حرب سيناء: توظيف سياسي وشكوك حول الأهداف

عملية الجيش المصري في سيناء لضرب ما يسمى بالإرهاب، تخوف المدنيين وأسئلة في معظمها يدور، لصالح من وفي خدمة من تصب؟

خلف العملية العسكرية للجيش المصري في سيناء، والتي أعلنت قبل أسبوعين من دون سقف زمني لانتهائها، تطرح تساؤلات كثيرة عن إجابات، حول عما إذا كانت الحرب تصب فعلياً في خانة ما يُعرف بـ”صفقة القرن”، أو محاولة إضافة نجاح عسكري للرئيس عبد الفتاح السيسي قبيل الانتخابات الرئاسية، في مارس/ آذار المقبل، في ضوء عدم الوفاء بوعده المتكرر بالقضاء على الجماعات المتطرفة. وصاحبت العملية العسكرية حالة من الترقب الشديد، ليس فقط لارتباطها بمسألة تطهير سيناء من العناصر المسلحة، وإنما بما قد تسفر عنه من خسائر بشرية ومادية للمدنيين، فيما يلوح مخطط إخلاء سيناء في الأفق، في ضوء تخوفات أبنائها من أن تكون العملية غطاءً لتنفيذ مخطط إخلاء 5 كيلومترات حول الاتجاهات الأربعة لمطار العريش، عقب إخلاء الشريط الحدودي مع قطاع غزة.

وفي أكثر من مرة، كرر السيسي مصطلح “القوة الغاشمة” في التعامل مع الأوضاع في سيناء، بما يُنذر بحدوث انتهاكات شديدة في الحملة العسكرية، إذ قال شيخ قبلي إن “هناك تخوفات شديدة من أن تكون الحملة العسكرية غرضها بالأساس تنفيذ مخطط إخلاء واسع النطاق، تحت مظلة مواجهة الإرهاب، للتغطية على هذا المخطط”. وأضاف الشيخ القبلي، لـ”العربي الجديد”، أن الأوضاع في سيناء شديدة الصعوبة، وخصوصاً أن الأهالي يشعرون بأنه سيتم قصف منازلهم في أي لحظة، وتحديداً في مدينتي الشيخ زويد ورفح. وتابع “هناك مخططات غير واضحة أو مفهومة في التعامل مع الأزمة بسيناء، والأهالي يدفعون الثمن غالياً، مع تشريد مئات الأسر، من دون مأوى لهم”. وأشار إلى أن استهداف المدنيين وإخلاء سيناء يخدم الكيان الصهيوني أكثر من أي جهة أخرى، الأمر الذي يستدعي ضرورة الحذر في الضربات الجوية لعدم سقوط قتلى أو جرحى من المدنيين، ووقْف مخطط إخلاء أجزاء من العريش، ونقل المطار إلى مكان يسهُل تأمينه بعيداً عن التكتلات السكانية. وفي هذا الإطار، فإن ثمة تخوفات شديدة من أن يكون القصف الجوي يستهدف المدنيين، بما يخلف سقوط ضحايا، بين قتلى وجرحى، بشكل متزايد، إذ رصدت منظمات خارج مصر سقوط مئات القتلى والمصابين من المدنيين، وتحديداً منذ بداية العمليات بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي من الحكم، في ظل منع النظام الحالي لمنظمات المجتمع المدني من دخول سيناء.

صفقة القرن

يتخوف أبناء سيناء من أن تكون العملية غطاءً لتنفيذ مخطط إخلاء 5 كيلومترات حول الاتجاهات الأربعة لمطار العريش

وحذر البرلماني المصري عن محافظة شمال سيناء، حسام رفاعي، من تداعيات الشروع في سيناريو “صفقة القرن”. وقال، أمام مجلس النواب، إن “سيناء ليست قضية إرهاب، بل أطماع قديمة ومستحدثة”، وإنه “لن تكون على أرض سيناء سوى الدولة المصرية، مهما كلف أهلها ذلك من تضحيات”. وشدد رفاعي على أن سيناء هي قضية كل المصريين، والحفاظ على أرضها “لا يقل أهمية عن قضية تحريرها في حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973″، في حين قال رئيس البرلمان، علي عبد العال، إن “مصر تخوض حرباً تقتضي تضحيات، وفي اللحظات الفارقة يجب أن يتحمل الشعب، حتى لو كانت هناك معاناة، والاصطفاف خلف الجيش والشرطة”. وكانت “الحركة المدنية الديمقراطية”، التي تضم 7 أحزاب معارضة، وأكثر من 150 شخصية عامة، قد عبرت عن مخاوفها من أن تكون الحملة العسكرية بسيناء تستهدف إيجاد وطن بديل للفلسطينيين في سيناء، ضمن بنود “صفقة القرن”، بحسب ما يصرح بذلك حكام البيت الأبيض وتل أبيب، مؤكدة مساندتها كل عمل يتصدى للمشروعات المشبوهة لتفريغ سيناء من أهلها.

الانتخابات الرئاسية:

إلى ذلك، ذهب مراقبون إلى أن العملية العسكرية لا تستهدف القضاء على الإرهاب، بقدر ما تسعى لرفع أسهم السيسي شعبياً في الانتخابات الرئاسية، ومحاولة تجميع مؤيديه حوله مرة أخرى، بعدما تراجعت شعبيته بشكل كبير في أعقاب الإجراءات الاقتصادية، التي أسفرت عن تردي الأوضاع المعيشية للمواطنين وموجات متتالية لغلاء الأسعار. وقال الخبير السياسي في مركز “الأهرام” للدراسات، محمد عز، إن توقيت العملية كان متوقعاً بشكل كبير قبل انتخابات الرئاسة، من أجل إظهار رغبة السيسي الأكيدة في مواجهة الإرهاب. وأضاف، لـ”العربي الجديد”، أن الأخير دائماً ما يلوّح بالإرهاب كفزاعة، أو مبرر للقمع، وملاحقة المعارضة، بدعوى أن مصر في حالة حرب، ولا سبيل للحديث عن الحريات والسياسة. وتابع عز أن “العمليات العسكرية في سيناء تُعطي مبرراً أيضاً لاستمرار حالة الطوارئ، المفروضة بجميع أنحاء البلاد منذ إبريل/ نيسان 2017، خلال الانتخابات الرئاسية، حتى لا يتعرض لانتقادات وضغوط دولية، سواء من منظمات رسمية أو حقوقية، بشأن استمرار الطوارئ، وهو ما يعبر عنه السيسي بوضوح عند حديثه عن مواجهة مصر للإرهاب، واستبعاد وقف العمل بحالة الطوارئ”.

 

عمليات متكررة:
وخلال نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، حمّل السيسي رئيس أركان الجيش المصري الجديد، محمد فريد حجازي، الذي جاء خلفاً لصهره محمود حجازي، مسؤولية تطهير سيناء من الإرهاب خلال 3 أشهر، بالتعاون مع وزارة الداخلية. وتنتهي المهلة بنهاية فبراير/ شباط الحالي، ويفترض مع نهايتها القضاء على كل المجموعات المسلحة. و”العملية الشاملة… سيناء 2018″، هو الاسم الذي أطلقه الجيش على العملية الجديدة، والتي سبقتها سلسلة عمليات عسكرية منذ العام 2011، بدأت مع عملية “نسر”، والتي كانت عبر مرحلتين “نسر 1” و”نسر 2″، في ظل الإدارة المؤقتة لمصر من قبل المجلس العسكري، عقب ثورة 25 يناير/ كانون الثاني، واستمرت خلال عهد الرئيس المعزول، محمد مرسي.

حذر “ولاية سيناء”:وبدأت مرحلة جديدة من العمليات في العام 2013، تحت اسم “عاصفة الصحراء”، في أعقاب الإطاحة بمرسي من الحكم، وتصاعد العمليات التي تستهدف كمائن الجيش والشرطة في سيناء، إلى أن انطلقت عملية “حق الشهيد” في 2015، على أربع مراحل، انتهت آخرها العام الماضي، قبل إطلاق عملية “الثأر للشهداء” في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بعد استهداف مسجد الروضة. وبخلاف العمليات الكبيرة التي أطلقها الجيش المصري، فإنه بين الحين والآخر، وتحديداً عقب عمليات إرهابية، يطلق عمليات لتطهير سيناء من الإرهابيين، غير أن تلك العمليات العسكرية لم تتمكن من القضاء على المجموعات المسلحة في سيناء بالشكل الذي يعلنه الجيش المصري، ما يضع علامات استفهام حول أهداف العملية الجديدة.

وفيما تعتبر عملية “حق الشهيد” الأكبر في سياق العمليات العسكرية ضد العناصر المسلحة في عام 2015، إلا أن أعلى معدل عمليات من قبل تنظيم “ولاية سيناء”، الذي أعلن مبايعة تنظيم “داعش”، كان خلال 2015 و2016. ولا يزال التنظيم المسلح يتواجد في سيناء، وينفذ عمليات ضد قوات الجيش والشرطة، وإن كانت عملياته الكبيرة خفت، بفعل عوامل لا تتعلق بالعمليات العسكرية واستهداف عناصره فقط، ولكن أيضاً ترتبط بعوامل داخل “ولاية سيناء” ترتبط بانهيار التنظيم الأم في العراق وسورية، وتراجع عملية التمويل لمواصلة استهداف قوات الجيش والشرطة بما يرتبط بعدم القدرة على استقبال عناصر جديدة لتعويض الفاقد من عناصره خلال المواجهات مع الجيش، بحسب باحث في الحركات الإسلامية.

وقال باحث في الحركات الإسلامية، في تصريحات خاصة، إن الأزمة التي تواجه الجيش المصري هي قدرة “ولاية سيناء” على التخفّي والاختباء خلال العمليات العسكرية، وخصوصاً أنها لا تستهدف تجمعات محددة للعناصر الإرهابية، مضيفاً أن جزءاً من العمليات العسكرية، التي يُعلن الجيش عنها، تتعلق بإقامة مزيد من الكمائن أو زيادة التواجد الأمني، وليس القضاء على العناصر المسلحة، التي تتمكن من الاختباء في دروب الصحراء الواسعة. وتابع الباحث، الذي تحفظ على ذكر اسمه، إن المساحات الصحراوية التي يتحرك فيها تنظيم “ولاية سيناء” كبيرة للغاية، من شمال سيناء إلى وسطها، عبر مناطق صحراوية شاسعة وأخرى جبلية يسهل الاختباء فيها، مشيراً إلى أن العمليات العسكرية الكبيرة تكون معلومة لدى العناصر المسلحة، من خلال التجهيزات والتحركات على الأرض والدفع بآليات عسكرية واتخاذ بعض التدابير الأخرى، وهو أمر يكون مرصوداً لدى تلك المجموعات. ولفت إلى أن هذه التجهيزات العسكرية يقابلها قيام العناصر المسلحة بالاختباء سريعاً في الدروب والجبال، وبالتالي يصعب الوصول إليها، ما ينقذها من التعرض لعملية إبادة شاملة، وخصوصاً أن الجميع كان يعلم بوجود عملية عسكرية قبل إطلاقها بأسبوع على الأقل. وتتبع المجموعات المسلحة، وتحديداً “ولاية سيناء”، استراتيجية ثبت نجاحها في مواجهة الحملات العسكرية الكبيرة، عبر امتصاص الضربات اعتماداً على الاختباء، ثم معاودة الظهور وتوجيه ضربات شديدة، عبر سلسلة عمليات.

غياب المعلومات:

العمليات العسكرية في سيناء تُعطي مبرراً لاستمرار حالة الطوارئ خلال الانتخابات الرئاسية.

وفي وقت سابق، تحدث حقوقي مصري عن الأوضاع في سيناء. ورداً على عدم إصدار تقارير تتحدث عن طبيعة الأوضاع الصعبة في سيناء، قال الحقوقي إن هناك تضييقاً على منظمات المجتمع المدني، وبالأخص الحقوقية منها، بما يتعلق بتوجيه انتقادات لعمليات تعذيب أو إهمال طبي في أماكن الاحتجاز. وأشار إلى أن مسألة إصدار تقارير حول وضع حقوق الإنسان المتردي صعبة، ليس فقط لناحية تربص الجيش بأي شخص يتطرق للأمر، ولكن أيضاً لصعوبة توثيق هذه الانتهاكات، فلا يمكن لمنظمة حقوقية السفر إلى سيناء والتواصل مع المواطنين ومعرفة عدد القتلى والجرحى.وأمام حالة الحذر الشديد الذي تلتزم به المجموعات المسلحة، فإن ثمة عوائق تواجه الجيش المصري لناحية عدم وجود معلومات تفصيلية لأماكن تمركز تلك العناصر والمخابئ، في ضوء عدم تمكن قوات الجيش من القضاء على تلك العناصر المسلحة طيلة السنوات السبع الماضية، وخصوصاً أن القدرات العسكرية والقتالية لدى تلك العناصر، وتحديداً تنظيم “ولاية سيناء”، تزايدت بشكل ملحوظ للغاية. ووفقاً لبعض الإحصاءات، فإن عدد قتلى الجيش والشرطة منذ صيف 2013 وحتى مطلع العام الماضي، وصل إلى 1441 قتيلاً، وهي نسبة كبيرة مقارنة ببيانات الجيش المصري التي تحدثت عن القضاء على الإرهاب ومحاصرته بسيناء.

فرص النجاح:

ويدافع الموالون للنظام عن العملية العسكرية الجديدة، باعتبارها نهاية حقيقية للإرهاب في سيناء، متوقعين فرص نجاح كبيرة في القضاء على المجموعات المسلحة، ولكن يظل هذا الأمر مرهوناً بتنفيذ عمليات ضد قوات الجيش والشرطة عقب انتهاء تلك العمليات أو لا. ورأى الخبير الأمني، جمال أبو ذكري، أن العمليات العسكرية الجديدة لا يمكن أن تكون بهذا الحجم من دون استعدادات خاصة، لضمان فرص نجاح كبيرة، واتخاذ خطوة كبيرة للقضاء على الإرهابيين. وأضاف أبو ذكري، في تصريحات خاصة، أن هذه العمليات يتوقع أن يكون الإعداد والتجهيز لها شهرين على الأقل، وهذا كان يتطلب توحيد كل الجهات وتجميع المعلومات من أجهزة جمع المعلومات، للتحرك بناء على معلومات موثقة، متوقعاً أن يكون هناك تعاون أكبر من أبناء سيناء مع الجيش والشرطة في القضاء على المسلحين، خصوصاً بعد استهداف المدنيين في مسجد الروضة. وتابع أن “العملية الجديدة ستكون حاسمة، ولكن ليس معنى ذلك عدم وجود عمليات خاطفة من قبل التنظيم الإرهابي، ولكن سيكون بدرجات قليلة للغاية، خصوصاً مع إحكام القبضة الأمنية على سيناء، ومنع تسلل العناصر التكفيرية من خارج سيناء، سواء من داخل مصر أو من غزة، بعد التنسيق مع الجهات الأمنية في القطاع”.

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر العربي الجديد
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend