فوبيا الفتاوى المشبوهة، علماء تصنع الاستبداد

الأيام السورية| حنظلة السوري

خليفةٌ وعمامة معادلة ثنائية نجحت في تحقيق تصالحٍ آني؛ جعل من السلطان إلهاً أو ظل إلهٍ فوق الأرض؛ فحتى إن جلد ظهرك ونهب مالك أو انتهك عرضك، فذاك مباح.

فتوى تحت الطلب وشيوخ ديلفري:
 مسألة حسبناها انتهت في عهد ثورات الربيع العربي؛ لكن الواقع على خريطة واسعة من عالمنا تؤكد أنّ الظاهرة ازدادت عمقاً في المجتمع؛ أنهت شخصياتٍ وأتت بأخرى؛ جيّرت علمها لخدمة السلطان الجديد.

إعلامياً تفشّى مصطلح “أئمة السلطان”، “دعاة على أبواب جهنم”، “علماء الديكتاتوريات العربية”، “عمائم مشبوهة”، ومعها صرنا نسمع بمقولة: “فتوى تحت الطلب” أو “شيوخ ديلفري”.

معظم ما يخرج من أولئك “المشايخ” خلق أجواءَ من الفتنة والبلبلة داخل الشارع، أباحت وحظرت، بدّلت واستبدلت، بذات النص القرآني، أو بدلالاتِ آياتٍ أخرى، ونصوصٍ فقهيةٍ معيّنة.

الزنكي، أحرار الشام، صقور الشام، الجيش الحر، جميعهم كادوا يدخلون أو أدخلتهم فتاوى “مرقعو الجولاني” تحت مسمّى “الردة، الخيانة” و”استجلاب المحتل”، لتكون الصاعقة بعد التهام هؤلاء بدعوى “التغلب، وتوحيد الراية” أن يصير المحظور مباحاً، وتدخل الأرتال التركيّة -العسكريّة-وفق مخطط أستانة الذي رفضه شيوخ “هيئة تحرير الشام” في وقتٍ قريب!!

تبدأ المنابر بالتهليل والتطبيل والحجّة أننا “عم نضحك ع الأتراك والروس”؛ بالمقابل لم تخلُ فتوى تلك الفصائل المناهضة للهيئة من ذات التوصيفات والمعايير، وإن لم تفتي بفتوى الردّة؛ لكنّها استخدمت المعيار ذاته؛ قتال البغاة.

البغاة؛ مفهومٌ فضفاض، له قواعده القرآنية ودلالاته، وتطبيقاته التي يعرفها الراسخون في العلم؛ لكن كيف تقنع مقاتليك بضرورة توجيه السلاح وحرفه عن النظام إلى شركاء الأمس؛ دون تلك المصطلحات؟!

الكلّ من أصحاب العمامات المشبوهة لا يسبغ صفة الجور على الأمراء الجدد؛ بل ربما وصل الحال بالبعض ليفتي بأنّ قتالهم خروج على شرع الله تعالى.

نحن في سورية؛ إدلب، القرن الحادي والعشرين، لا نتحدث بالطبع عن العصور الوسطى أو القرن العاشر…!!

الابتعاد عن المسرح السوري، وفي إطار الكلام عن علماء السلطة يمكن أن نرصد التالي:

  • أباح مفتي الديار المصرية الأسبق علي جمعة دماء الإخوان ومعارضي انقلاب السيسي، واصفاً إيّاهم بالخوارج…. اضرب في المليان…مقدمة كلامه.

  • السديس؛ إمام الحرم المكي الشريف، يدعو الله لترامب، وكأنه خليفة المسلمين وأمير العروبة، وحامل راية الحق، دون أن يتجاهل مولاه “بن سلمان”.

  • يؤيد عائض القرني حصار دول الخليج لقطر، في الشهر الحرام، حصار المسلم للمسلم جائز في عرفه؛ لكن تلوّنه وميله لمولاه لم يشفع له من النزول ضيفاً على سجون بلاده… فسبحان الله.

  • قيادة المرأة للسيارة لا تجوز، أمرٌ ملكي، مرفق بفتوى، تطورات وتغيّرات فرضها محمد بن سلمان، ولي عهد السعودية، كان من ضمنها سماحه للنساء بقيادة السيارة، ومشايخ تفتي بالرضا.

والقائمة طويلة والنبأ عنها عظيم جلل. وحديثٌ ذو شجون.

فتاوىً سلطانيّة:
 موجة سريعة من الفتاوى تأتي بحسب الطلب؛ وفق أوامر الحاكم بأمر الله في القرن الحادي والعشرين… ينقصها عبارة وحيدة لترجع في الأذهان إلى عصور قديمة… أمر قرقوش… ثم قرع الطبول في الشوارع والختم بمقولة… فتوىً سلطانيّة أقرّها الباب العالي… أيّها الناس اسمعوا وعوا.

متاجرة بكلام الله ودينه؛ لا يمكن الخروج عن هذا التوصيف دون ريب.

إنّ الاستبداد الديني يوّلِّد الاستبداد السياسي، مقدمة نعيشها تذكرنا بأوروبا في مرحلةٍ تاريخيّة مظلمة، مرحلة الصراع بين الكنيسة والسلطة؛ لكنّها هنا ماتزال تعيش شهر العسل.

تراني كنتُ مغفّلاً؟!!
 توقفت كثيراً للصلاة خلف “البوطي” وحضرت معظم دروسه، لم أغب عن درس شيخي “عدنان الأفيوني”، بكيت من حديثهم مثل غيري، اعتقدتُ أنّهم رجالٌ لم تنجب أرحام النساء مثلهم، حتى اختلّ الميزان، وساندوا الطاغية وشرعنوا له إجرامه وقتله المدنيين.

يقول الأفيوني في خطبة الجمعة العام 2011 واضعاً يده على صدره، رافعاً سبابته إلى السماء: ((أضمن الجنة لمن منع أولاده أو امتنع عن التظاهر ضدّ ولي نعمتنا وسيدنا بشار الأسد)).

ضحكوا علينا بالدموع، والتظاهر بالخشية المصطنعة، ولحاهم الزائفة، وعمائمهم الكبيرة الملتفة فوق رؤوسٍ أخفت أفاعٍ تحتها، ولسانٍ مليء بالسموم، وعباءاتٍ بيضاء توحي بالطهارة… طهارةٌ الظاهر للأسف…!!

تراني كنتُ مغفّلاً؟!!

فتواهم تقتل الشعوب، وتصنع الفراعنة، حال الثورة وشرعيو الفصائل، لم يخرج عن الإطار القديم… حلفٌ مشبوه… يسقط القدوة الدينية من أعين الناس.

يقول الكواكبي في طبائع الاستبداد: ((ما من مستبد سياسي إلى الآن إلا ويتخذ له صفة قداسة يشارك بها مع الله أو تعطيه مقام ذي علاقة مع الله ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله)).

 

 

 

مصدر الجزيرة: شاهد| السديس يدعو لـ"ترمب" وملك السعودية عربي 21: قيادة المرأة للسيارة بالسعودية..كيف أصبح الحرام حلالا؟
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل