مستقبل المرأة السورية مقياس لنجاح الثورة

كم منهنّ نهضن بالثورة؟  والنون هنا هي نون النسوة، المؤشر على نهضة المجتمع فالأمر لا يقتصر على تحرر المرأة كمفهوم أصم وأبكم بل يعتمد على نهضة المرأة، تلك التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنهضة محيطها. فأبرز الفوارق بين المجتمعات المتطورة وتلك المتقهقرة نرصدها عبر وضع المرأة فيه ودورها الفاعل في الحياة اليومية.

الأيام السورية: بقلم: د.سميرة مبيض

في سياق الفوضى العارمة التي تحلّ بمجتمعنا بات تشويه المفاهيم سلاح لا يُستهان به. بين من يفرضُ علينا مطربة الأغاني الهابطة نموذجاً لتحرر المرأة وبين من يريد ارغامنا على الاقتناع بأن نساء داعش نموذجاً للفضيلة. بينهما هناك المرأة، في كل حالاتها لا تشبه كلا النموذجين المشوهين.

فلننظر للمرأة في الدول المتقدمة، فرنسا على سبيل المثال، فهي لا يعنيها فعلياً سطحيات الأمور التي يسوّق لها على أنها أسس الحرية في المفاهيم المغلوطة، فهي حرة في لباسها وسلوكها لأنها أمور اعتيادية في الحياة لا تحمّل أهمية أكثر مما هي عليه. الأهمية الفعلية هي ما هو الدور الذي تقدمه لمجتمعها في مهنتها وعائلتها ومحيطها وأصدقائها. على مسافة واحدة من الرجل ورغم ذلك لا زالت تعتبر حقوقها غير كاملة ومُتابعة باستمرار. فمنها تمكينها من محاربة تعرضها لأي نوع من التجاوزات السلوكية حتى لو بالكلام و التلميحات أو تغيير واقع أن راتب المرأة لا زال أقل ولو بنسبة بسيطة من راتب الرجل الذي يؤدي نفس المهنة. فهو مجتمع يمتلك كل فرد فيه نفسه كاملة ويحمل مسؤولية تجاه مجتمعه تتجاوز مسؤوليته تجاه عائلته أو دينه أو حزبه.

بإمكاننا أن نعتبر أن أهم مقاييس نجاح التغيير المنشود في سوريا ستعتمد على وضع المرأة فيه بعد الثورة، فهي التي كانت الضحية الأولى لمجتمع يتسربل قشور التحضّر ولا يحكمه في واقع الأمر الا قانون عصابة السلطة، كانت فيه وقائع الانتهاكات بحق النساء السوريات تستحق كلّ منها ثورة لتُسقط منظومة قائمة على الاجرام منهجاً ثابتاً.

لم يكن ذلك ليمر دون قمع مجتمعي كامل، لكل مظاهر مناهضة الظلم والمطالبة بالحقوق والعدالة. ولم يكن ليمر دون تشوه مجتمعي كامل بين من تواطئ مع هذا المسلك طريقاً مختصراً للوصول للمال والشهرة والسلطة ومحاباة هذه الشريحة بما تنشره من فساد وبالصمت على ما تمارسه من ظلم، وبين من اتسمت حياتهم بالحذر وبناء أسوار حول مجتمعات ضيقة بهدف تحقيق حماية لا يحققها القانون في ظل هكذا حكم.

فنهضة المرأة في سوريا الغد هو مقياسنا لنجاح الثورة، بعيداً عن صورة الضحية التي يتسابق الاعلام للصقها بالمرأة السورية، بينما على أرض الواقع نساء تحملن صوت التغيير الحقيقي، في المخيمات، في الداخل المنكوب وفي بلدان المغترب. يثبتن ألا تحرر للمرأة تحت حكم السلاح، تحت الاحتلال أو تحت حكم متطرف مذهبي كان أم سلطوي. وفي حريتها معيار سيادة القانون على كل صوت آخر.

نهضتنا هي في عودتنا الى روح سيدات سوريا ما قبل عصر الاستبداد فيها، الى أول مؤتمر للمرأة الشرقية الذي عُقد في دمشق 1930 والذي أوصى بنشر العلم بين النساء والقضاء على الزواج المبكر وإصلاح حال المرأة اجتماعياً ومدنياً وسياسياً واقتصادياً. لو لم يأتنا حكم الجهل والتجهيل و سرنا على ذلك النهج في تسعين عاماً مضت، لكانت سوريا اليوم نموذج التحضّر بأهلها و علمها تعكس حقيقتهم و ليس دماراً و خراب و تطرفاً تعكس وحشية حكم جائر آن له أن يزول و لنعد لمسارنا الصحيح.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل