8 آذار.. حين يصبح الانقلاب على الديمقراطية ثورةً!

الأيام السورية| أحمد عليان

كثيرٌ من السوريين يعرفون يوم الثامن من آذار على أنّه ثورةٌ ضدَّ حكومةٍ سورية لم ترق لها الوحدة مع مصر فانفصلت وأعلنت نفسها حاكمةً للشعب السوري، هذه المعرفة جاءت من خلال كتب الثقافة القومية وإعلام النظام الحاكم قسراً منذ ذاك الحين حتّى لحظة كتابة هذه السطور.

الوحدة مع مصر

في خمسينيات القرن الماضي كان الشعور القومي طاغياً في العالم العربي، وكانت الجماهير العربية تتطلّع إلى نيل الاستقلال ومن ثمَّ إقامة وحدة من المحيط إلى الخليج.

برزَ الرئيس المصري، جمال عبد الناصر ( الضابط السابق في الجيش المصري)  كبطلٍ قوميٍّ بعد تأميمه قناة السويس من الإدارة الأجنبية، ونجاحه السياسي الذي حقّقه في مواجهة العدوان الثلاثي ( فرنسا، بريطانيا، إسرائيل) على مصر لإعادة احتلال القناة عام 1956، حيث صبَّ في صالحه  انسحاب الدول الثلاث المعتدية بعد إصدار الرئيس الأمريكي أيزنهاور إنذاراً أمريكياً لهم.

حرّك هذا الانتصار مشاعر الجماهير العربية على رأسهم الضباط الشباب في العالم العربي عموماً، وسورية خصوصاً، إذ اعتبر البعض أنَّ ما حقّقه عبد الناصر انتصارٌ شخصي لكلّ منهم.

في عهد الرئيس السوري شكري القوّتلي، بدأ الضباط السوريون الضغطَ على الحكومة السورية لإعلان وحدة اندماجية مع مصر، فأُعلنت الجمهورية العربية المتّحدة في فبراير/ شباط 1958 بعد تنازل القوتلي عن الحكم لصالح الرئيس المصري جمال عبد الناصر.

شكري القوتلي وجمال عبدالناصر _ العربية

كان عبد الناصر وضع شروطاً لقبوله الوحدة مع مصر، منها حلُّ جميع الأحزاب، وإخراج الضباط السوريين من الحياة السياسية بشكل تام.

حلَّ حزب البعث العربي الاشتراكي نفسه وهو  صاحب شعار الوحدة والحرية والاشتراكية ، حيث كان أكثر الأحزاب مطالباً بالوحدة، ومحرّضاً عليها، وطامعاً بأن يكون له نفوذ في الإقليم السوري.

غير أنَّ عبد الناصر نقلَ عدداً كبيراً من الضباط  السوريين إلى مصر لإبعادهم عن السياسية وكان من بينهم الكثير من الضباط البعثيين، ووضع الجميع تحت المراقبة.  وأرسل بدلاً عنهم  ضباطاً مصريين لقيادة الجيش السوري.

التقى في مصر عدد من الضباط السوريين الذين اعتبروا قرارات عبد الناصر لا تصبُّ في مصلحة الوحدة التي كانوا يبتغوها، فشكّلوا تنظيماً سرّياً عام 1960 عرف باسم اللجنة العسكرية التي شملت كل من : المقدّم محمد عمران، والرائد صلاح جديد، والنقيب عبد الكريم الجندي، والرائد أحمد المير، والنقيب حافظ الأسد.

أعضاء اللجنة العسكرية صورة معدّلة.

 

الانقلاب على الوحدة

كان الضباط السوريون في الإقليم الشمالي السوري يتململون بدورهم من ممارسات الضباط المصريين والسوريين الذين نالوا ثقة عبد الناصر وعلى رأسهم عبد الحميد السرّاج، فقاموا في 28 أيلول 1961 بانقلاب عسكريٍ على الوحدة قاده العقيد عبد الكريم النحلاوي وأعلنوا الانفصال.

أعيدت الحياة السياسيّة إلى البلاد وجرى تنظيم انتخابات حرّة لتشكيل برلمان سوري جديد انتخب ناظم القدسي رئيساً للجمهورية، وكلّف القدسي خالد العظم بتشكيل أول وزارة ديمقراطية في سورية.

الرئيس السوري الأسبق ناظم القدسي _ ويكيبيديا

 

قامت الحكومة السورية الجديدة بتسريح الضباط البعثيين خوفاً من ميولهم السياسية وباعتبارهم حرّضوا أساساً على الوحدة مع مصر.

على وقع انقلاب النحلاوي في سورية، اعتقلَ عبد الناصر الضباط السوريين غير الموالين له في الإقليم المصري، كان من بينهم أعضاء اللجنة العسكرية، ثم أطلق سراحهم ورحّلهم إلى سورية .

بدأت اللجنة العسكرية التوسّع داخل الجيش السوري، ورغبةً منها بتأمين غطاء شرعي سياسي لها، لجأت إلى مؤسس حزب البعث ميشيل عفلق الذي جمعتهم به المصلحة المشتركة والرغبة بالوصول إلى السلطة.

العقيد عبد الكريم النحلاوي_ الجزيرة

 

 

الانقلاب البعثي

في الفترة ذاتها قام حزب البعث في العراق بانقلابٍ عسكريٍّ أطاح بالرئيس العراقي عبد الكريم القاسم، ومن ثمَّ إعدامه رمياً بالرصاص في مبنى الإذاعة العراقية.

شجع هذا الحدث اللجنة العسكرية ودفعها للإسراع بتنفيذ مخططها للاستيلاء على السلطة.

في صباح يوم الجمعة 8 آذار / مارس 1963 طوّقت الدبابات والمدرعات العسكرية المراكز الحساسة في العاصمة دمشق، واعتُقل رئيس الجمهورية ناظم القدسي، وقائد الجيش اللواء عبد الكريم زهر الدين، فيما لجأ رئيس الوزراء، خالد العظم إلى السفارة التركية في دمشق ومنها إلى لبنان.

 

أعضاء من اللجنة العسكرية يحتفلون بنجاح الانقلاب _ السورية نت

شكّل الانقلابيون مجلساً لقيادة الثورة برئاسة لؤي الأتاسي، وعضوية أربعة ضباطٍ بعثيين : محمد عمران وصلاح جديد وموسى الزعبي، وأربعة ضباطٍ ناصريين : راشد القطيني وفواز محارب وكمال هلال ودرويش الزوني، وثلاثة مستقلّين : زياد الحريري وغسان جديد وفهد الشاعر. ( زمان الوصل)

بدأت اللجنة العسكرية بعد الانقلاب بإفراغ الجيش من الضباط الذين يشكّلون خطراً عليها، حيث أصدرت أمراً يقضي بتسريح 1500 ضابط دفعة واحدة بتهمة الانفصال عن مصر.

دعم الضباط الناصريون الانقلاب رغبةً منهم بإعادة الوحدة مع مصر، لكنّهم سرعان ما أدركوا متأخّرين أنّهم خُدعوا، فقاموا بانقلابٍ فاشلٍ في 18 يوليو/ تموز 1963، تلاه تسريح أو قتل الضباط الناصريين في الجيش السوري.

بعد الانقلاب

بدأت اللجنة العسكرية تحكم سورية وفق مخطّطها، وإن كان إلغاء عبد الناصر للأحزاب السورية هو الضربة الأولى للحياة السياسية والتعددية الحزبية، فإنَّ ما فعلته اللجنة العسكرية كان بمثابة دقّ المسمار الأخير في نعش ما ذكر.

ألغت اللجنة العسكرية جميع الأحزاب باستثناء الحزب الشيوعي والناصري اللذين بقيا صوريّاً (مجرّد اسم)، وحظرت 17 جريدةً سوريةً من بينها جريدة “الأيّام” ونُفي واعتقل العاملون بها، كما أعلنت حالة الطوارئ التي بقيت حاضرةً في سورية حتّى أُلغيت شكليّاً عام 2012، أيّ بعد قيام الثورة السورية الحالية بعام واحد، وعُطّل العمل بالدستور السوري دون أن يوضع دستور جديد حتّى  سنة 1973.

صورة أرشيفية لجريدة الأيام السورية سنة1961م _ أرشيف

بعد انتهاء البعثيين من تصفية خصومهم : ناصريين ومستقلين ومناصرين للحكومة السابقة، بدأ الصراع الداخلي بين القيادة التاريخية للحزب على رأسها ميشيل عفلق وصلاح البيطار وشبلي العيسمي وضباط مثل محمد عمران و أمين الحافظ الرئيس السوري آنذاك، وبين كتلة الضباط الصغار أمثال صلاح جديد وحافظ الأسد وسليم حاطوم وعبد الكريم الجندي.

انتهى الصراع يوم 23 فبراير/ شباط 1966 بانقلابٍ نفّذه الضباط الصغار سابقي الذكر، أطاح  بأمين الحافظ ومؤسّس البعث ميشيل عفلق، ومحمد عمران مؤسّس اللجنة العسكرية.

عُيّن بعد الانقلاب الجديد الطبيب البعثي نور الدين الأتاسي رئيساً للجمهورية السورية، ويوسف زعين رئيساً للوزراء، وحافظ الأسد ( 35 عاماً) وزيراً للدفاع، وأصبح صلاح جديد الرجل رقم واحد في سورية حيث كان مسؤولاً عن إدارة شؤون الضباط.

صلاح جديد وحافظ الأسد ونور الدين الأتاسي _ الشرق الأوسط

الأحداث بترتيبها تسير وفق ما ذكر ابن خلدون قبل أكثر من 600 عام، إنّه توطيد للحكم بالتعاون مع شركاء، يجري التخلّص منهم عندما يستتبّ الحكم وفق قاعدة : ” التخلّص من الأعوان الأصليين”.

 

الأرض مقابل السلطة

بدأ النزاع من جديد في اللجنة العسكرية الحاكمة للبلاد، حاول سليم حاطوم الانقلاب في سبتمبر/ أيلول 1966،  حيث اعتقل في السويداء  كلّ أركان الدولة بمن فيهم صلاح جديد في السويداء باستثناء حافظ الأسد الذي كان في دمشق، وهو ما أفشل انقلاب حاطوم وأجبره على الفَرار  إلى الأردن.

 

سليم حاطوم _ ويكيبديا

 

 

في حزيران 1967، هزمت القوات الإسرائيلية الجيش السوري بمؤامرةٍ كان وزير الدفاع السوري وقتئذٍ حافظ الأسد بطلها، فسيطرت القوات الغازية على هضبة الجولان كاملةً، في حربٍ كانت بمثابة نزهةٍ لهم، رغم أنَّ الجيش السوري كان متحصّناً في الجولان بشكلٍ يجعل احتلاله، وفق خبراء عسكريين، شبه مستحيل، كما أنَّ إمكانية الوصول إلى الجولان لا تتمّ إلا عبر 3 مضائق جبلية، تُشكّلُ نقاط قوّة للجيش السوري

تقول المصادر، إنَّ الأسد سلّم القنيطرة عاصمة الجولان للاحتلال الإسرائيلي عبر البيان 66، الذي دفع به قبل سقوط القنيطرة ليذاع في إذاعة الجمهورية العربية السورية في اليوم السادس والأخير من الحرب، ما أدّى إلى انسحاب الجيش السوري من القنيطرة بشكلٍ عشوائيٍّ كيفي قبل وصول أي جندي إسرائيلي إليها بساعات. يقول البيان للشعب: إنّ القنيطرة سقطت في يد “العدو” بعد قتالٍ عنيف.

كشفَ وزير الإعلام السوري آنذاك، محمد الزعبي الذي تسلّم بيانَ الأسد : “كان يمكن القتال في الجولان، وعلى الأقل جعل كلفة احتلال كل سنتيمتر من الجولان مُرة في حلق الإسرائيليين، “أما أن يؤخذ الجولان على البارد فهذه مؤامرة”. (الجزيرة)

يؤيّد المختصّ الإسرائيلي في الشأن السوري ( إيال زيسر))، ما كشفه الزعبي، حيث قال: نحن تعوّدنا دائما أن تذيع بعض الإذاعات العربية بلاغات عن انتصارات لم تحصل، البيان هذه المرّة كان عن هزيمة لم تحصل بعد”. ( الجزيرة)

في 15 سبتمبر/ أيلول 1970 اندلعت أحداث دامية في الأردن فيما يعرف باسم ” أيلول الأسود”، حيث دارت اشتباكات بين الجيش الأردني ومنظمة التحرير الفلسطينية ( الفدائيين).

قرّر صلاح جديد التدخّل لنجدة الفدائيين وأرسل قوّةً سورية إلى الأردن بإشرافٍ مباشر من وزير الدفاع حافظ الأسد لكنّها سرعان ما عادت مهزومةً.

عقد صلاح جديد مؤتمراً استثنائيّاً للقيادة القومية لحزب البعث في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1970، لمحاسبة الأسد على إخفاقه في المعركة.

قرّر المؤتمر تجريد حافظ الأسد من منصبه، لكنَّ الأخير نفّذ ما كان يُعِدُّهُ طوال 4 سنواتٍ سرّاً،  انقلب الأسد في 16 تشرين الثاني 1970 على صلاح جديد والقيادة القومية للحزب، واعتقل جديد والرئيس نور الدين الأتاسي، في سجن المزّة العسكري حتّى وفاتهما، وسمّى نفسه رئيساً للبلاد وانقلابه حركةً تصحيحيّة!

منذ انقلاب آذار/ مارس 1963 حتّى اللحظة، والديمقراطية والتعدّدية والحرية في دولة البعث مجرّد مصطلحاتٍ محصورةٍ بالسلطة الحاكمة، توظّفها فيما يخدمها كغيرها من شعارات البعث التي استخدمتها اللجنة العسكرية سابقاً.

انتقل الحكم في سورية من الديمقراطية إلى الديكتاتورية المتمثّلة باللجنة العسكرية، لينتهي بديكتاتورية عائلية مثّلها حافظ الأسد، انتقلت بالوراثة إلى ابنه بشار.

مسيرةُ التزوير والتحريف لتاريخ سورية مستمرّةٌ حتى اليوم، من خلال منهاجٍ دراسيٍّ تضخُّ فيه مادة الثقافة القومية دجلاً يهيمن على عقول طلاب المدرسة، ومن خلال  ماكيناتٍ إعلامية تجعل انقلاب آذار/ مارس ثورةً، وانقلاب الأسد على عرّابي ومنفّذي الانقلاب السابق، حركةً تصحيحيةً مجيدة!

 

 

 

مصدر ويكيبيديا،    الجزيرة،     أورينت،     زمان الوصل
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل