الطابع الاحتفالي في عيد العمال له طقوسه السورية التي تختلف بطبيعتها عن غيرها من الدول العربية، تتخلله خطاباتٌ نارية، وأبياتٌ شعرية تمجّد القائد الخالد، وتهتف لروحه وأبديته.

صالة الفيحاء الرياضية بدمشق؛ مكانٌ يذكر بتلك الاحتفالية، حيث كان يحشر آلاف العمال للاستماع إلى ما يلقيه المسؤولون على آذانهم، مذكّرين بمنجزاتٍ أبهرت العالم وتحققت في ظل الحركة التصحيحية المجيدة…!

كنتُ صغيراً حين شرّفني حضور ذاك الحفل الوطني الساهر؛ في تسعينات القرن الماضي، المكانُ مزيّنٌ بالأعلام، صورة السيد الرئيس المناضل الرفيق الفريق حافظ الأسد تحرسها عيونُ رجالات الشرطة، وباقاتٌ من الورد تملأ المدرج، كأنها صالة عرسٍ تستعد لاستقبال العروسين.

دخل الجميع ((المسؤولون))، إلى القاعة الرئيسية، موسيقا وطنية ترتفع وقرع طبول تضج به الأرجاء، يقف العمال، تبدأ الحناجر بالهتاف للقائد، وبعض المتملّقون يلقون أبياتاً من الشعر تمجّده، ما يلبث مقدّم الحفل أن يطلب منهم الجلوس في أماكنهم.

ثمة فتاةٌ لطيفةٌ داعبتني، سمراء طويلة، ممتلئة، فستانها الذي ارتفع قليلاً عن ركبتيها جعلها محطّ الأنظار من السادة المسؤولين الذين لم يخفوا رغبتهم في التودد مني بينما كنتُ في أحضانها، حقدهم الطبقي بدا واضحاً، فالمكانة التي بلغتها في ذاك اليوم الوطني كانت عظيمة، بقدر ما كان حضورها (الفتاة) عزاءً وحيداً لي في ذاك الاحتفال الذي استمرّ ثلاث ساعات، لم أفهم من كلام أمين فرع الحزب، ولا حتى نقيب العمال في سورية كلمةً مما قالها…!!

الإحساسَ بالوحدة كلما تجدد، كسرته قبلاتها المطبوعة على وجنتي، شعرتُ يومها بأنني ممتنٌ لعيد العمال والقائد الرمز.

ما إنْ انتهى الحفل الخَطابي، حتى امتلأت الطاولة القريبة من المسؤولين بما لذّ وطاب؛ مشروباتٍ بأنواعها، وفواكه طازجة. بينما جلس الرفاق العمال على المدرجات، حاملين اللافتات التي تمجد قائد الوطن وحكمته، جميعهم يرتدي الزي الكحلي الموحد، بمقاساته التي تكاد تشعرك بضرورة أنْ تضحك في سرّك؛ فالعيون ترقبك بانتظار زلة مهما بلغت بساطتها. أكمامٌ طويلة، ضيقة، أو واسعة، قصيرةٌ أو طويلة، نادراً ما تجد شخصاً ارتدى ما يناسب قامته، كنتُ أهمسُ في أذن تلك الصبية: ((أولئك أمواتٌ يرتدون أكفاناً زرقاء))، تتبسّم… تشير لي بيدها أنْ اصمتْ، ولا أتدخل في الكبار. أكمل ثرثرتي معها: لا يهمّ اللون والمقاس، انظري؛ الكل مهتم بالنظر إلى ساعته.

أهمس في سري: ((لو كنتُ أمتلك الخيار، لفضلت الهروب بتلك الفاتنة، أو لمنعت ارتداء الساعات))، ربما حتى يتوقف الزمن عندها، وربما لأني أحسست برغبة المخبرين الذين يتوثبون لقنص الفريسة، أولئك الذين انعدم لديهم الحسّ الوطني، فأرادوا الفرار من الاحتفال.

المشهد بعد الاحتفال يحكي قصة مشكلة السوريين مع وسائل النقل، حركة المرور شبه متوقفة، الأمر طبيعي، فالحارات الفرعية والشوارع أغلقت خوفاً على سلامة السادة أعضاء القيادة الوطنية والقومية، ورجالات الدولة (العظام)، والعظام هنا مقصود بها الكبار، حتى لا يذهب الفكر بعيداً.

مازلتُ أذكر كيف تعلم بعض أصحاب أخوالي الهتافات المكتوبة على الأوراق، والتحذير من التصفيق في الوقت الخاطئ، القيام والجلوس، كانت مسألةً صعبةً بالنسبةِ لأشخاصٍ بسطاء، مسحوقين، لا يعنيهم إلا لقمة العيش… يشرف على كل هذه الجلسات التدريبية الاتحاد العام لنقابات العمال، ويحضّرُ لها قبل أكثر من 15 يوماً من المناسبة.

جورج الشاب الذي وجد نفسه رئيس نقابة عمال التبغ، كان يحذر العمال (البسطاء) من التصفيق عند سماع المتحدّثِ يتوقف عند كلمة “الصهاينة الغاشمون”، كان يخاف أن يعتبرها البعض وقفة ثناء، كما يَحدُث عقب ذكر عبارة: ((السيد الرئيس حافظ الأسد)).

تغيّر كلُّ شيء في عهد بشار الأسد، كنت يومها في الـ25 من عمري، موظفاً حكومياً، يومها دُعيتُ إلى ذات الصالة، للاحتفال بعيد العمال، لا شيء تغيّر إلا صورة الوريث (بشار) عُلّقت إلى جوار صورةِ أبيه (حافظ)، والأهمّ أني لم أجد تلك الفاتنة حاضرة.

المناسبة باتت بلا قيمة، ثمة ما يشي بأنّ بشار الأسد، يحاول أن يعطي انطباعاً مختلفاً عن فترة حكم أبيه، إنه عصر الثروة والمال، عصرٌ صعد فيه رامي مخلوف، ابن خالته.

رتوشٌ صغيرة بلمساتٍ من بشار الأسد، تؤكد أنّه يريد الإيحاء بدوره المختلف، إنه عصرٌ يقوده الطبيب المنفتح الشاب، الذي يعتقد أنّ نقابة العمال، وتلك الموروثات مجرد حرسٍ قديم… إيحاءٌ يظهر للعين أنّ تبدّلاً في الدولة قادم… !!

لتثبت الأيام أنّ كلّ شيءٍ قدّمه النظام السوري في عهد بشار الأسد، بدا مجرد مظاهر تغييرٍ، وليس بتغيير. اختلافٌ في عدم حضور الأسد الابن لتلك الاحتفاليات بعيد العمال، وإلغاء العمل الطوعي، لم يلغِ مشابهته بإجرام والده، وتفوقه عليه.

ما بعد الحراك السلمي الشعبي في سورية، لا تكاد تسمع إلا تلك العبارات التي تقول: ((توقف عن عمله، لا يمكن الذهاب إلى المعمل فالمنطقة محاصرة، الحرب دمرت المصنع، خرجت المعامل التي يمتلكها عن العمل بسبب القصف العشوائي، فقدنا عملنا، لست الوحيد الذي فقد عمله)) … عباراتٌ تذكرنا بحجم المأساة السورية في ذكرى عيد العمال.

أسئلة كثيرة تطرحها هذه الذكرى على طاولة حكومة النظام السوري، وأمام نقابة عماله؛ التي من المفترض أن تكون صوت “العمال الكادحين”، بدل تحولها إلى بوقٍ يعزف مقطوعةً موسيقيةً تمجّد الأسد وتخلّده!!

كم بلغت حصيلة العمال الذين اختفوا أو قتلوا أثناء مشاركتهم في التظاهرات السلمية؛ داخل أقبية المخابرات السورية؟

هل يمتلك النظام السوري إحصائيةً تحدد عدد العمال السوريين الذين مازالوا يمارسون أعمالهم بشكل طبيعي؟

كم عدد العمال الذين حوّلتهم الحرب إلى مقاتلين على الجبهات بعد حمل السلاح؟

كم بلغ عدد المهاجرين والمهجّرين والنازحين من العمال؟

في سورية لم يعد احتفال عيد العمال متعلّقاً بحقوقهم، أو حتى بمسائل الأجر المتكافئ والمناسب، أو حقّهم في ظروفِ عملٍ أفضل! إنهم أمام حقّهم بالحياة، كما أنه حق بلادهم بالبناء؛ وليس التحوّل إلى السلاح قسراً.

تبقى صورةٌ ماثلةٌ في ذاكرتي، ترجعني إلى تسعينات القرن الماضي، إلى ذاك اللقاء التاريخي، الذي جمعني ممثلاً عن منظمة الطلائع، بحضور أحد أخوالي، ممثلاً عن نقابة عمال التبغ، بحضور سيادة الرئيس، حافظ الأسد، قدمت التحية، وبدأ خالي يهتف ويقرأ مطالب العمال التي كُتبتْ له مسبقاً على ورقة، حفظها عن ظهر قلب: ((إنك يا سيادة الرئيس رمز الكفاح، وصمودكم عنوان عملنا، والدافع لنا نحن العمال لنبني الوطن كما علمتمونا، إننا ندرك أنْ كل مطلبٍ بعيد عن فهم دور سورية كدولة مواجهة مع الكيان الصهيوني، يمثل حالة إخلالٍ بعقيدة الحزب الوطنية، وفكركم العروبي، وابتعاداً عن واقعنا وما يحيط ببلدنا سورية من تحدياتٍ إقليمية، وأطماعٍ استعمارية، سواعدنا سلاح الوطن وسيّد الوطن)).

ويبدأ بعدها الهتاف مجلجلاً؛ حفظه خالي وحفظته عن ظهر قلب: ((حط الوردة بالكاسة حافظ أسد ألماسة)). يومها كان التصفيق عالياً في مدرج الفيحاء، وكان الكلّ مسرورٌ لأن مطالبه وصلت للرئيس، فكلّنا خلف قيادته الحكيمة، حتى لو جلد الظهر وأكل الحقّ. على مبدأ مقولة الزعيم عادل إمام: أنت الشعب والشعب أنت.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend