حتى ذلك الحين!

أهل الغوطة الذين كنّا نقصد غوطتهم لاستنشاق الهواء النقي، هم ذاتهم من ماتوا اختناقاً بكيماوي الأسد، وماتوا جوعاً من حصاره، من يرتكب تلك الجرائم أو يتشفّى بتلك المشاهد ليس ببشري، هو حتماً مضطربٌ نفسياً إلى حدّ النزوع للإجرام.

الأيام السورية؛ ريما فليحان

على تلك الأرض جرينا أطفالاً، تظلّلنا بأشجارها وغَمَرَنا حنو الفلاحيين الطيبين الذين لم يسأموا يوماً من زوارها القادمين من كلّ سورية إليها.
يمكنني أن أقول دون مبالغة، لحم أكتاف السوريين من خيرها وثمرها ومائها.

أهل الغوطة، يا إخوتنا في الوطن، كانوا ومازالوا أولئك الطيبين البسطاء الكرام الذين احتضنت بساتينهم كلّ من زارها للاستجمام و لخلق الذكريات الجميلة مع الأهل والأصدقاء.

إخوتي في الوطن: أولئك الطيبون هم ذاتهم اليوم معفّرون بغبار الأنقاض التي لا يغسلها عن أجسادهم إلا دماءهم.

أهل الغوطة، يا إخوتي، إن كنتم لا تدرون، جاعوا وحوصروا لسنوات قبل أن يقرر النظام وحلفاؤه الإجهاز عليهم بتلك الضربات المجنونة التي تمزّق أطفالهم أمام أعينهم.

أهل الغوطة، يا سوريين، هم ذاتهم من اختنقوا بالكيماوي منذ سنوات، ولا أظن أنّكم بهذا الغباء لكي تصدقوا أنَّ جثث كل الأطفال الذين قضوا بالكيماوي جاءت من مناطق أخرى كما قالت إحدى شخصيات النظام حين عجزت عن تبرير جريمة الكيماوي.

هم من اختنق أطفالهم ونساءهم وشبابهم حين كنّا نقصد أراضيهم يوماً لنتنفس الهواء النقي بعيداً عن الدخان المسموم، والحر والضجيج في مدننا المكتظة بنا.

وهم ذاتهم من يموتون اليوم بقصف همجي لا يشبهه شيء إلا القيامة التي يمكن أن نتخيلها.

أخرجت هذه المرحلة أبشع ما لدى السوريين من أحقاد، أبغض أنواع الكراهية، وخطاب التحريض، وأخرجت أيضاً النزعات الطبقية والطائفية والمناطقية والقومية في أبشع تجلّياتها حيث بتنا تماماً في القاع أو أدنى.

لا يمكن لأيّ بشريٍّ، أن يحتمل كلّ تلك المشاهد القادمة من عمق الموت اليومي الهابط على رؤوسهم من البراميل المتفجرة والصواريخ، كما لا يمكن لأيّ بشريٍّ أن يتشفّى باستهداف المدنيين في المناطق الموالية للنظام الذي لم يهتم يوماً للمدنيين أيّاً كانوا حتى ولو كانوا مواليه.

من يرتكب تلك الجرائم أو يتشفى بتلك المشاهد ليس ببشري، هو حتماً مضطرب نفسياً إلى حدّ النزوع للإجرام، مثله مثل كل القتلة المتسلسلين الذين يرتكبون جرائمهم من أجل المتعة.

أشعر بالقرف وبالشفقة معاً على كلّ من يتلذّذ بموت السوريين في الغوطة أو دمشق موالي أو معارض لأنّهم مرضى يفترسهم الحقد.

رغبةٌ عارمةٌ بالصراخ تجتاحُ كلَّ خلايا جسدي، ويتملّكني الإحساس بالقهر والعجز أمام هول المشهد القادم من الغوطة التي تئنُّ تحت الضربات العسكرية المجنونة.

لا يمكنني كإنسان أن أغفر لهؤلاء المتورّطين بتلك الجريمة ولا بأيّ جريمة وقعت على الأرض السورية واستهدفت المدنيين.

وقلبي الذي اعتاد على أن لا يكره بات مليئاً بكره كلّ من يحملون السلاح في بلدي من كلّ الأطراف، وأتطلّع إلى ذلك اليوم الذي يحاكم فيه كلّ مجرمي الحرب في سورية على جرائمهم.

قلبي اعتاد أيضاً أن يختنقَ يومياً حين يصل بي نهاري إلى حافة الليل، فصور وعيون الأطفال النائمة إلى الأبد، القادمة من الغوطة تبعد عني النوم وتغرقني في الوجع حتى الصباح.

لم يعد يعنيني إلا شيء واحد أستيقظ كل يوم من أجله، وهو أن تتوقف تلك الحرب المسعورة في بلدي.
كلّ صباح أحاول أن أزيح تلك الصور، أغسل وجهي عبثاً وتعود لتلاحقني مع ساعات النهار وتذكرني بأنَّ هذا العالم غير معني بوقف هذا الموت في بلدي.

لن تتوقف الحرب في سورية قبل أن يتوقّف السوريون عن امتهان الكراهية لبعضهم بعضاً.

لن تتوقّف الحرب في سورية قبل أن يقررَ كلّ السوريين أن يرموا أسلحتهم ويمسكوا بأيدي بعضهم بعضاً ويسلكوا درباً آخر نحو وطن حقيقي لا يموت به الأطفال من القصف ولا يخاف به أبناؤه.

لن تتوقف الحرب في سورية قبل أن يقرّر الشعب السوري أنّه لا مكان للمجرمين بينهم، كل المجرمين، سواء كانوا من النظام أو من أيّ فصيل على اختلاف الرايات والمسمّيات.

لن يحكَّ جلدنا إلا ظفرنا، وحتى يحين ذلك الوقت الذي نقرّر به أن نحبَ بعضنا بعضاً سيفترسنا الموت واحداً بعد الآخر حيث لا أمان لأحد، صدّقوني حتى من هم بالمنفى وللموت أشكال عديدة غير التي نعرفها أحدها المنفى، لأنّ الكراهية كالنار لن يوقفها شيء حتى يتعاون كلّ أهل البيت الواحد على إخمادها.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend