مجنون التراب…محمود درويش

أحد أهم الشعراء الفلسطينيين والعرب والعالميين؛ الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن، ويُعتبر أحد أبرز المساهمين بتطوير الشعر العربي الحديث، لُقّب بمجنون التراب، عاشق من فلسطين، شاعر الثورة.

خاص بالأيام؛ فاطمة محمد

لمحة عن حياته:

ولد محمود درويش 13 مارس/ آذار 1941م في قرية البروة في الجليل بفلسطين، نزح مع عائلته إلى لبنان بعد نكبة 1948فذاق مرارة النزوح وهمّ التهجير، عاد متخفّياً إلى فلسطين ليجد قريته قد دُمرت، فاستقرّ في قرية الجديدة.

تعليمه: أتمّ تعليمه الابتدائي في قرية دير الأسد بالجليل، وأتمّ تعليمه الثانوي في قرية كفر ياسين.

عالمه السياسي: اعتقل أكثر من مرّةٍ من قبل السلطات الإسرائيليّة منذ عام 1961 م بسبب نشاطاته وأقواله السياسيّة، عام 1972م، توجّه إلى موسكو ومنها إلى القاهرة وانتقل بعدها إلى لبنان حيث ترأس مركزاً للأبحاث الفلسطينية.

شغل منصب رئيس تحرير مجلة الشؤون الفلسطينيّة، كما ترأس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، أسس مجلة الكرمل الثقافيّة في بيروت عام 1981م.

انتخب عضواً فبي اللجنة التنفيذيّة لمنظمة التحرير الفلسطيني عام 1988م، ثم مستشاراً للرئيس الراحل ياسر عرفات، كتب إعلان الاستقلال الفلسطيني الذي أعلن في الجزائر عام 1988، استقال من اللجنة التنفيذيّة بعد خمس سنوات احتجاجاً على توقيع اتفاق أوسلو.

عام1994م عاد محمود درويش إلى فلسطين عام 1994م ليقيم في رام الله عاد وجرح فلسطين يؤلم صدره يقول أروع الكلمات المؤثرة:


أيُّها المارون بين الكلمات العابرة

احملوا أسماءكم وانصرفوا

واسحبوا ساعاتكم من وقتنا

وانصرفوا

واسرقوا ما شئتم

من صورٍ

كي تعرفوا أنّكم لن تعرفوا

كيف يبني حجرٌ من أرضنا

سقف السماء

أيُّها المارون بين الكلمات العابرة

منكم السيف ومنا دمنا

منكم الفولاذ والنار

ومنا لحمنا

منكم دبابة أخرى

ومنا حجر

منكم قنبلة الغاز

ومنا المطر.


أهم مؤلفاته: بدأ كتابة الشعر في المرحلة الابتدائية، له ما يزيد على ثلاثين ديواناً من الشعر والنثر وثمانية كتب، وقد ترجم شعره إلى عدة لغات، وأثارت قصيدته “عابرون في كلام عابر” جدلاً داخل الكنيست الإسرائيلي، وقد نشر آخر قصائده بعنوان “أنت منذ الآن غيرك “يوم 17 يونيو حزيران 2007 منتقداً فيها التقاتل الفلسطيني.

أهم دواوينه: عصافير بلا أجنحة، أوراق الزيتون، أصدقائي لا تموتوا، عاشق من فلسطين، العصافير تموت في الجليل.

الجوائز والأوسمة: جائزة لوتس 1969، جائزة البحر المتوسط عام 1980، درع الثورة الفلسطينيّة عام1981، جائزة لينين عام 1983، جائزة الأمير كلاوس “هولندا “عام 2004.

شعر محمود درويش في الحب:

مصدر الصورة: العاشق سيء الحظ” سرّ اللقاء الأول في حياة محمود درويش”

أحببتُكِ مُرغماً ليسَ لأنّك

الأجملُ، بلْ لأنّكِ الأعمقُ،

فعاشقُ الجمالِ في العادةِ

أحمقُ.

هذا هو الحبُّ…أنّي أحبّكِ حينَ

أموتُ، وحينَ أحبّكِ أشعرُ أنّي

أموتُ.

أدرّبُ قلبي على الحّبّ كي يسعَ الوردَ والشوكَ.

محمود درويش ساهم بإدخال الرمزية إلى الشعر العربي الحديث يقول:

ما هو الوطنُ…ليس سُؤالاً تجيبُ عليه وتمضي….

إنّه حياتك وقضيتك معاً.

ما هو الوطنُ….هو الشوقُ إلى الموتِ منْ أجلِ أنْ تعيدَ الحقّ والأرضَ….ليس الوطنُ أرضاً ولكنّه الأرضُ والحقُّ معاً، الحقُّ معك، والأرضُ معهم.


في تجربة حبّ الوطن في شعر محمود درويش لا يستطيع القارئ أن يميّز بين المحبوبة والوطن؛ فالحديث ظاهرياً يتّجه نحو المرأة، لكنّك إذا ما تعمّقت في الدلالة ووصلت بين مكونات الصوغ رسوت على قاعدة صلبة هي حبّ الوطن؛ لتصبح المحبوبة في أغلب قصائده هي الوطن فلسطين يقول قبل خروجه من فلسطين:


عيونُكِ شوكةٌ في القلبِ

توجعُني. وأعبدُها

وأحميْها من الريحِ

وأغمدُها وراءَ الليلِ والأوجاعِ…أغمدُها

فيشعلُ جرحُها ضوءَ المصابيحِ

ويجعلُ حاضري غدَها

أعزّ عليّ من روحي


نلاحظ أنّ فلسطين بالنسبة إليه هي أمّه وأخته ومعشوقته ؛بل هي كلّ شيء في حياته، ويؤكّد على ذلك بثباته وتأكيد هويته في قوله:

وكنتِ حديقتي، وأنا غريبُ الدارِ

أدقُّ البابَ يا قلبي

على قلبي..

يقومُ البابُ والشباكُ والإسمنتُ والأحجار

رأيتُك عندَ بابِ الكهفِ…عندَ النارِ

معلّقةٌ على حبلٍ الغسيلِ ثيابُ أيتامك

رأيتُك ملءَ ملحِ البحرِ والرملِ

وكنتِ جميلةً كالأرضِ…كالأطفالِ…كالفلّ

وأقسمُ:

من رموشِ العينِ سوفَ أخيطُ منديلاً

وأنقشُ فوقَه شعراً لعينيكِ

واسماً حينَ أسقيْهِ فؤاداً ذابَ ترتيلاً

يمدُّ عرائشَ الأيكِ

سأكتبُ جملةً أغلى من الشهداءِ والقُبلِ:

“فلسطينيةٌ كانتْ…ولم تزل!.


نلاحظ أنّ الشاعر اعتمد لغة الرمز والأساطير؛ لتتحول فيما بعد إلى مجموعةٍ من التعابير والصور غير المفهومة. إنّ لغة درويش بعد خروجه من فلسطين تحوّلت من لغة الانفعال والعاطفة التي اتسمت بالبساطة والوضوح إلى لغة الحلم والتعقيد ذات الطبيعة الجدليّة والتحليليّة، فقد أصيب طموحه بصدمةٍ شديدةٍ بعد أن تعرّف على حقيقة الأوضاع في الوطن العربي فتحوّل إلى الحلم علّه يعينه على الصمود، وقد عبّر عن ذلك بقوله:

يا أيُّها الوطنُ المكرّرُ في الأغاني والمذابحِ…كيفَ تتحوّلُ إلى حلمٍ؟ وتسرقُ الدهشةَ وتتركني حَجراً…لعلّك أجملُ في صيرورتك حُلماً…لعلّك الأجملُ.

الملاحظ أنّ معجمه الذي اعتاده في الستينات تغيّر جذرياً؛ فبعد أن كانت الكلمات شفافةً قريبة المعنى أصبحت مكثفةً ومحملةً بدلالاتٍ تاريخيّةٍ أسطوريّةٍ.

ومع اقتراب محمود درويش من الواقع وانتمائه إلى الحلم وهو خارج فلسطين؛ أخذ معجمه اللغوي يختار لغةً جديدةً تناسب الحلم وتعبّر عن الاغتراب، وبرزت تحت تأثير هذا الصراع بين الحقيقة والواقع لغةٌ جديدةٌ هي لغة التضاد والمتناقضات كقوله: هنا الخروجُ هنا الدخولُ هنا الذهابُ هنا الإيابُ ولا مكان هنا أنا الزمنُ الذي لن تفهموني خارجَ الزمنِ الذي أُلقى بكمْ في الكهفِ.

وهكذا يمكن تلخيص مراحل بنية القصيدة لدى محمود درويش كما يلي: مرحلة ما قبل الخروج من الوطن وهي بداية مشروعه الشعري حين كانت قصيدته غنائيّة أحاديّة الصوت، قلّد فيها من سبقه من الشعراء مثل عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، و(نزار قباني) حيث كانت قصائده ملتزمةً بالقضيّة الوطنيّة همّها أن تصل الناس، وتنمّي لديهم الوعي بالواقع الذي يعيشونه مثالنا على ذلك قصيدته “عاشقٌ من فلسطين”.

ثم كانت مرحلة ما بعد الخروج من الوطن والإقامة في المنفى حين عاش الشاعر تناقضات الواقع العربي، واستطاع بمهارته الفنية أن يعبر عن هذا الواقع بجماليات فنيّة وظّف فيها عناصر أدبيّة مثل السرد والحوار والسؤال المستمر.

ثم تحوّلت قصيدته إلى تأمّلات فرديّة وإنسانيّة في مرحلةٍ لاحقةٍ بدأت بقصيدته “لماذا تركت الحصان وحيداً” فهو يعبّر فيها عن الذات الفرديّة من خلال الظروف التي تعيشها الذات بعد هزيمتها في بيروت، وخروجها إلى المنافي كما في قوله:


لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً؟

إلى أين تأخذُني يا أبي؟ إلى جهةِ الريحِ يا ولدي …

…وهما يخرجان من السهلِ، حيثُ أقامَ جنودُ بونابرت تلًّا ًلرصدِ الظلالِ على سورِ عكا القديم- يقول أبٌ لابنه:

لا تخفْ. لا تخفْ من أزيزِ الرصاصِ! التصقْ بالترابِ لتنجوَ! سننجو ونعلو على جبلٍ في الشمالِ، ونرجعُ حينَ يعودُ الجنودُ إلى أهلِهم في البعيدِ.

لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً!

لكي يؤنسَ البيتِ. يا ولدي،

فالبيوتُ تموتُ إذا غابَ سُكّانُها…


اختصر وجعه وهو الملقب بالشاعر المجروح بقوله: “فلسطينية كانت ولم تزل” هو شاعر الكلمات، حروفه ذهبية، ومعانيه فيّاضة بحزنها وعمقها.

توفي محمود درويش 9 آب 2008م بالولايات المتحدة، إثر خضوعه لعمليّة جراحيّة للقلب، ثم دفن في رام الله ليبقى صدى أشعاره شجناً حزيناً في وجدان أمتنا.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend