سعد الحريري هل أنتجت ‘الصدمة’ زعيماً حقاً ؟

حكومة الحريري الأولى كانت دون تشكيلها الكثير من المصاعب، أقلها تشبّث فريق ‘حزب الله’ وشركائه بمطلب ‘الثلث الضامن’ وهي التجربة غير المسبوقة في تاريخ لبنان السياسي.

بقلم: صلاح تقي الدين

حين تسري في عروقك دماء عراقية وفي عروق أبنائك دماء سورية، سيصعب عليك أن تكون “لبنانيا بلا موقف” إزاء ما يحدث في البلدين المضرجين بالدماء بسبب الاجتياح الإيراني، فما بالك إن كنت فوق هذا كله سعوديّ الولادة والنشأة والهوى؟

تلك هي حال سعد الحريري، ذلك الشاب ذو اللحية الصغيرة الذي تقدم لوراثة والده سياسيا بعد اغتيال الأخير بأيام قليلة.

بدا سعد حينها مرتبكا خجولا غير واثق ممن حوله، كان خائفا من مصير يشبه مصير رفيق الحريري، الذي لم يلاق الوفاء من بعض مواطنيه بعد كل ما قدمه للبنان، سواء في اتفاق الطائف أو إعادة الإعمار أو في نهج المحافظة على العلاقات الودية الوسطية مع جميع الطوائف اللبنانية.

كان الابن قلقاً ممن حوله، وظهر قلقا كذلك يوم قدم استقالته من الرياض، قبل أقل من شهرين من الآن. لكن العام 2005 يوم وقع الاغتيال، ليس العام 2017 عام حديث الابن عن خطر يتهدد حياته دفعه إلى مغادرة لبنان وإعلان استقالته من رئاسة الحكومة من الرياض. تغيرت أمور كثيرة، وجرت مياه كثيرة تحت الجسر، غابت قوى وتعززت أخرى، وبدلا من أن يدفع الربيع العربي بالشعوب إلى المقدمة، إذا به يزيد من هيمنة إيران على أربع عواصم عربية من بينها بيروت.

خطوته “الاستقالية” الأخيرة قال إنه أراد من خلالها إحداث “صدمة إيجابية” ليلفت انتباه الفرقاء السياسيين اللبنانيين إلى خطورة تدخل “حزب الله” في شؤون الدول العربية الشقيقة، بدءا من انخراطه في سوريا والقتال إلى جانب نظام الأسد، وصولا إلى تواجده في اليمن إلى جانب المتمردين الحوثيين.

انتخب الحريري نائبا في العام نفسه “على دم والده”، كما يقول اللبنانيون. ودخل إلى البرلمان على رأس كتلة نيابية هي الأكبر في تاريخ المجالس النيابية اللبنانية، بعد أن شكّل تحالفا سمّي رباعيا في ذلك الحين ضم إلى قوى 14 آذار “الحزب التقدمي الاشتراكي” و”حركة أمل” و”حزب الله”، مستثنيا من تحالفاته “التيار الوطني الحر” بزعامة العماد عون الذي كان قد عاد لتوه من المنفى الباريسي، حاملا لقب “تسونامي” الذي أطلقه عليه جنبلاط. كذلك استثني تيارُ “المردة” بزعامة الوزير سليمان فرنجية، الصديق الأقرب لسوريا والرئيس بشار الأسد وباقي الفرقاء السياسيين المحسوبين على دمشق.

سعد الحريري والملك سلمان بن عبد العزيز – جريدة النهار

ماروني للسنة وآخر للشيعة:

تلك اللحظة يبدأ بها التاريخ السياسي للحريري الابن. كان طري العود غير مختبر ولا مجرّب، لكنه حمل إرثا تركه له والده من العلاقات الداخلية والإقليمية والدولية، وفي مجلس النواب كان سعد أحد المساهمين الرئيسيين في إصدار قانون العفو عن جعجع قائد القوات اللبنانية، في أولى المهام التشريعية التي قام بها المجلس الجديد. وسرعان ما اكتشف فيه شريكا في الرؤية والاستراتيجية القائمة على إنهاء النفوذ السوري في لبنان واستعادة الدولة لقرارها وسيادتها ومؤسساتها.

حزب الله الذي كان شريكا للحريري في التحالف الانتخابي، وجد في “التيار الوطني الحر” ورئيسه العماد عون الشريك المسيحي المناسب الذي يعطيه الغطاء الداخلي المطلوب لسلاحه وقرار الحرب والسلم الذي لا يريد التنازل عنه لصالح الدولة، ووقع معه تفاهما في كنيسة مارمخايل في الشياح، المعلم الشهير الذي يعيد إلى الذاكرة مآسي الحرب الأهلية اللبنانية، أثبت جدواه للفريقين في حرب تموز 2006 التي فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها منها، ولكنها في الوقت نفسه زادت من سطوة “حزب الله” على الداخل بوجه تحالف 14 آذار.
غير أن التجربة الأكثر مرارة التي عاشها في تلك الفترة كانت مشاهدته رفاق دربه وهم يسقطون قتلى الواحد وراء الآخر، من خلال العديد من الاغتيالات التي أثارت ذعر اللبنانيين، وصولا إلى التجربة القاسية التي قرر حزب الله خوضها في بيروت والجبل في مايو 2008 بعد أن كان لبنان غارقا في الفراغ الرئاسي عقب انتهاء ولاية الرئيس أميل لحود دون تمكن المجلس النيابي من الانعقاد لانتخاب خلف له.

أما التسوية التي تم إنتاجها في العاصمة القطرية الدوحة وانتخاب الرئيس العماد ميشال سليمان رئيسا، فقد وقعت بعدها المفاجأة غير المتوقعة في صيف العام 2009 عندما أعلن الحليف الاستراتيجي و”الأخ غير الشقيق” للحريري، جنبلاط انسحابه من فريق 14 آذار وانتهاجه خطا سياسيا وسطيا.

الحكومة الحريرية:

كان تشكيل الحكومة الحريرية الأولى دونه الكثير من المصاعب، أقلها تشبّث فريق “حزب الله” وشركائه بمطلب “الثلث الضامن” وهي التجربة الحكومية الفريدة من نوعها وغير المسبوقة في تاريخ لبنان السياسي، التي أثبتت جدواها بالنسبة للفريق المعارض للحريري والذي تمكّن من الاطاحة به أثناء لقائه بالرئيس الأميركي باراك أوباما في يناير 2011، فقدّم 11 وزيرا استقالتهم من حكومته، كانوا يشكلون وزراء الثنائية الشيعية ووزراء التيار الوطني الحر والوزير الملك آنذاك الذي لم يكن محسوبا على فريق سياسي بعينه.

لكن فترة رئاسة الحريري للحكومة لم تكن شعبية بالنسبة له، فقد اضطر تحت ضغط الوساطة التي كانت تقوم بها السعودية مع النظام السوري لوقف تدخله في الشؤون الداخلية اللبنانية، إلى زيارة دمشق والاجتماع ببشار الأسد وأن يبيت ليلته في قصره الذي كان قد أهداه والده رفيق لحافظ الأسد.

غير أن الأزمة التي عاشها الحريري عقب الإطاحة بحكومته لم تتوقف عند هذا الحد، فقد اضطر لأسباب أمنية، إلى أن يبقى بعيدا عن لبنان لفترة استمرت أكثر من ثلاث سنوات، تباهى خلالها المسؤولون عن الإطاحة به بأنهم قطعوا له “وان واي تيكيت” أي تذكرة سفر ذهابا دون عودة.

اندلعت خلال تلك الفترة الثورة السورية ضد نظام الأسد، فأعلن الحريري وقوفه إلى جانبها، وكذلك فعل جنبلاط وجعجع، ليعود الحريري مجددا إلى لبنان في العام 2014 وكانت البلاد تستعد حينها لإجراء انتخابات رئاسية عقب انتهاء ولاية الرئيس سليمان.

أعلن الزعيم السني الشاب وفريقه السياسي ترشيح جعجع إلى الرئاسة في حين تمسّك فريق “حزب الله” بترشيح العماد عون للرئاسة. فاستمرت الأزمة الرئاسية أكثر من سنتين، لم يتراجع خلالها أي من الفريقين عن مرشحه. لكن استفحال الأمور كاد يقضي على آخر مظاهر الدولة، ناهيك عن الأضرار الفادحة التي أصابت الاقتصاد اللبناني المترنح، فكانت أولى مفاجآت الحريري تخليه عن ترشيح جعجع وإطلاق مبادرته بترشيح فرنجية للرئاسة، حينها لاقاه جنبلاط في هذا الترشيح، انطلاقا من أن الهدف الأول هو إنهاء الفراغ الرئاسي وإنقاذ لبنان من أتون النيران المشتعلة من حوله والتي كان “حزب الله” قد انخرط فيها فعليا.

بشار الأسد وسعد الحريري – عيون الحدث

بين جعجع وجنبلاط والآخرين:

لكن حليفه جعجع أعلن توصله مع العماد عون إلى “تفاهم معراب” لإنهاء حالة العداء التي كانت قائمة بين الموارنة، وعزز ذلك بترشيحه لعون الذي كان الحريري قد فتح معه قنوات التواصل في هذه الأثناء، فعقد معه لقاء في إحدى العواصم الأوروبية، تلته اجتماعات أخرى عقدت بين مقربين منهما، أعلن نتيجتها الحريري تراجعه عن ترشيح فرنجية، وقبوله انتخاب عون للرئاسة، فكان ذلك في أكتوبر 2016، حيث وصل عون إلى قصر بعبدا ليتم إعلان ترشيح الحريري لتشكيل الحكومة الأولى في عهده.

أثبت الحريري، باعتداله، أنه رقم صعب في المعادلة السياسية في لبنان. وقد بدا ذلك جليا بوضوح عقب إعلانه الاستقالة. فقد اندفع معارضوه السياسيون قبل حلفائه للمطالبة بعودته إلى لبنان.

وبرز الرئيس عون كأحد أشد المدافعين عن رئيس حكومته، علما أن التاريخ لا يرحم وذاكرة الناس قصيرة، فتذكر مواقف عون المتشددة ضد الحريري ووالده وكتاب “الإبراء المستحيل”، الذي أصدره تكتل التغيير والإصلاح، بزعامة عون، والذي يشير إلى استحالة إبراء ذمة أي حكومة في مرحلة ما بعد الطائف عن الإنفاق الذي قامت به والإيرادات التي حصلّتها، ما يعني أن هذه الحكومات أنفقت 250 ألف مليار ليرة بلا مستندات كافية لإبراء ذمتها.

وكذلك فعل الأمين العام لـحزب الله السيد حسن نصرالله الذي بعد أن كانت خطاباته تتميز بحدتها وتشددها ضد الحريري ومن يمثّله، بدا وكأنه قد تحسّس خطورة استقالة الأخير وانعكاساتها على الساحة الداخلية والتوتر “السني-الشيعي”، فكان من أكثر المطالبين بعودته.

سعد الحريري وميشيل عون – الخليج الجديد

ليست الصدمة الأولى:

عاد الحريري إلى لبنان عشية الاحتفالات بذكرى الاستقلال في 22 نوفمبر الماضي وأعلن عقب اجتماعه بالرئيسين عون وبري تريثه في الاستقالة، ثم أعلن تراجعه عنها في الرابع من ديسمبر الجاري بعد التوصل إلى تفاهم حول بيان حكومي يشدد على نأي لبنان بنفسه عن أزمات المنطقة.

قال إنه أراد إحداث “صدمة” تضع جميع الفرقاء السياسيين أمام مسؤولياتهم حيال خطورة المسار الذي كان لبنان ينتهجه. لكن الواقع والتاريخ يبيّنان أن هذه الصدمة لم تكن الأولى في مساره السياسي، لكنها حتما أسست لزعامته الشخصية والتي تجلّت بالاستقبالات الشعبية الكبيرة التي رافقت عودته إلى منزله في وسط بيروت، وكذلك بالالتفاف السياسي الواسع الذي تشكّل حوله في الحكومة وخارجها.

لكن جميع الخطوات التي اتخذها حزب الله والتيار الوطني الحر ممثلا بوزير الخارجية جبران باسيل تشير حتى الآن، إلى نية في التصعيد وليس استشعار “الصدمة” كما خطر في بال الحريري. ولعل ظهور قيس الخزعلي زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق الشيعية العراقية “حزب الله العراقي” المدعوم من قبل إيران والذي يقاتل في سوريا، في جولة بالفيديو قرب الحدود اللبنانية الإسرائيلية، خير دليل على أن الفريق الآخر لا ينوي تطبيق سياسة النأي بالنفس، بقدر ما يصر على تنفيس موقف الحريري وإفراغه من محتواه.

لكن الحريري الذي بكى في لقائه مع الإعلامية بولا يعقوبيان التي طارت لإجراء حوار معه في الرياض، كان رجلا مختلفا عن الحريري الذي عرفناه خلال تلك السنوات الماضية. كان تعبيره تعبير من يشعر بأن الجميع قد تخلوا عنه، وأنه أصبح وحيدا في المواجهة. ولعل هذا ما سيصنع منه زعيما وليس ردود فعل الخصوم، ولا “البحصة” التي تردّد في البوح بها عمّن طعنه في ظهره من الحلفاء.

مصدر العرب
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل