جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

حين شرعت الجدران بالكلام (11)

اجتماعات المجلس الوطني ملاحظات وانطباعات.

تأليف الكاتبة: ريما فليحان

لم تكن تجربةً ناجحةً.. هكذا وباختصار يمكنني أن أصف تجربتي في المجلس الوطني السوري.. فمشاكل المجلس بدأت باستحواذ بعض الأطراف على القرار والعمل وعبثية محاولة الإصلاح و تضخم العدد يوماً بعد يوم دون تنوّع يمثل فعلياً التنوّع السوري.

قد تكون الحالة النفسية المرافقة لألم الخروج أحد أسباب هذا الانطباع،  أما الناس الذين تركتهم بالداخل هم لا يشبهون الكثيرين ممّن التقيت بهم في الخارج من السياسيين.  ومع هذا فقد أتاحت لي تلك التجربة التعرّف على شخصيات فذة ومعارضين كبار وأصدقاء رائعين حافظت على العلاقة الجيدة معهم حتى اللحظة.

يقول المثل السوري: “البعد جفا” كنت ألمح بعضاً منه في ملامح بعض الشخصيات المشاركة في العمل السياسي.. لربما كان ذلك يعود لطبيعتي الأقرب للشباب الثائر من السياسيين في تلك الفترة، لكنني حتماً لم أحبّ الكثير من النقاشات الدائرة في اجتماعات المجلس الوطني أو في كواليسه أو على مجموعة الفيس بوك الخاصة به. خاصة تلك التي تتعلق بالهيكلية وتجاذب القوى والمواقع و عدد مقاعد كل فئة؛ ولم تفلح إعادة الهيكلة في إصلاح المجلس أو خلق تغيير جذري في أدائه. وبالتأكيد كانت هناك شخصيات إيجابية وقوى وطنية تحمل رؤية وتطلعات مشرقة لم تتمكن من تحقيقها بسبب ظرف المجلس وطبيعته وطبيعة الملف السوري.

كانت المرة الأولى التي أرى فيها هذا الكم من العداء والتنافس بين المكونات والشخوص .. عداء طالني في بعض الأحيان من بعض الشخصيات. كنت أجهل سببه إلى أن أدركت أن منبتي ومنهجي الفكري سبب كافٍ لدى بعض الفئات المتطرفة والمؤدلجة للعداء.

على الأرض في سوريا ولد الواقع العسكري وبالرغم من رفضي لعسكرة الثورة إلا أنه كان من الضروري التعامل مع الواقع الراهن الموجود شئنا أم أبينا، على الأقل من أجل تخفيف الآثار الجانبية المرافقة للعسكرة . وكان هذا يستدعي طرح أفكار يمكن البناء عليها في المجلس الوطني وبحث إقامة قيادة عسكرية واحدة وتبديل الخطاب الديني بخطاب وطني.

5 ساعات في مطار أتاتورك بانتظار موافقة إدخالي إلى تركيا بوثيقة سفر كانت كافية لي وللدكتورة بسمة قضماني لإعداد ورقة كنّا قد تحدّثنا فيها كثيراً فيما سبق عن هذا الموضوع. وتضمّنت ضرورة لقاء المجلس الوطني بقيادات الجيش الحر وتحديد نقاط أساسية أهمّها: إعادة تسميه الكتائب بأسماء وطنية بدلاً من الأسماء الإسلامية وتوحيد السلاح تحت قيادة عسكرية واحدة تنسّق مع قيادة سياسية والحفاظ على دور الجيش الحر في الدفاع عن النفس فقط وحماية المظاهرات والمدنيين دون القيام بعمليات هجومية.

لم تكن الصورة واضحة كما يجب بالنسبة لي.. ولم أكن أعلم أن هذه الطلبات لا يمكن تحقيقها بسبب ارتباط بعض تلك القوى بأجندات التمويل وعدم ارتباطها حتى بالشخصيات العسكرية المنشقة والموجودة في دول الجوار. وأقول هنا البعض وليس الجميع فالكثير ممّن حملوا السلاح أجبروا على ذلك لضرورة الدفاع عن النفس مع أنني أصلاً وحتى اللحظة أؤكد على خطأ تلك الخطوة استراتيجياً.

لم أكن أعلم أن انفراد بعض المكونات داخل المجلس الوطني وخارجه بخلق ترابط عضوي مع بعض الكتائب على الأرض بعيداً عن مؤسسة المجلس وباسمها الحزبي سيكون عائقاً لمثل هذا التصور.

حال الإغاثة لم يكن أفضل فبينما كان المجلس وصندوقه المالي يشكو من ضعف التمويل، كانت بعض القوى الموجودة داخل المجلس تعمل باسمها الخاص على الأرض على مستوى الإغاثة من أجل خلق شارع لم تكن تملكه في تلك الفترة.

كما بدأ الإعلام يذهب باتجاه الخطاب الديني ولم يكن  الواقع الإعلامي في المجلس الوطني مرضياً وهذا لايتعلق بردود الفعل الطبيعية لمن يواجهون الموت يومياً؛ بل يتعلق بنهج المؤسسات الإعلامية والثورية التي بدأت بتضييق الخطاب وأسلمته.

بالتأكيد كانت هناك بعض الشخصيات الهامة ذات الأفق والمستوى الفكري الرفيع  والتي تحمل الهمّ الوطني بين ضلوعها إلا أنّ حجم التجاذبات والصراعات  الخارجية والداخلية كان أكبر من القدرة على التغيير بجهود فردية وهذا ما دفعني للاستقالة من المجلس.

ومع هذا فقد استطاع المجلس أن يتحرك سياسياً ويخلق علاقات دولية واسعة، واجهتها دائماً حالة تجاذب المصالح الدولية. بالإضافة إلى الحرب الباردة بين المعارضة الداخلية الممثلة بهيئة التنسيق  وتيار بناء الدولة والخارجية الممثلة بالمجلس الوطني؛ والتي تسابقت على اللقاءات بالدبلوماسية العالمية ونقل صورة وطلبات متناقضة في تنازع غير مبرر على تمثيل الثورة وعلى شرعية كل طرف. وهذا انعكس أيضاً على الإعلام وعلى القوى الثورية وسبّب خلافات بالداخل والخارج.

انطلقت حرب الإشاعات والتأويل بين الجميع ضد الجميع، وبدأ النظام باستغلال تلك الحروب والمساهمة عبر أدواته بإذكاء تلك الإشاعات، وإفساد الأرض وإظهار المعارضة بصورة متشظية؛ بحيث لا تستطيع أن تشكل البديل الناضج له عبر إبراز تلك الخلافات وتضخيمها وإطلاق حملات تخوين من النظام وشبيحة الثورة ومتطرفيها لعدد من شخصيات المعارضة كنت من بينهم لسوء الحظ.

في تلك الفتره حاولت بعض القوى الديمواقراطية داخل المجلس الوطني كسر حاجز الخلاف مع هيئة التنسيق عبر توقيع مسودة اتفاق في القاهرة عبر بعض الشخصيات ومنها د . برهان غليون رئيس المجلس. إلا أن تلك المحاولة  تمّت مواجهتها بحرب لاذعة من القوى الأخرى داخل المجلس وبالتشكيك من قوى الحراك الثوري ممّا أدّى إلى إجهاضها.

كان هذا الواقع يتطلب خطوة من أجل توحيد المعارضة إن لم يكن بكيان سياسي واحد على الأقل فبالرؤى.

مؤتمر القاهرة لتوحيد المعارضة”:

كان الواقع المزري الذي وصلت إليه المعارضة من تشظٍّ واقتتال سبباً أساسياً لمؤتمر القاهرة ، حيث تمت دعوة 40 شخصية من مختلف قوى المعارضة لمؤتمر تحضيري في إسطنبول كنت من بينهم وكان الهدف الحديث عن حلول وعن مؤتمر للخروج بوثائق ترسم ملامح المرحلة الانتقالية وتضع عهداً وطنياً متوافقاً عليه من الجميع.

خرج الاجتماع بتسمية لجنة تحضيرية من خمس عشرة شخصية انتخبها الحاضرون وكنت من بينهم من أجل الإعداد للمؤتمر ووضع المسودات للوثائق المطلوبة.

وكان من المفترض الانتقال إلى القاهرة بعد أسبوع لبدء العمل حيث كان لدينا أسبوعان فقط قبل موعد انعقاد المؤتمر وكنت السيدة الوحيدة في اللجنة التحضيرية للمؤتمر.

انتقلنا إلى القاهرة وتمّت تسميتي المنسقة العامة لأعمال اللجنة التحضيرية وكان من بين أعضائها:

أيهم حداد، حسين السيد، خالد ناصر، سالم عبد العزيز المسلط، سمير العيطة، شادي الخش، معتصم السيوفي، عبد الأحد إسطيفو، عبد الكريم عيد آغا، عقاب يحيى، كاميران حاجو، نذير الحكيم، وليد البنى، وليد الزعبي. ثم التحق بهم فيما بعد محمود مرعي ومنصور الأتاسي من هيئة التنسيق الوطنية.

كانت تلك اللجنة تمثل معظم قوى المعارضة وكياناتها وهذا يعني أن رؤى مختلفة ستظهر على السطح ومن شبه المستحيل الخروج بأوراق تمثل وجهة نظر كلّ هؤلاء.

انقسمنا إلى مجموعتي عمل إحداها لدراسة المدعويين ووضع قائمة بأسمائهم؛ بحيث تضم كل القوى السياسية والثورية الحقيقة، والثانية لوضع مسودتي العمل الأساسيتين وهما: وثيقة العهد الوطني وملامح المرحلة الانتقالية وكنت من ضمن المجموعة الثانية.

كان العمل مضنياً وكان يستغرق يومياً ما يقارب الـعشرين ساعة، وبالرغم من الاصطدام المتكرر والخلافات السطحية والعميقة طوال اليوم  لكن الإصرار العجيب على النجاح وتجاوز كل الخلافات كان القاسم المشترك بين كلّ أعضاء اللجنة.

بدأت الخلافات بالرؤى حول وسائل الخلاص من النظام والتحول الديموقراطي ولم تنته بالحديث عن حقوق الكرد مثلاً، كما لم تغفل مسائل السلمية والعسكرة و شكل الدولة المنشود والدستور والعدالة الانتقالية والاقتصاد وطريقة الصياغة والحل السياسي ومنظومة المرحلة الانتقالية وكل التفاصيل الأخرى.

طال النقاش الحاد أيضاً قوائم المدعويين وتحديد المعايير والصفات والأسماء خاصة مع حالة سياسية أنتجت يومياً عشرات الحركات السياسية والثورية والعسكرية، وطال أيضاً الصياغة وأسلوب التعبير.

كان يجب أيضا التواصل مع كل القوى واستمزاج آرائها لتخفيف حدة الخلافات حين نخرج بأوراقنا كما كانت اللجنة تنشر يومياً خلاصات عملها على صفحة قمنا بإعدادها على الفيس بوك.

في اليوم قبل الأخير وصلنا إلى طريق مسدود ارتفعت حدة النقاش وبدأ الجميع بالصراخ كنت أراقبهم وأختنق.. لم أعد أحتمل المزيد .. فجأة صرخت بالجميع قلت لهم كونوا بمستوى ما يحصل في بلدنا يكفي شجاراً على الحرف والكلمة والفاصلة هناك ما هو أهم..  سأنسحب من المكان.

تكلّم معتصم السيوفي بنفس الحرقة وشادي الخش أيضاً.. وكنّا أصغر أعضاء اللجنة سناً.. قلنا لهم:  سننسحب الآن.

خرجنا نحن الثلاثة وتوجهنا إلى غرفة معتصم كنّا نفكر بالخطوة التالية وكان التعب والخيبة يخيمان على الجميع.. أسبوعان متواصلان من العمل المضني تخللتها لقاءات بالجامعة العربية ونقاش لكل المستجدات ورافق عملها حملات تخوين واتهامات لنا بالعمالة والإساءة لسمعتنا من جهات مجهولة وأخرى معلومة وحملة إعلامية مسعورة لم نكن نعرف مصدرها تناولت شخصياتنا بينما كنا نقضي اليوم بكامله نبحث عن التوافق إنقاذاً لبلدنا وتغييراً لصورة المعارضة.

بعد نصف ساعة رن موبايل معتصم، وكان المتصل أحد اعضاء اللجنة يطلب منّا الصعود إلى القاعة فقد حل الإشكال، وتمّ توقيع الوثائق.. غمرنا الفرح وصعدنا  إلى القاعة فوجدنا قالباً من الحلوى بانتظارنا والجميع يوقع مسودة المشاريع والوثائق، وقد تجاوزوا الخلاف.. صادف في ذلك اليوم عيد ميلادي 29/6

شعرت براحة لا توصف فقد بات لدينا مسودة لأهم وثائق تجمع عليها القوى السياسية الممثلة في اللجنة التحضيرية.

اليوم الأول للمؤتمر كان كارثياً  فقد خرج في ذلك اليوم بيان مقاطعة من الجيش الحر، حملات كاذبة من الإعلام  وتخوين لنا وللمؤتمر ” اكتشفت لاحقاً أن هذا سيصبح تقليداً متبعاً يسبق أي مؤتمر أياً كان هدفه”.

حاولت التوضيح على بعض وسائل الإعلام إلا أن حملة ممنهجة كانت تدار من خيوط غريبة لإفشال المؤتمر. ليس فقط من أجل الوثائق والرؤية الجامعة بل من أجل عدم تمخض المؤتمر عن لجنة تنسيق ومتابعة تمثل كل قوى المعارضة وبالتالي تسحب الشرعية السياسية من الآخرين.

دخلنا المؤتمر وكان يوماً شديد الصعوبة، وكان النقاش حاداً فقد اعتبرت بعض القوى الإسلامية وثائق اللجنة التحضيرية علمانية ويجب حذف بعض العبارات لتكون مقبولة فصوت الحاضرين لحذف جملة  عبارات مثل : “الدين لله والوطن للجميع” كما أضافت على جملة المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة “فيما يتناسب مع الثقافة الاجتماعية”.

حضر المؤتمر عدد كبير من سفراء الدول من مجموعة أصدقاء الشعب السوري والجامعة العربية وكاد المؤتمر ينفجر ثلاث مرات على الأقل بفعل صراعات وخلافات بين هيئة التنسيق والمجلس الوطني والأكراد والعشائر.

في إحدى لحظات الصراع جلست جانباً وتحوّل المشهد في رأسي إلى صامت كنت أشاهد ما يحصل وأبكي بحرقة.

ازدادات الخلافات في لجنة الصياغة وحضرت جزءاً من النقاش إلا أننا خرجنا بتعديلات أرضت معظم المكونات المشاركة في المؤتمر باستثناء المكون الكردي الذي كان يريد إضافة كلمة الشعب الكردي على الوثائق، بينما رفضت العشائر  وبعض القوى القومية في لجنة الصياغة تلك الإضافة كما طرح عمار قربي وحازم نهار وناصر القدوة وسمير عيطة ومعتصم السيوفي وآخرون إضافة بيان جنيف واحد للبيان الختامي. وقوبل هذا برفض القوى الثورية والمجلس الوطني وكاد يؤدي إلى انسحاب بعض القوى لولا تأكيدنا عدم إدراجها في البيان لأن الحضور لم يكونوا محضَّرين لمثل تلك الإضافة التي رافقت خروج بيان جينيف 1 قبل يوم واحد من المؤتمر حيث لم يكن لدينا فهم كافٍ للوثيقة وآثارها وكان هناك ذعر من مجرد ذكر كلمة الحوار.

وهو الأمر الذي استطعنا إيجاد صيغة توافقية له من خلال الحلول السياسية التي أرفقت في وثائق القاهرة وكان أي تغيير قد يؤدي لنسف كل العمل.

أخيراً وفي جلسة أخيرة أدارها كمال اللبواني وشاركت في إدارتها تمّ إقرار الوثيقتين بالإجماع ووضع  البيان الختامي للمؤتمر.. كان إنجازاً تاريخياً وكدت أسقط من التعب في نهاية اليوم.

 

إقرأ المزيد:

حين شرعت الجدران بالكلام (10)

حين شرعت الجدران بالكلام.. (9)

حين شرعت الجدران بالكلام.. (8)

حين شرعت الجدران بالكلام.. (7)

حين شرعت الجدران بالكلام..(6)

حين شرعت الجدران بالكلام.. (5)

حين شرعت الجدران بالكلام..(4)

حين شرعت الجدران بالكلام…(3)

حين شرعت الجدران بالكلام (2)

حين شرعت الجدران بالكلام (1)

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend