لك الله يا أمي

أراك في كل العيون، أحنُّ لدفء قلبك وحنان صدرك في غربة تطول، فقد كثرت الأحزان وازدادت وطأة الآلام في غياب سيدة السعادة “أمي العظيمة”.

خاص بالأيام؛ فاطمة محمد

تركتُ بيتنا الصغير في بستان القصر، بعدما حزمت حقائبي لأسافر إلى مكانٍ آمنٍ علّي أستطيع إكمالَ تعليمي الجامعي، فأنا طالب في كلية الهندسة المدنية، ووحيد والديّ.

غادرت وطني سورية في بداية الثورة سنة 2011 وفق ظروفٍ قاسية، كان رحيلي عن الوطن تلبيةً لرغبة الأهل في أن أحظى بالشهادة الجامعية العليا، وتحقيقاً لحلمٍ سعيت وراءه منذ طفولتي.

استقر المقام بي في تونس، وكنتُ أطمئنُ على أهلي مساء كلّ يوم، وتابعت دراستي بتفوّق، ثمَّ وقعت في حبّ صديقتي الجامعية، فشجعني أبي على الزواج منها قائلاً:” بني أريد أن أفرح بك قبل أن توافيني المنية”، كان حريصاً على إرسال راتبٍ شهريّ لي، ثمَّ أرسل كلّ تكاليف زواجي. فتمّ الزفاف وأنا بعيد عن أهلي.

اضطررت للعمل في العطلة الصيفية لتأمين المصروف الجامعي لي ولزوجتي، وفجأة لم أعد أسمع صوت أبي الذي غادر الحياة إثر نوبة قلبية مفاجئة.

أصابني الوهن وعشعش الحزن في أحشائي، كيف لا وأنا لم أكن قريباً من والدي في سنوات عمره الأخيرة، لم يرَ أولادي، ولم أستطع تقديم العون لمن رباني صغيراً وحمل همي كبيراً، لقد رحل الصديق والمعين دون وداع، لتبقى أمي وحيدة دون رجل يؤنس وحشتها ويؤمّن متطلباتها.

يستمرّ خالد في سرده رغم الغصّة التي تكاد تودي بأنفاسه الشجية: حاولت إحضار والدتي، لأكون قريباً منها حتى أرعى كبر سنها، لكن دون جدوى، ورغم هذا كانت تقول لي :” لا عليك يا فلذة كبدي، أنا بصحة جيدة لتهنأ بالسعادة والاستقرار مع زوجتك، وربنا كريم سيجمعنا يوماً ما، 0فقط كن حريصاً على نيل الشهادة”.

أمّا الأمر الذي أثار دهشتي، فهو استمرار والدتي في إرسال الراتب الشهري مع زيادة ملحوظة، وكلما حاولت سؤالها تتهرّب من الإجابة قائلةً: كلّه يهون عند تخرجك وعملك يا ولدي.

لأعلم بعد تخرجي أنّ هذه الأم العظيمة كانت تعمل في مصنع لحياكة الملابس طوال فترة دراستي، إلى أن تخرجت وتعيّنت في إحدى شركات البناء وبأجرٍ عالٍ.

أرسلت راتبي الأول لوالدتي وأنا مفعم بسعادة لا توصف وقلت لها: أمي يا جمال الكون لقد تفوقت بفضل دعواتك المباركة، وهمّي الأوّل هو إحضارك إلى هنا لأنعم برؤية وجهك الطاهر مهما كانت التكلفة كبيرة.

لكن فوجئت بمداهمة المرض لصدر أمي وبلا مقدمات …أليس غريباً أن ينال المرض منها في الوقت الذي يجب أن تقف فيه فوق قمّة العالم…

نعم إنّ هذه الأم العظيمة لم تعد تستطيع الوقوف على قدميها، لأعلم من جارتنا أنّها مصابة بورم في رئتها الطاهرة، وهي بحاجة إلى عناية خاصة وغذاء خاص.

يا الله كيف لي أن أؤمن لها ذلك وأنا بعيد عنها، وكيف أتمكّن من وفي الدين الذي يطوّق عنقي؟ وأي كرم يعادل عطاءها؟.

عزمت أمر السفر لجوار قلبها ولو كلفني ذلك حياتي، حجزت بأقرب رحلة إلى وطني علي ألقاها وهي على قيد الحياة،  فأقبل يديها الطاهرتين وأمسح عن جبينها عفن السنين، وأشعل أصابعي في ليلها الحزين.

أتلقى صباحاً قبل سفري نبأ وفاة والدتي، لترحل دون أن تراني، رحلت خوف اعتقالي، رحلت حبّاً عظيماً وموطناً دافئاً.

هي تغريبة سورية، وسلسلة لا متناهية من أوجاع يئن لها وجدان القلوب الصادقة؛ التي تبحث عن الحياة في زمن الموت الزؤام من حروب علت أصوات كثيرة تنادي بوقف خرابها، فهل من مجيب؟…

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend