شعر الصعاليك وطوائفهم

ظهر في عصر الجاهلية مجموعة من الشعراء ممّن جسّدوا في أشعارهم شعراً يحمل قضيةً إنسانيّةً واجتماعيّة، نشأ نتيجة الإحساس بالظلم والاضطهاد القبلي؛ ألا وهو شعر الصعاليك.

0
الأيام السورية؛ فاطمة محمد

جسّدت المعلّقات والقصائد الطوال في العصر الجاهلي قيم الحياة القبلية السائدة، التي التزم بها بعض الشعراء، وتمرد عليها البعض الآخر؛ تعبيراً عن شعورهم بالاضطهاد والعبوديّة، فتمرّدوا على النظام الاجتماعي، وكل ما يشمله من نظم اقتصاديّة وفكريّة، وسعوا إلى بيئة خاصة بهم جسّدت نزعتهم الاستقلالية، فكانت ظاهرة الصعلكة.

تعريف الصعلكة:

ظاهرةٌ اجتماعيّةٌ تعني الفقر، وبالرجوع لمعجم لسان العرب أنّ الصعلوك هو الفقير الذي لا مال له، وزاد الأزهري ولا اعتماد، وقد تصعلك الرجل أي افتقر.

اصطلاحاً: هم جماعة من الشعراء الخارجين عن طاعة رؤساء قبائلهم ممّن يمتهنون الغزو والسلب، وتحوّلهم إلى قطاع طرق.

انقسم الصعاليك لثلاثة طوائف:

1-الصعاليك الغرباء:

كان البعض من العرب يأنفون من إلحاق أبنائهم من الحبشيات السود من الإماء بنسبهم وينبذونهم، لذلك يتمردون على ذويهم، ويخرجون إلى الصحراء أمثال عمرو بن براق، تأبط شراً، والشنفرى.

وفي ذلك يقول الشنفرى في لاميته:

أقيموا بني أمي صدور مطيكم       فإني إلى قوم سواكم لأميل

ولي دونكم أهلون سيد عملسٌ      وأرقط زهلول وعرفاء جيأل.

(عملس: القادر على السير السريع، والخبيث من الذئاب والكلاب، أرقط: سواد يشوبه بياض والمقصود النمر، جيأل: اسم للضبع).

نلاحظ فقدان حس الانتماء إلى القبيلة وهجران البشر إلى عالم الحيوانات.

٢-الخلعاء:

وهم الخارجون على أعراف القبيلة والمنتهكين لمواثيقها، وقد تخلت عنهم قبائلهم لما ارتكبوه من جرائم وحماقات مثل: حاجز الأزدي وقيس بن الحدادية.

حاجز الأزدي شاعر جاهلي حليف لبني مخزوم اشتهر بسرعته في العدو، وممن يدركون الخيل عدواً في المعارك يقول:

إن تذكروا يوم القري فإنه      بواءٌ بأيام كثير عديدها

فنحن أبحنا بالشخيصة واهناً    جهاراً فجئنا بالنساء نقودها

ويوم كراءٍ قد تدارك ركضنا      بني مالك والخيل صعر خدودها

ونحن صحبنا الحي يوم تنومة    بملمومة يهوى الشجاع وئيدها

3- الصعاليك المحترفون:

هذه الفئة احترفت الصعلكة احترافاً، وحوّلتها إلى ما يفوق الفروسية منهم سيد الصعاليك عروة بن الورد؛ الذي أضفى نوعاً من الاحترام والتقدير على هذه الظاهرة، وتياراً فكرياً يترجم رؤية وفلسفة خاصة في الحياة، تحلّى بمكارم الأخلاق والسخاء بما في ذلك تفريج كربات المحتاجين. سارت بذكر أحاديث كرمه الركبان، قال فيه عبد الملك بن مروان: ” من زعم أنّ حاتماً أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد”.

كان عروة يكره القعود ويعتبره خذلاناً وضعفاً في النفس، لذلك يشجع على الخروج والسير في الأرض للإصابة من خيراتها، يقول في ذلك:

ذريني للغنى أسعى، فإني       رأيت الناس شرهم الفقير

وأحقرهم وأهونهم عليهم      وإن أمسى له كرمٌ وخير

يباعده القريب وتزدريه        حليلته، وينهزه الصغير

وتلقى ذا الغنى وله جلالٌ       يكاد فؤاد صاحبه يطير

مما سبق نصل لأهم ميزات شعر الصعاليك من بروز للروح الفردية، والخروج على أعراف وتقاليد المجتمع القبلي، وهجران الانتماء القبلي، وقد شكلت أشعار الصعاليك سمات فكرية جديدة في الشعر الجاهلي فأغنته بنقل تجارب نفسية ومادية خاصة بحياتهم، على اختلاف نظرتهم للعدالة الاجتماعية بمظاهرها القبلية.

مصدر الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي للدكتور يوسف خليف
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!