قراءة في رواية: يوميات موت حيّ

قراءة: أحمد العربي

تأليف: عبد الإله بلقزيز.

يوميات موت حيّ؛ رواية حديثة جداً متميزة ومثيرة، تتحدث عن البنية الداخلية التنظيمية والفكرية والنفسية للجماعات الإسلامية المسلحة، القاعدة وتفرعاتها، دون ذكرها بالاسم، والرواية تقصد أن تتحدث عن الظاهرة بعمومها، سواء من حيث الانتشار، أو التنظير والممارسة، وانتشارها في بلادستان وسلطانستان ونهرستان.. إلخ، يعني بلاد العرب والمسلمين.

تبدأ الرواية من زمان (الآن ) يعني أن الحالة تعاش في هذا الزمان وعبر توثيق يومي، وتكاد تكون تقرير أمني يتناول جانب العمل (الجهادي) ونتائجه الواقعية والنفسية على المنخرطين به، ومن ثم على المجتمع؛ هم، وشبكة علاقاتهم وتواصلاتهم وظروفهم الحياتية المعاشة، يوماً بيوم، بل لحظةً بلحظة، بصفتهم منخرطين بعملهم الجهادي بكليتهم، ولا عمل لهم إلا هو.

تبدأ الرواية من الحديث عن عضو الجماعة الجهادية حسان، المتواجد في بلادستان الدولة التي توجد فيها الجماعة وتجاهد لتبني (دولة الإسلام)، وهي بين كر وفر، متواجدة ومتجذرة، ولها صولات وجولات.

حسان عنصر جهادي له حضوره وتميزه فهو متواجد مع الجماعة منذ سنوات، وله دورة الجهادي المشهود، وأصبح أخيرا مسؤول عن تدريب الكوادر الجهادية الجديدة، جاءه من اقترحَ عليه أن يعود إلى بلاده ويؤسس للجهاد فيها، وطابت له الفكرة وباركها أمراء الجماعة وعاد لبلاده أميراً يؤسس للعمل الجهادي هناك، بلاده هي ككل بلاد العرب والمسلمين، غير متميزة إلا بكونها فقيرة، لا نفط ولا ثروات.

عاد حسان وهذا اسمه الجهادي، اسمه الحقيقي محمد نجيب، من الأرياف، عاد إلى قريته بالتنقل عبر الجبال، وأصيب بتعثر في ساقه ووجد من انقذه وأوصله لقريته، حسان يتيم الأم والأب الذين توفيا وهو صغير، عاش عند عمته وزوجها الذين لم ينجبا الأولاد، وتوفي زوج عمته لاحقاً، وأصبح هو مسؤول عن عمته، التي تعامله كابنها، وهو يناديها أمي، غادر إلى المدينة ليعمل ويساعد عمته، في المدينة تعرف على سالم الناشط الإسلامي المؤمن بالعمل الجهادي، والمعتقل السابق على خلفية تفجيرات سابقة حدثت، الذي أثر به وجعله يتردد على المسجد ويصلي ويتابع الفروض الدينية، وزرع فيه فكرة الجهاد وضرورته، وهذا ما جعله وبمساعدة سالم ينتقل إلى بلاد ستان ليلتحق بالعمل الجهادي، كان يداوم على إرسال النقود كل شهر لعمته طوال تواجده في المدينة أو بلادستان.

قام بدوره الجهادي هناك، قاتل مع الجماعة، وقتل كثيراً من الآخرين المصنفين كفاراً أو مرتدين أو أهل ذمة أو دولة كافرة.

تشبع بفكرة الجهاد ومسؤولية المجاهدين عن بناء دولة الله في الأرض، وأنهم في صراع دائم مع الكل لأجل تحقيق ذلك.

عاد إلى قريته متخفياً وبدأ التواصل مع بعض الكوادر الجهادية التي كانت مثله تجاهد في بلادستان، وعادت لتكون تحت إمرته وتقوم معه بدورها الجهادي.

التقى بداية مع سالم أستاذه ومرشده، وكان أحد عناصره الجهادية، بدأ باللقاء بالآخرين، كان هاجسه الأمني هو وبقية الفريق أهم شيء عندهم، سالم لم يكن يعرف أن حسان كان في بلاد ستان، فقد أخفى هويته واسمه ولهجته، خوفاً من أن يعرفه بعض المخترقين أمنياً في بلاده، بدأ بصناعة حياة موازية لعمله الجهادي السري، فقدم لعمته إفادة عن عمل مارسه بالمدينة في “محل نجارة” بداية، ثم قرر الآن أن يفتتح محلاً لبيع الملابس والأدوات الرياضية في المدينة، وفعلاً حصل ذلك، واستمر ينتقل بين القرية والمدينة على أنه يتابع أعماله.

في مستوى آخر كان يتواصل مع الشباب الجهادي الذين وضعوا بأمره ليقوم بأعمال مسلحة خدمة للعمل الجهادي، اعتمد تقنية الخلايا الصغيرة المرتبطة به فقط، والتي لا تعرف بعضها، واستفاد من إمكانيات سالم، وكان واحداً من كوادره، وكثيراً ما خطط معه حول بعض الأعمال، لكنه لم ينسى أنه أستاذه وأنه ذو حظوة عند القيادة، لذلك كان يخاف على إمارته منه.

شكل حسان بنيتين تنظيميتين منفصلتين وجعلها تخطط لأعمال مسلحة. كلف سالم أن يحضر بعض الأسلحة عن طريق المهربين، ولكن يقبض عليهم، ودخلوا في دوامة خوف أمني يأخذ منهم شهرين حتى يستطيعوا الخروج من تبعاته، وأنهم لم يذكروا بالتحقيق، وأنهم ما زالوا في مأمن، وفشل سالم بهذا العمل أمنياً. وبعثت القيادة من بلادستان بثلاثة عناصر جهادية مدربة لاختصاصات محددة، أحدهم مرافق الأمير حسان لأمنه الشخصي، والثاني مختص بالاغتيالات، والثالث مختص بالعبوات الناسفة، وكان كلف أحدهم أن يؤمن مواد متفجرة، عن طريق المهربين، وكذلك مواد لصناعة عبوات متفجرة ، وأحزمة ناسفة، وأسلحة، و مسدسات بكاتم صوت، كان يحرك عناصره على التوازي، ويترك خيوط الكل مربوطة به، ويمنع أي تعارف أو تواصل بينهم إلا للضرورة وحسب خططه، اجتمع مع الفريق الذي بعثته القيادة بوجود سالم، وتناقشوا حول أول عمل ضد مراكز أمنية، واتفقوا أن يضربوا مركزاً سرياً للمخابرات، ووزعوا المهام بينهم، المراقبة، ومعرفة نقاط الضعف، وطريقة العمل، وقرروا أن ينسفوا البناء عن طريق عبوات متفجرة يضعوها على سطح البناء، وبعد عملية رصد وتدقيق، استطاعوا أن يجعلوا العملية ممكنة ونفذوها دون أن يتركوا أي أثر يدل عليهم.

نجح العمل، تدمر البناء كله تقريباً، قتل أقل من عشرة أشخاص منهم خمسة على الأقل من القيادات الأمنية للبلاد وجرحى بالعشرات، ردود الفعل كانت؛ تخبط من الدولة، استدعاءات أمنية للآلاف لم تثمر عن شيء، وبيانات تنديد من أئمة دينيين أهمهم الشيخ الرفاعي؛ الذي تتلمذ على يديه سالم وأغلب الشباب الذين التحقوا بالعمل الجهادي، اعتبروه واحداً من فقهاء السلطان وأعوانه الكفار ودعمهم لتشويه الجهاد، وتسهيل حكم الناس، اعتقل سالم فيها لكونه معتقل سابق، وخرج بعد أيام، لأنه لا يوجد أي قرينة تدل على دوره هو أو الجماعة، كانت مهمة سالم كتابة بيان يعلن عن الجماعة والعمل، ويؤكد على هوية الجماعة الجهادية، وأنهم ماضون لمواجهة الكفار وبناء دولة الإسلام. أما حسان الذي امتلأ نفسياً بالعملية فقد عظم رصيده عند القيادة التي سيلتقي بها قريباً، واجتمع مع فريقه وقرر أن يقوم بعمل آخر يكون تأثيره أقوى وضحاياه أكثر، ليثبت جدارته عند قادته، وينعكس أكثر على نفوس الناس ليلتحقوا بالعمل الجهادي، ونفذ عملية في مركز تجاري عبر عبوة ناسفة في وقت الذروة، عبر همام أحد أفراد الجماعة من الفريق الموازي، ودون علم الآخرين وخاصة سالم، ونجحت العملية الأخرى، وكان ضحيتها عدة محال تجارية وعدد كبير من الناس بين قتيل وجريح، بينهم نساء وأطفال.

ردود الفعل كانت؛ تخبط من الدولة، استدعاءات أمنية للآلاف لم تثمر عن شيء، وبيانات تنديد من أئمة دينيين أهمهم الشيخ الرفاعي

أحس حسان بنصره الشخصي وبأن رصيده عند القيادة زاد، لكن ردة الفعل عند الآخرين لم تكن كذلك وخاصة سالم، سالم الوحيد ذي الخلفية الدينية المتعمقة يفهم الدين والجهاد وظروفه، أما الآخرين فقد كانوا ملتزمين بطاعة الأمير وأوامره بكل شيء وأنهم مشاريع استشهاديين، وموضوعات الفقه والشرع وشرعية أعمالهم متروكة لأمرائهم، توقف سالم عند تفجير المركز التجاري، وأنه غير مبرر وأن استحلال دماء الناس هكذا حرام، وخاف أن يكون التفجير من صنع الجماعة، وتوجيه من حسان، الذي يكفر الدولة والناس، لأنهم صامتين عن دولة غير شرعية، ومحلل لدمهم جميعاً، وعندما التقى بحسان مع فريقه عبر له عن رفضه للعمل، لكن حسان صده وأخبره أنه من عمل الجماعة، وأن بناء دولة الإسلام يتطلب ردع الكفار جميعاً، وقرر بينه وبين نفسه استبعاد سالم من فريق القيادة، ومن التداول بشؤون الجماعة لكي لا يؤثر على الفريق، أما الفريق فقد تبعوا الأمير حسان لكونه أميرهم وعليهم طاعته لأنهم بايعوه على كل شيء، وتمسكوا بسالم لكونه موصى عليه من قيادة الجماعة، ولأنه يعتبر شيخهم.

كان لعملية المركز التجاري تأثير مجتمعي سلبي جداً، وتحدث الشيخ الرفاعي عنها وحكم على فاعليها بأنهم مجرمون يستحقون الإعدام، وأن هدر حياة الناس دون مبرر شرعي هو ضد الإسلام والمسلمين، وافقه سالم الرأي، لكن حسان اعتبر أن الشيخ الرفاعي قد تجاوز حده ووصل لمرحلة التحريض على المجاهدين، واستوجب قتله. فكر بطريقة مناسبة، تداول الرأي مع فريقه الثاني همام ومن معه، كان يريد أن يقتل الشيخ في المسجد وبين المصلين ومع عدد كبير منهم، لكي يموت شيخ ضد الجهاد، ويفهم المتابعين له أنهم كفار طالما واجهوا الجهاد وجماعته، ويستحقون الموت أيضاً.

وافق الفريق الثاني على مضد، واستبعد سالم من معرفة العملية، أسند الأمر لهمام بأن يجهز استشهادياً من دائرته ليقوم بالعملية. لكن سالم استطاع معرفة خبر العملية وتوقيتها وهدفها، راجع نفسه كثيراً واعتبرها عملية إجرامية إرهابية وتضر بالعمل الجهادي، وقرر أن يفشلها، رفض أن يكون مخبراً ويخبر الأمن، ومع ذلك بعث رسالة إلكترونية للشيخ الرفاعي يخبره بالعملية وأن عليه أن يحتاط، ووصل الخبر للأمن، وفي يوم التنفيذ عجز (الاستشهادي) عن الدخول للمسجد، ثم سرعان ما قبض عليه، وأطلق عليه النار أحد أعضاء الفريق لكي لا يستفيد النظام من  معلوماته، انزعج حسان من فشل العملية، وزاد غضبه عندما تحدث وزير الداخلية عن جماعة إرهابية، وقدم معلومات تؤكد أنه عرف واقع الجماعة وما حصل فيها، هذا الذي استفز حسان وجعله يفكر أن هناك خيانة من أحد عناصر الجماعة، وكان قد استبعد سالم بداية من الوشاية لاعتقاده أنه لا يعرف بالعملية أصلاً، لكنه علم من أفراد المجموعة أن سالم يعلم بالعملية بالتفصيل، لذلك اعتبر سالم من خان؛ خاصة أن سالم صرح برفضه لمثل هكذا عمليات، وعلم حسان والمجموعة أن الاستشهادي لم يمت وأنه يعالج، وأنه سرعان ما سيدلي بمعلوماته عن من نظمه وطلب منه العملية وهو همام. عندها قرر حسان أن يقتل همام ليقطع خيط المعلومات عن الجماعة، وأن يقتل سالم على خيانته، ويكلف أحد أفراد المجموعة بذلك، ويحصل اغتيال الاثنين.

صورة غلاف الرواية – المصدر: Arabic bookshop.net

هنا تنتهي الرواية.

وفي قراءة الرواية وتحليلها نقول:

إننا أمام رواية أشبه بتقرير أمني دقيق ومنظم ومضبوط، يرصد حالة الجهاديين أفراداً وجماعة، وهذا مهم؛ حيث يعطينا صورة عن عمليات غسل الدماغ التي يعيشها أفراد الجماعات الجهادية عموماً، والانضباطية المطلقة عندهم، التي تصل لدرجة إلغاء الذات والعقل والإرادة، لصالح الجماعة المحددة بقيادتها وأميرها، بحيث يتحول الجهادي لمجرد أداة تنفيذ المهام، مهما كانت، ولو أدت للموت، فهم جميعهم للجهاد خرجوا، مشاريع شهادة، وهذا يدعمه انتماء فكري مغلق تابع لاجتهادات وآراء عدة، مختلف معها وعليها، لكنها تمثل عند المنتمي مرجعاً مطلقاً غير قابل للمراجعة أبداً.

هذا والجهادي يختلف حسب ظروفه الحياتية التي يخرج منها، لكن أغلبهم ضحية فقر أو فساد أو بطالة عن العمل، وجهل وتخلف عام، والكل يخرج من دول استبدادية قمعية لا مجال للمشاركة السياسية فيها، وأغلبهم له تجارب اعتقال سابقة في سجون الأنظمة الاستبدادية، التي كانت بمثابة مدارس أعداد عقائدي، ليكون الشباب امتداداً بشرياً للجماعات الجهادية، وزاد عليها تدخلات خارجية في الدول؛ احتلال أفغانستان ومن ثم العراق، وتحول هذه البلاد إلى مواقع خلق التجييش ونمو لهذه الجماعات وممارساتها وأفكارها، ففي هذه البلاد مارست الجماعات القتال بكونه جهاداً، حاربت المحتل والأنظمة واعتبرتهم كفاراً، حاربت المختلف عنهم باعتبارهم خوارج أو كفار أو صامتين عن المحتل أو الحاكم الكافر وكفرت الناس، واستباحت دم الكل، ومن هنا تحولوا ليكونوا جماعات قتل بشع همجي منهجي، لا يضاهيه إلا فعل الأنظمة الاستبدادية المجرمة والقوى الإقليمية والدولية التي تدعمها، تقتل الشعب وتشرد الناس  بالملايين وتخرب البلاد كلها، وزاد ذلك الاستجابة القمعية والدموية من الأنظمة ودول العالم ضد الربيع العربي في كل بلدانه، جعل لهذه الجماعات والجهاديين قضايا ومبررات تتحرك على أساسها على الأرض وتقوم بدور في الصراع الدموي المستمر.

مارست الجماعات القتال بكونه جهاداً، حاربت المحتل والأنظمة واعتبرتهم كفاراً، حاربت المختلف عنهم باعتبارهم خوارج أو كفار أو صامتين عن المحتل أو الحاكم الكافر وكفرت الناس، واستباحت دم الكل

كما أن أغلب المنتمين للجماعات من فئة الشباب القابل للتعبئة العقائدية، والذي يصل لمرحلة إلغاء عقله ووعيه الشخصي لصالح الجماعة وأميرها، وهذا يؤدي على مستوى استراتيجي بعيد المدى إلى استخدام الشباب والظاهرة كلها، ضمن ظروف الصراع العالمي على المصالح والنفوذ، فمن يمتلك السلاح والمال يمتلك السلطة دولياً ومحلياً وفي الجماعات نفسها. كما أنها تسقط القيم العقائدية وتدير أعمالها لمصالحها الخاصة ومصالح جماعة القيادة، سواء في عمليات قتل الأبرياء والمدنيين، وخدمة أجندات الغير، والوصول إلى درجة بيع الأسرى والمحتجزين، وبيع كنوز الأرض وبترولها وآثارها، كله عبر عملية لا تمت إلى العقائد بصلة، ولا يتقنها إلا القادة ومن يتحكم بمسار الجماعة ومشاريعها.

نعم إن هذه الجماعات الجهادية تصبح أخيراً مجرد صورة مشوهة وسلبية ومعادية للإسلام والمسلمين والناس أجمعين، وتتحول لمبرر الدول لكي تطغى وتستبد وتقتل الشعوب، ومبررات للنظام العالمي أن يعلن مشروعه العالمي: محاربة (الإرهاب) ودعم الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، على أنها البديل الأفضل.

وهكذا يعاد خلق الظرف الذاتي والموضوعية لخلق ظاهرة الجهاد والجهاديين، وخلق أرضية صراعية بين الدول، وفي الدول ذاتها، وبين مكوناتها المذهبية والاثنية والدينية والسياسية، ضمن معادلة صراع صفري الكل فيها خاسر.

ونبتعد أكثر عن بناء مجتمع العدالة والكرامة الإنسانية والحرية والديمقراطية والحياة الأفضل.

 

د. عبد الإله بلقزيز: مفكر مغربي معاصر، له الكثير من الكتب الفكرية والسياسية، والأعمال الروائية، اطلعت على بعضها وكتبت عنهم.


الناشر: منتدى المعارف.

ط١/ ٢٠١٧. ورقية.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.