متى استعبدتم الناس؟!

لا تزال رحلة البحث الإنساني تسير باتجاه الانعتاق، أغلالٌ لم تكسر، فما معنى الاحتفال بيوم الحرية العالمي؟!

الأيام؛ فرات الشامي

«متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!» …. هتف بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل 14 قرناً، في قصةٍ مشهورة مع واليه على مصر “عمرو بن العاص” رضي الله عنه. إنصاف القبطي في تلك الحادثة له مدلولاته العميقة، التي يمكن أن تضاف لقيمة العبارة ذاتها.

الحكومات العربية خالفت المبدأ السابق رغم أنّها ادّعت-كذباً-إطلاق الحريات والتعدديّة السياسيّة، فكبّلتها بقوانين الطوارئ وتكميم الأفواه، والتعتيم الإعلامي، ومصادرة الآراء، إلى غير ذلك من الأشكال التي أفضت إلى حالة الغليان الشعبي في الشارع.

كما أنّ الواقع الدولي اليوم يشهد بقيام صراعٍ إنساني، في محاولةٍ لكسر القيود، والسير باتجاه ترسيخ مفاهيم كثيرة أوّلها “الحرية” المغيّبة قسراً، والمطالبة بذاك الإنصاف العمري الذي ابتدأنا به الكلام.

الأمم المتحدة مثالٌ صارخ على غياب قيمة الحرية، وشاهد الزور الأوّل على تغلغل الأطماع الاستعباديّة للمنطقة العربيّة ونهب ثرواتها، فيما يبقى “صندوق الاقتراع” والتصويت على الممارسات العدوانيّة؛ شكلاً صورياً لا يتعداه.

لا يختلف اثنان أنّ الغرب حقّق تقدّماً واضحاً في إطار الحريات؛ بينما ظلّ المجتمع العربي يمارس اللعبة الانتخابية بأوراقٍ تُلقى في قمامة مكتوبٌ عليها “صندوق الاقتراع”، في حالة تشبه أيضاً إلقاء الكلمة في تابوت موتٍ خشبي. بمعنى أنّ وجودها غير فاعل، بدليل غياب الشفافيّة عمّا تفرزه مستقبلاً. فالحالة العربيّة تشهد اليوم بأنّ الدساتير المكتوبة لا تضمن “الحريات” ولا تكفل ممارستها بطريقةٍ طبيعيةٍ، لتبقى مكبّلةً هي الأخرى بالسطور، وحبراً على ورق، بل إنّ معظم القوانين ظلت هشةً كبيت العنكبوت، أو شبكةً لاصطياد السمك الصغير الضعيف، وأما الحيتان وسمك القرش فهم خارج تلك المعادلة.

داء المجتمعات العربيّة يكمن في تقسيم المجتمع أولاً إلى طبقتي “الأكابر والمناكيد”، ما يتنافى مع مقتضيات العدالة، التي جعلت المواطنين سواسية. كما أنّ قيمة الوطن ليس بثروته النفطية ومناجمه وأرضه، فيما يشهد المنطق والواقع أنّ محددات القوة والقيمة “إنسانية” تتضافر معها تلك العوامل وتحرسها “الحرية والكرامة”، وإلا فما معنى أن يدخل المواطن العربي إلى المعتقل سيراً على الأقدام بغضّ النظر عن سبب دخوله، ليخرج محمولاً على الأكتاف مشلول الأقدام، مهان الكرامة؟!

الفاصل بين الغابة والوطن، هو حقيقة ممارسة الحريّة وفق قواعد دستوريّة تحترم الإنسان لإنسانيته، لا لطائفته أو دينه، فالقبطي حين اشتكى ظلم ابن العاص، لم يكن على دين الخليفة، لكن الإنصاف الذي ساد، يرسّخ معنى “المواطنة” المطلوب والذي يمكن أن نعيشه، وقد عشناه طوراً من الدهر.

كما أنّ المصاهرة بين الوطن والحرية جوهر البحث الإنساني، ومربط القوة التي تتكأ عليها سيادة الوطن ومنعتها، إذ لا يمكن تحصين المجتمع دون مساحةٍ من الحريّة المنضبطة بقواعد أخلاقيّة، تتناسب تماماً مع القوانين التي تحمي الأفراد.

لعلّ المتتبع للتاريخ الإنساني يلحظ أنّهُ سجّل تحركات البشريّة لنيل حريتها، وطرق الأبواب الواسعة في سبيل كسر القضبان، ولم يكن الأمر حكراً على أصحاب الأقلام الحرة، مفكرين ومثقفين، بل تعداه إلى عوام الناس كما هو حاصلٌ اليوم على المسرح العربي.

لتبقى بالمقابل كل الصراخات مجرد فقاعةٍ في هواء، وأمّا الدعوى بيوم الحرية العالمي فتصبح وفق ما نراه اليوم؛ مجرد صيغة مسرحية وطقساً سنوياً لا يتجاوز البروباغندا.

زوال الأوطان بزوال العدالة، وإقصاء الآخر، وكبت الحريات، مفاهيم كثيرة تحتاج إلى تطبيق، لا إلى إفراد يومٍ للاحتفاء بها.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend