تكريم محمد ملص في فرنسا…ذاكرة أمكنة وحاضر أفراد

اختارت إدارة “المهرجان الدولي لسينمات آسيا في فيزول”، السينمائي السوري محمد ملص (مواليد القنيطرة، 1945)، لتكريمه في الدورة الـ 24، التي تُقام في “فيزول” (شرق فرنسا)، بين 30 يناير/ كانون الثاني و6 فبراير/ شباط 2018. والمهرجان، المذكور في لائحة أول 10 نشاطات سينمائية في فرنسا، يهتمّ بالنتاج السينمائيّ المصنوع في بلدان آسيوية، “بين الشرق الأدنى والشرق الأقصى”، بحسب الوصف الرسمي للخارطة الجغرافية الخاصة به. كما أنه، منذ تأسيسه عام 1995، تمكّن من جذب مشاهدين عديدين، بلغ عددهم ـ في الدورات القليلة الفائتة ـ نحو 30 ألفاً، بينما تمكّنت إدارته من الحصول على نحو 90 فيلماً، سنوياً.

واختيار محمد ملص لتكريمه نابعٌ، كما جاء في بيان صادر عن إدارة المهرجان، من كونه “رأس حربة المخرجين المؤلّفين في السينما السورية، منذ مطلع سبعينيات القرن الـ 20”. وهو، بهذا، ينتمي إلى أولئك الذين تابعوا دراسات سينمائية خارج بلدهم، والذين تبلور وعيهم المعرفي والثقافي والفني على هامش الحركة التقليدية للنظام الإنتاجي السوري، المسيطر عليها من قِبَل الرقابة السورية، المتنوّعة الأشكال، والذين أنجزوا أفلاماً مستندة إلى نصوص، شخصية بمعظمها، تختصّ بأفرادٍ وجدوا أنفسهم داخل الاضطرابات الحاصلة في المسار التاريخي لبلدهم.

والتكريم، الذي يُقام في افتتاح الدورة الـ 24، يشتمل على منح السينمائيّ السوري محمد ملص جائزة “سيكلو” الشرفية الذهبية، عن مجمل أعماله، التي يُعرض منها 11 فيلماً: “القنيطرة 74″ (1974)، و”الذاكرة” (1977)، و”أحلام المدينة” (1983)، و”المنام” (1987)، و”الليل” (1992)، و”الظلّ والضوء” (1994)، و”فاتح المدرِّس” (1996)، و”حلب… مقامات المسرّة” (1998) وهو عن الشيخ صبري مدلّل، و”تحت الرمل… فوق الشمس” (1998)، و”باب المقام” (2005)، و”سلَّم إلى دمشق” (2013).

يقول محمد ملص: “شاهدتُ أمكنة وأشياء اختفت مادياً، لكنها مستمرة في الوجود في ذاكرتي ومخيّلتي، ولديّ رغبة عارمة في مشاركتها مع الآخرين جميعهم. هذه مهمتي، وهذا ندائي، بل هذا واجبي كمخرج: أن أشارك الجميع ما شاهدته واختبرته”. بهذا، يُمكن تبيان مضامين أفلامه، الروائية والوثائقية، المتأتية، أساساً، من عيشه أحوالاً عديدة في الاجتماع والسياسة والثقافة والمسالك والعلاقات البشرية والإنسانية، والمنبثقة من ذاكرته الذاتية، خصوصاً فيما يتعلّق بمدينته، القنيطرة، قبل احتلالها وبعده، وبعلاقته بوالده المناضل من أجل فلسطين.

لكن محمد ملص، في أفلامه كلّها ـ وصولاً إلى آخر روائيّ طويل له بعنوان “سلّم إلى دمشق” ـ ابتعد عن المفهوم اليومي للسياسة، كي يروي فصولاً من الحياة اليومية لأناس يعيشون حالاتٍ وتبدّلات، ويشاركون ـ أحياناً ـ في صناعة تلك الحالات والتبدّلات. فرغم أن “سلّم إلى دمشق” مُنجز في ظلّ الأعوام الأولى لـ”الثورة السورية”، إلاّ أنه يغوص في أحوال العلاقات الإنسانية بين سوريين، يجدون أنفسهم معزولين داخل منزل دمشقيّ، يكشف انفعالاتهم وأهواءهم وأمزجتهم وقصصهم، وخباياهم أيضاً.

كما أن انجذابه إلى فنون أخرى دافعٌ له إلى إنجاز أفلامٍ تتناول حكايات أناس فاعلين في المشهد الفني السوري والعربي، كالرسّام فاتح المدرّس، والمطرب صبري مدلّل، اللذين شارك ملص صديقيه السينمائيين السوريين عمر أميرالاي وأسامة محمد في تحقيق فيلمين وثائقيين عنهما، قبل أن يعود إلى حلب (مدلّل) لإنجاز فيلم روائيّ (باب المقام) يغوص في معالم المدينة عبر الموسيقى والغناء أيضاً، ويتوغّل في روحها ومسام جسدها، عبر حكاية امرأة تعشق الطرب، وتواجه صعوبات جمّة وتحدّيات كثيرة، في مدينة “غارقة” في أنماط الغناء والموسيقى منذ زمن بعيد.

بهذا كلّه، يُمكن اعتبار تكريم “المهرجان الدولي لسينمات آسيا في فيزول” تكريماً لسينمائيّ مرتبط ببلده وبتاريخ بلده وحاضره، وبأحوال ناسه ومساراتهم ومصائرهم.

محمد ملص – فيسبوك
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل