الغوطة: الانتصار الممكن The possible victory

الأيام السورية؛ فرات الشامي

أعرب الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة عن “قلقه” بخصوص الأحداث الدائرة التي راح ضحيتها مئات المدنيين في سورية، بينما استنكرت المنظمات الإنسانية الدولية الصور التي كشفت عن مجازر مروعة أدت لمقتل العشرات من الأطفال والنساء الأبرياء؛ وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أعلنوا أن عمليات الإبادة الجماعيّة وسحق المدنيين ينتهك حقوق الإنسان.

معظم تلك العبارات الشهيرة التي تحوّلت إلى محورٍ فكاهي في الداخل السوري على وجه الخصوص؛ لم تتغير منذ ربيع العام 2011 تاريخ الحراك الشعبي السوري ضد نظام الأسد.

“كليشة” مكتوبة تم تداولها؛ بالمقابل ظلّ السؤال المُلح: “متى يخرج مجتمع الكبار عن عجزه؟!”.

المتابع لحقيقة المشهد والصراع على الساحة السورية؛ يصل إلى نتيجة تنفي ذاك العجز وقلة الحيلة المزعومة من المجتمع الدولي برمته، ولا نبالغ بالقول إننا في مواجهة “مكر الليل والنهار” لتنفيذ أجندات خارجية.

ما يُسمى -تضليلاً-بـ”المجتمع الدولي” لن يخرج عن طوره المزيف إلى طورٍ أخلاقي على الأقلّ ضمن الحدود الدنيا؛ لنشهد مثلاً أنّ مسؤولاً أممياً أو رسيماً رفيع المستوى قد استقال من منصبه؛ احتجاجاً على العجز الدولي، كخطوة رمزيّة.

الأسد ليس عدواً لفرنسا… تلك كانت تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أمام الإعلام؛ ولم تكن زلّة لسان خرجت من طفلٍ عابث، أو مسؤولٍ رفيع، وهي تعبّر بطبيعة الحال عن سياسة الاتحاد الأوروبي.

الملاحظ أنّ الوضع الراهن في سورية-ليس الغوطة الشرقية مؤخراً فقط-يدلِّل على حالة الانهيار الأخلاقي العالمي؛ راجعٌ في جذوره إلى طبيعة المؤسسات الدولية المعنية بالشأن الإنساني، والأطماع الخارجية في المنطقة-وهي حقيقة غير خافية على أحد من النخبة المثقفة أو عوام المجتمع العربي-.

تكرار السياسة العمياء؛ رغم تغيُّر الوجوه القيادية، بالنسبة للقضايا الشعبية العربية العادلة يطرح الكثير من التساؤلات.

المجتمع الدولي اليوم يمكن إدخاله ضمن مقاربة تعمل وفق فكرٍ وظيفي بيروقراطي؛ حوّلها إلى سلطات مكتبية متخصصة ونشيطة-بعض الأحيان-في تصدير البيانات الرسمية؛ يحمل موظفوها همّ الترقية الوظيفيّة؛ ما يجعل المجازر ومشهد الدماء “بنوداً” في جدول أعمالهم، إنجازها عملٌ ناجح، حوّلها من قضيّة أخلاقية إلى نشاط مهني بحت.

عربياً؛ الأمر لا يختلف مطلقاً، بل يزيد بما يمنحنا مساحة للقول بأنّ المسؤولين العرب حين ينزلون من برجهم العاجي؛ ويتحدثون عن الفجيعة والمجزرة يصير تعبيرهم من قبيل الترف السياسي المحض.

“عثمان بيومي” إحدى شخصيات رواية “حضرة المحترم”، للكاتب نجيب محفوظ، تمثل شكلاً من تلك الظاهرة الثنائية “العربية-الدولية”. تكفي لشرح المشهد كاملا.

ما يحدث في الغوطة الشرقية قرب العاصمة السورية دمشق، لا يختلف عن أحداث مماثلة في “مضايا، الزبداني، إدلب” وغيرها وصولاً إلى “فلسطين”؛ ما يدفع للتساؤل عن الانحراف السلوكي والنفسي الدولي-العربي، الذي تعجز عن تفسيره سيسيولوجيا.

الشعب السوري يواجه ظاهرة سايكوباثيّة دولية بامتياز، وثمة ما تواجهه تلك المجازر من “منحرفين، درْوَشَة”، تنزع في النهاية إلى “الصمت” كبديل عن “الانتحار” لنكون أمام الطرف السائد في المجتمعات العربية ” وهم “متبلدو المشاعر”؛ الذين انعدم الحس الوطني الأخلاقي لديهم؛ لنخرج بمعادلة “انحطاط الواقع دولياً وعربياً” بهزيمة نفسية؛ تحتاج إلى فئة تحمل الإرادة ومعها إيماناً بضرورة التغيير، لكنها قوة ناعمة، تواجه مسؤولية ترميم أخلاقي شبه مستحيل؛ ليغدو منطقياً انتصارها راجحاً وليس حتمياً، من خلال قراءة معطيات الواقع.

الانتصار “الممكن” فرضية تفتح نافذة أمل للسوريين تستمد قوامها من جانبٍ وطني راسخ ضاربٍ في عمق التاريخ، يدركه الشباب الثائر الذي لم يعوّل يوماً على عهر المجتمع العالمي، فصرخ في تظاهراته “مالنا غيرك يالله” كقراءة صحيحة تعطينا حقيقة فهم المعادلة وطبيعة الأرض السورية والصراع حولها.

وجود فكرة “الانتصار الممكن” جوهر ما يحمله الشارع السوري، ولعل “وجود الفكرة” بحد ذاته يمثل أهمية تفوقت على “الانتصار” نفسه؛ وتركت أثرها النفسي كعاملٍ من عوامل الصمود الشعبي في مواجهة البطش الروسي، والتآمر العالمي.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر فرانس24
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend