الغوطة الشرقية: عوامل الانتصار Factors of victory

الكثير من التساؤلات حول الغوطة الشرقية؛ ودوافع نظام الأسد لحشد إمكاناته دعائياً وعسكرياً لها؛ في ظل شتات المعارضة بشقيها المسلح والسياسي؛ الأمر الذي يدفع للبحث عن دوافع المعركة، وعوامل الانتصار؟!

الأيام السورية؛ فرات الشامي - إدلب

منذ بداية شباط/فبراير الماضي بدأت تتعرض بلدات الغوطة شرقي العاصمة دمشق لعملية عسكرية عنيفة، حشد لها نظام الأسد وروسيا إمكاناتهم؛ في محاولةٍ لكسر إرادة أبنائها المحاصرين واقتحامها.

فكرة إنهاء ملف الغوطة الشرقية قديمة؛ لكنّها أتت على مراحل طبيعية، نتيجة اتباع قوات الأسد سياسة القضم على مراحل The policy of nibbling in stages، ولعلّ الخطة الروسية قضت بتطهير محيط دمشق، وما حولها تاركةً أرض الغوطة إلى وقتٍ متأخر؛ يمكن تبريره بصعوبة المعركة فيها، ووزنها الديني والثوري بالنسبة للسوريين وبالطبع للمسلمين.

المرحلة الأولى بدأتها قوات النظام السوري، من خلال سلسلة دعائية ترمي إلى كسر الإرادة في صفوف الثوار، وتعزيزها لدى مقاتليها، لاسيما بعد أن بدا تصدع جدران الثورة شعبياً وعسكرياً في أهم مناطق تواجده وتحديداً الشمال السوري، وتبعات الاقتتال بين الفصائل المعارضة. لعل عنوانها “تكرار سيناريو شرق حلب” وهو الطرح الذي قدّمه مندوب الأسد في الأمم المتحدة، بشار الجعفري، وما ألمح به سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسية؛ في وقتٍ سابق.

عسكرياً الخطوة التمهيدية تمثلت بضرب الحاضنة الشعبية للثورة في الغوطة الشرقية؛ من خلال استخدام كثافة نارية شديدة  Intense fire intensity من المفترض أن تؤثّر سلباً على المدنيين للضغط على مقاتلي المعارضة وذويهم للقبول بخيار “التهجير القسري”.

ما مدى قدرة النظام السوري على إعادة سيناريو حلب؟!

الأمر ليس مستبعداً بالمطلق؛ فثمة ما يعززه داخل الغوطة الشرقية؛ سبب ذلك يرجع إلى حالة النزاع الفصائلي بين المعارضة ذاتها؛ والاختلاف المنهجي بين غالبية الفصائل هناك، ولعل الاقتتال الأخير بين هيئة تحرير الشام، وجيش الإسلام-الفصيل الأكبر والأقوى في الغوطة-كذلك فيلق الرحمن الذي دخل على خط المواجهة في وقت سابق، يشير إلى الانقسام هناك.

لكن إنهاء ملف الغوطة الشرقية لن يكون بداية بتلك السهولة؛ بل من المرجّح إخراج “المهاجرين العرب والأجانب” التابعين لـ”هيئة تحرير الشام”، وهو خيارٌ لن يلقى رفضاً من طرف فصيلي “جيش الإسلام، وفيلق الرحمن”، إلا علنياً، بل يمكن أن يعتبر خياراً يحقق تقليص المسافة بينهم، وتقاسم النفوذ والتركة على اثنين بدل ثلاثة. إضافةً لاختلاف التوجه المنهجي بين تلك الفصائل المتناحرة، بالتالي فالفرصة كبيرة لإخراج أحد الأطراف من معادلة الصراع الداخلي، بحجة التفرغ للنظام.

المؤشّر السابق؛ لا يعني –كما أسلفنا-أنّه الخيار الوحيد؛ فالمطّلع عن كثب من موقف أبناء الغوطة الشرقية ورؤيتهم للثورة ومستقبلها يدرك تماماً إمكانية التحوّل الجذري في موازين المعركة؛ ليس لصالح التمسك بالأرض؛ وإنما لدخول حرب أكثر إيلاماً لقوات الأسد وميليشياته على الأرض. وهذا ما يُسمى بالعرف العسكري “حرب الكمائن والعصابات/ War ambushes and gangs “؛ عبر جر الخصم لمناطق محددة، يكون فيها ضعيفاً، وتوجيه ضربات تؤدي إلى تحقيق خسارة مضاعفة؛ بهدف إنهاكه واستنزاف قوته بصورة سريعة.

يأتي بالمقابل طرح تساؤل حول خلفيات هذا التصعيد؛ رغم إدراك النظام السوري والمحتلّ الروسي لطبيعة المعركة القادمة على الأرض؛ حيث أنّ الفرضية السابقة من المستبعد غيابها عن المخطط العسكري الروسي؛ لكنّ قراءة سلسلة انتكاسات موسكو السياسية ما بعد فشل مؤتمر “سوتشي” بتاريخ 29 كانون الثاني/يناير 2018، كذلك يمكن العودة إلى الوراء قليلاً وتحديداً في كانون الأول/ ديسمبر العام المنصرم، إبّان زيارة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى قاعدة حميميم الجوية الروسية على الساحل السوري، وخطابه الذي بدا وكأنه “خطاب النصر” حين أعلن عن خفْض قوات بلاده العسكرية في سورية، تبعها مباشرة تعرّض القاعدة نفسها لهجماتٍ صاروخيةٍ، أدّت إلى إعطاب سبع طائرات في أرض المطار، إضافة لسلسلة من الهجمات على ذات القاعدة عشية رأس السنة، قامت بها طائرات من دون طيار (درونز)، من غير أن تتمكن وسائط الدفاع الجوي من رصدها.

الأمر لم يتوقف هناك، فروسيا لم تنس إسقاط طائرة نوع سوخوي فوق إدلب بصاروخ يعتقد أنه محمول على الكتف بحسب التصريحات الروسية.

موسكو تعتقد أن استراتيجيتها تداعت في سورية، واستشعارها بإمكانية الدخول في صدام مع واشنطن؛ نتيجة تدهور العلاقات الثنائية على خلفية قصف الأخيرة مواقع للروس والنظام في دير الزور، دفع الروس نحو فرض الحل العسكري في الغوطة الشرقية لرد الاعتبار. وإجبار المعارضة على الاستسلام الكلي بديلاً عن التفاهم السياسي.

ما يزال “بوتين” يسعى لتعزيز موقفه قبيل الانتخابات الرئاسية الروسية بتاريخ 18 آذار/ مارس 2018، وهذا ما يدفع لتحقيق انتصار قبيل ذلك.

عملياً؛ التخلي عن فكرة مناطق خفض التصعيد، ليس خياراً إيرانياً سورياً؛ لكنّه منذ البداية كان تكتيكاً عسكرياً مؤقتاً/ A temporary military tactic هدفه الاستفراد بمناطق سيطرة المعارضة، للتخلص منها على مراحل.

يمتلك ثوار الغوطة عوامل تساعدهم على الصمود يمكن تلخيصها بالتالي:

  1. معظم مقاتلي المعارضة داخل الغوطة الشرقية، هم أبناء المنطقة، هذا يعني معرفتهم بجغرافيتها؛ ما يُصعِّب عملية اقتحامها ومهاجمتها. وجوبر “خط الدفاع الأول عن الغوطة” دليل يؤكد هذه الفرضية، حيث لم يتمكن مقاتلو الأسد من التقدم نحوها مسافةً قليلة.
  2. تمتّع مقاتلي المعارضة بخبرات عسكرية قتالية كبيرة.
  3. مخزون السلاح وتعداد المقاتلين في الغوطة يرجّح الصمود دون شك.
  4. يدرك الثوار أنّ الخروج من جحيم القصف على الغوطة باتجاه إدلب، لن يكون خياراً مختلفاً، وبالعامية الشامية “من تحت الدلف لتحت المزراب”، ما يزيد رفض فكرة التهجير.

يبقى العامل الأهمّ للحسم متمثّلاً بقدرة المعارضة على توحيد الصف، ونبذ الخلاف وتجنّب الاقتتال والتناحر الذي بات غير مبررٍ شعبياً وعقلياً فضلاً عن كونه مرفوض شرعاً وأخلاقاً.

إقرأ المزيد:

سوتشي: جولة إعلامية أم مصالحة سورية-سورية؟

الملف السوري بين فيينا وسوتشي إلى أين يتجه؟

 

مصادر أخرى:

فرانس24

أورينت

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر الجزيرة النهار أورينت
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend