هيئة تحرير الشام: توظيف الخطاب الديني في ضرب المناوئين

شهوة الإمارة تتجلى بوضوح، ويمكن من أجلها توظيف الإمكانات بما فيها “الخطاب الديني”، فهل حملة الاعتقالات التي طالت بعض رموز القاعدة في إدلب يؤيد ذلك؟ وما هي انعكاساته المستقبلية؟

توظيف الخطاب الديني ساهم في صياغة مرحلة وضعت الثورة السورية على مفترق طريق صعب، بالمقابل استطاع منظرو التيار الجهادي وأمام مظلومية الشباب الثائر كسب جزء كبير منهم، ليرتدي الحراك الثوري تلك العباءة.

المسميات المختلفة لتياراتٍ فكرية إسلامية كان بداية “خصومة” بينهم، بدأت تتكشف في مراحل لاحقة، لعل الدور الأساسي في تعميق الخلاف كان على أيدي الجهات الداعمة مالياً، وفق أجندة مدروسة تخدم مصالح إقليمية، يحتمل توظيفها في وقتٍ لاحق بهدف الحصول على حصة من الكعكة السورية.

الشمال السوري كان دائماً محط أنظار العالم، باعتباره نقطة تجمع التيارات الجهادية في سورية؛ وإن اختلف فكر “حركة أحرار الشام الإسلامية” عن “جبهة النصرة” فهو خلاف سياسي مبدأه “خشية التصنيف” الدولي، وترك مساحة للعمل، وهو ما ساعد ضمنياً على تمدد “الجبهة” من خلف الكواليس، فالأيادي كانت متشابكة عملياً.

التطورات الأخيرة في الساحة السورية، وما بعد مقتل قيادة “أحرار الشام” في 10أيلول/سبتمبر 2014، اختلفت جذرياً، وبدا واضحاً وجود خلاف عميق وانقسام بين التيار الجهادي على شكل المرحلة وقيادتها.

“عقدة قيادة المرحلة”…. شكلت حالة جديدة من استقطاب الشباب والزج به في معارك وظِّفَ فيها “الخطاب الديني الجهادي” مجدداً، فكانت الأشهر الأخيرة من العام 2016 الماضي تذليلاً لطريق ممارسة دور “القطب الواحد”، وإقصاء شركاء الأمس، وتم عملياً تحييد الخصوم الضعيفة التي حملت مسمى “جيش حر”، ليتم التفرغ إلى غيرهم من الفصائل الموجودة على الساحة.

الصراع لم يتوقف، بل بدا التصعيد الإعلامي أكثر وضوحاً بين “أحرار الشام” و”هيئة تحرير الشام” التي نشأت بهدف قيادة المرحلة ميدانياً وسياسياً وفق منظورها وأجندتها، على حساب الجميع، تحت شعار “توحيد القرار الجهادي”، وحصلت على ما تريد من تحجيم “الأحرار”، وتقزيم غيرها. أما المبرر الشرعي فقد كان دائماً “سياسة التغلب”، التي قدمتها “الهيئة” للزج بمقاتليها بتلك المعارك، ومحاربة ما أطلقت عليه “درع الردة” في إشارةٍ إلى “درع الفرات”.

الشمال السوري كان دائماً محط أنظار العالم، باعتباره نقطة تجمع التيارات الجهادية في سورية؛ وإن اختلف فكر “حركة أحرار الشام الإسلامية” عن “جبهة النصرة” فهو خلاف سياسي مبدأه “خشية التصنيف” الدولي، وترك مساحة للعمل، وهو ما ساعد ضمنياً على تمدد “الجبهة” من خلف الكواليس، فالأيادي كانت متشابكة عملياً.

 

لا يمكن على الرغم من تلك الصورة القول بصحة “اقتتال إخوة المنهج”، بل إن محصلة ما حدث هو “قتال مشاريع” ذات ارتباطات دولية وإقليمية. نجحت فيها “هيئة تحرير الشام” وبخطوات سريعة في مباغتة الجميع، واللعب على وتر الغزل السياسي الناعم مع “أنقرة”، لتكون بذلك القوة الوحيدة القادرة على إدارة المنطقة والتفاوض المستقبلي مع الجوار والمجتمع الدولي.

تمكنت إجرائياً “الهيئة” من وقف “طيران التحالف” ضد قياداتها، بتلك الحركة الالتفافية، ونجحت في خلط الأوراق الدولية، وإن لم تمنع تصنيفها “إرهابياً”، لكنها استطاعت تقديم نفسها كـ”قوة” على الأرض السورية.

لم تخفِ “الهيئة” العداء للجانب “التركي”، بل كثيراً ما نعتته بـ”حكومة الردة والكفر”، في محاولة لاسترضاء بقايا الفكر القاعدي بداخلها، والذي يعتبر نواة تشكيلها، وجوهر وجودها، ما يلفت النظر إلى تلك السياسة المتناقضة.

مؤخراً وقبل أيام وتحديداً الإثنين 27 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري؛ عمدت “هيئة تحرير الشام” إلى توجيه حملة اعتقالات بحق “شرعيين” من بينهم “د. سامي العريدي” الشرعي العام السابق لجبهة النصرة، وشخصيات أخرى قيادية بارزة في “الجبهة”، بعد مرحلة من التصعيد الإعلامي، الذي نتج عن رفض هؤلاء مشروع فك ارتباط جبهة النصرة بالقاعدة في تموز/يوليو 2016.

حركة من الانشقاقات تبعت تلك الخطوات “الوقائية” التي اتخذتها “قيادة الهيئة” احتجاجاً ليس فقط على الاعتقالات التي طالت رموز “القاعدة”، وإنما تجلت أيضاً بحديث “الدخول التركي” إلى الأرض السورية/إدلب، وهو الذي كان يعتبر حراماً على بقية الفصائل التي اتهمت بالتعامل مع “أنقرة” وكادت توصف بالردة، ما يشير ويؤكد على وجود انقسام داخلي يعانيه هذا الكيان.

يمكن القول إذاً بأنّ ما كان مرفوضاً من الفصائل الأخرى، بات اليوم حقيقة متجسدة على الأرض، يؤكده دخول قوات عسكرية تركية، ما يعني اتفاق-لم تعرف تفاصيله-مسبق بين أنقرة وقيادة الهيئة، المتغلبة على خصومها.

عملياً ومن خلال قراءة ما سبق، ومع بوادر انقسام أكبر في الشمال السوري وتحديداً داخل “هيئة تحرير الشام”، فإن معظم المعطيات تنحى إلى التأكيد على طموحات سلطوية، ومحاولة “أبو محمد الجولاني” التفرد بـ”الإمارة الورقية” والقرار بالمنطقة. ومعها أيضاً يلاحظ فشل كبير هذه المرة في “توظيف الخطاب الديني” لتدعيم موقفه وولايته، لاسيما بعد خروج خطاب “أيمن الظواهري” زعيم تنظيم القاعدة الأخير؛ الذي يعتبر سحباً للبساط من تحت “الجولاني”، وبالتالي يمكن التكهن بمرحلة جديدة قريبة في الشمال السوري.

نجح “الجولاني” في توظيف الخطاب الجهادي لحفر قبور معارضيه، لكن السؤال هل يسعه الإجهاز على بقايا تنظيم القاعدة في سورية، أم أنّ تطورات قادمة سوف تعيد خلط الأوراق في المنطقة؟!

معظم ما يحصل إنذار مستقبلي لا تحمد عواقبها، والصراع القادم قائم على أفكار ونهج “جهادي”، كما أنّ دخول “الظواهري” الذي رفض بكلمته الصوتية “فك الارتباط” يبعث برسائل كبيرة، وخطاب ذا بعد خارجي له أيضاً مدلولاته المستقبلية على المنطقة.

ثمة ما يشير أن “الجولاني” يحاول البروز كقيادي وحيد، والطريقة الأمثل لتلميع وجهه ادعاء محاربة “الفكر القاعدي” أمام المجتمع الدولي، وإن بدا حقيقة أنه عزم على إنهاء هذا الملف إرضاءً لطموحاته؛ لكن مؤشرات نجاحه ضعيفة، وكما يقال: «يلي بجرب المجرب عقلو مخرب».

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

مصدر المدن: إدلب:"تحرير الشام" تفاوض على دخول تركيا..بلا "درع الفرات" المدن: إدلب: "تحرير الشام" تعتقل قادة "القاعدة" الأردنيين العربية نت: الظواهري متوعداً "النصرة": لم أعفِ أحداً من البيعة
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend