سلطة الحرب تسكت الحوار، ونازحون على طريق الموت

ضاع كلّ شيء… أو بالكاد يضيع… مشهدٌ إنسانيٌّ ترافق مع الدمار المحيط بالمكان، يفرض القول بأن “سلطة الحرب تسكت الحوار”… أما النازحون فلسانهم ينطق بأنهم على طريق الموت.

الأيام؛ فرات الشامي

يواجهون البرد عرايا إلّا من بعض الثياب الرثة المتشحة بالغبار؛ غبار الحرب… غطاؤهم بالٍ مقدّمٌ من الأمم المتحدة بحسب ما كتب عليه، على جنبات الطريق يلعب صغارهم وكأن شيئاً لم يحدث… إنّه النسيان أو ربما الطفولة.

ما بين تشرين الثاني/نوفمبر 2017، حتى مطلع كانون الثاني/يناير 2018، شهدت مناطق الريف الشرقي من حماة؛ الذي تسيطر عليه المعارضة السورية تصعيداً عسكرياً من قبل قوات الأسد.

الحملة العسكرية التي يديرها النظام السوري للسيطرة على محافظة إدلب في الشمال السوري، والمقاومة من طرف فصائل المعارضة أرخت بستارها على المشهد الإنساني في المنطقة أيضاً؛ منذ بداية يناير/كانون الثاني 2018. وما تبعه من موجات نزوحٍ أو تخييمٍ في الطرقات، أمام عجزٍ واضح من المعارضة في احتواء الأزمة الإنسانيّة.

ولا تكاد تسمع من المسؤولين _في المعارضة-حديثاً يشير إلى دورهم في علاج الحالة المتفاقمة، بالمقابل نقرأ تعدداً يومياً لعدّاد السرعة الذي يشير إلى ازدياد حالات النزوح.

على مقربةٍ من الطريق المؤدي إلى مدخل المدينة بدا مشهد الصلاة مختلفاً؛ فالأصوات تعلو في العراء… مناجاةٌ لله أن يحفظ الوطن ويحقن الدماء، وأكفٌّ ضارعة إلى السماء تتوسل الرحمة؛ لكنّ أصوات القصف المتزامن مع الدعاء للبلاد والعباد تجبر المصلين على التعجيل في صلاتهم، والتفرق بعيداً متناثرين.

شتاتٌ وهجرةٌ ولا يوجد مأوىً يضمّ إليه تلك الأجساد التي أُنهكت؛ وجلست تفترش الرمل بعينٍ تسبح في الفضاء لا تلوي على شيء.

إنها الحرب؛ كما يقول “أبو وليد”، شابٌ في الثلاثين من العمر، قرر أن يترك السلاح بعد أن بات وحيداً يعيل أمه العجوز ذات السبعين عاماً، والتي أصيبت بشللٍ نصفي، إثر جلطةٍ دماغية، بعد استقبال نبأ مقتل زوجها وأبنائها الثلاثة تحت ركام المنزل في العام الماضي.

يسير “أبو وليد” لعلّه يجد قريباً أو معيناً؛ فالمشهد كارثي، ولا أمل إلا بقبول نظراتٍ من الشفقة يرسلها المارة في الطريق؛ مزعجة بعض الشيء كما يقول.

تشير بعض التقارير أنّ عدد النازحين الموثقين حتى تاريخ 7 كانون الثاني/يناير 2018 بلغ، 117876 نازح، توزعوا في 198 نقطة نزوح، 10% فقط من النازحين تمكّنوا من الوصول إلى المخيمات الشمالية وتوزعوا في مخيمات: ((أطمه، الكرامة، قاح، والرحمة في ناحية الدانا، بالإضافة لمخيم ناحية سلقين وقد بلغ عددهم 11,868 نازح، حيث بلغ عدد العائلات 1,978 عائلة)). بحسب ما نشرت وحدات تنسيق الدعم ACU.

على الطرف الآخر من مدخل المدينة فتاةٌ تحمل عصاً خشبية، تلوّح بها للغنم الذي يسير أمامها؛ يسدّ الشارع العام ويمنع حركة المرور بعض الوقت، لا تلبث أن تتوقف ثم تتحرك تباعاً، وتصرخ بغنمها بعد سماع عبارات التوبيخ من ذاك العجوز الذي سار خلفهم.

((هاد أبي… عصبي ومزاجو هيك… كان يمزح معي على طول… شو نعمل هيك الحرب بتخريب كل شي… خسرنا كلّ شي… حتى الدواب تهجّرت معنا… ياريتنا فهمانين شي… الكل عم يضرب بعضو…!!)). عباراتٌ بالكاد باحت بها راعية الغنم؛ التي ترددت في الكلام، مضت مسرعةً، ما لبثت أن عادت ألقت حروفها، لنسمع سويةً شتائم والدها، الذي لم يستثنِ أحداً… النظام السوري والمعارضة!

بحسب التقرير الذي أعدّته وحدات تنسيق الدعم ACU فإن تأثيرات الحرب لن تطال الإنسان فقط، بل للماشية نصيبٌ وافرٌ من الأزمة؛ فترك الأعلاف، وفقدان المراعي، والمضادات الحيوية والفيتامينات نتيجة احتمال تعرّض الماشية لحمى السفر والأمراض التنفسية، إضافةً للطقس البارد قد يلعب ذلك مجتمعاً دوراً هو الآخر في نفوق المواشي و”الماعز” بشكلٍ رئيسي.

سياراتٌ محمّلةٌ بالأمتعة… ما خفّ وزنه وزاد ثمنه… أمّا الأوزان الخفيفة فهي بعض الوسائد الصوفية… الأغطية التي تقي برد الشتاء… قليلٌ من الحقائب المغلقة… فيما يبدو أنّ ما زاد ثمنه اقتصر على الصغار والعجائز الذين فُرِض عليهم الخروج مكرهين كما يروي “أبو مؤنس”، صاحب إحدى الشاحنات التي أقلّت بعض النازحين.

دخلوا المدينة… العيون تتلفت يمنةً ويسرة… المكان يضجّ بالأصوات… يكسره صافرةُ شرطيّ المرور الذي كتب على كتفه “القوة التنفيذية”… أبو مؤنس يسخر من العبارة ببعض العبارات ويتابع طريقه، رافضاً الحديث عن ظروف نزوحه.

إنها “سلطة الحرب تسكت الحوار”… أما النازحون فالإرهاق على وجوههم يؤكد بأنهم على طريق الموت.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر وحدت تنسيق الدعم ACU
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend