حين شرعت الجدران بالكلام.. (8)

"غياث مطر جرح الحراك السلمي"

0
تأليف الكاتبة: ريما فليحان

ليس سهلاً أن أنسى ذلك الشاب الذي كان يوزّع الورود والماء على الجيش في بلدته السلمية داريا.

لقد ارتعد النظام من تلك الظاهرة التي كان من الممكن أن تسبب عشرات الانشقاقات داخل الجيش. إذ كيف سيقنع عناصر الجيش والأمن بإطلاق النار على من يستقبل بنادقهم بالورود ويوزّع على العطشى منهم زجاجات الماء، وهو من ضمن المتظاهرين الذين طالما حاول النظام إقناع عناصره بأنّهم مجموعة من المندسين والخونة..

غياث مطر كان من المعنيين بتنظيم المظاهرات المطالبة بالحرية في مدينة داريا.

اعتقل غياث في 6 سبتمبر 2011 خلال كمين نصبته قوات الأمن السورية حيث قامت قوات الأمن باعتقال معن شربجي شقيق الناشط السياسي يحيى شربجي. ثم أجبرت معن على الاتصال بأخيه يحيى على أنه مصاب فتوجّه يحيى برفقة غياث مطر إلى المكان ليجدوا قوات الأمن بانتظارهما ليقوموا باعتقالهما ” لم يخرج يحيى حتى الآن من المعتقل..”

في يوم السبت 10 سبتمبر تمّ تسليم جثمان غياث لذويه إثر وفاته جراء التعذيب الذي تعرض له أثناء الاعتقال. وتمّ تشييع جثمانه في نفس اليوم. وقتل فتى في السابعة عشر من عمره خلال تشييع جثمان غياث في داريا. أقيم لغياث عزاء حضره سفراء كلّ من الولايات المتحدة وفرنسا واليابان والمانيا والدنمارك،  وبعد مغادرتهم قامت قوات الأمن باقتحام مجلس العزاء حيث أطلقت العيارات النارية والقنابل المسيلة للدموع لفضّ المجلس..

بعد أيام من وفاة غياث قررنا التوجّه لعزاء والدة غياث. فكنا مجموعة من النشطاء والفنانين كان بينهم لويز عبد الكريم وليلى عوض والصحفية سلمى كركتلي وآخرون ورافقنا إياد شربجي ابن داريا ليدلّنا على الطريق. كنت اختبئ في المقعد الخلفي بسيارة لويز عند كلّ حاجز، فاسمي كان قد بدأ تعميمه من قبل فرع المنطقة..

في منزل غياث جلست أم غياث على يساري.. كانت متصبّرة ووجهها يملؤه الألم.

مقابلي تماماُ جلست زوجة غياث والتي كانت حاملا في أشهر حملها الأخيرة والتي أنجبت فيما بعد غياث مطر الابن .. الابن الذي لم يرَ والده.

أم غياث كانت تضمّنا تواسينا… فمصابها ومصابنا واحد.. غياث لم يكن ابنها فقط.. غياث ابن الثورة المدنية السلمية ورمز المدنية التي اغتالته أيدي النظام بوحشية لا توصف.. ولد غياث الصغير بعد أن أصبحت خارج سوريا فأرسلت له السلام والقبلات مع الصديقة علا ملص  فأوصلت الأمانة…غياث الصغير سيكبر، وسيفخر بأبيه وباسمه تماماً كما سيفخر به أبناء سوريا.

ملاحظات ومتابعات شخصية:

النظام بدأ اللعبة بادعائه وجود السلفيين بالشارع ولم يكونوا حينها.

أي حين نزلنا إلى الشوارع وكان شارعنا ملوناً بكلّ ألوان الطيف السوري، ويعرف هذا تماماً من شهد ولادة الثورة مثلي وكان في الشارع وهي الوقائع التي أعرفها حتى خروجي ب 25/9/2011م.

ثم أكمل النظام روايته ومزاعمه ليبرر القتل الذي كان موجّهاً ضدّ المتظاهرين السلميين بوجود العصابات المسلّحة حين لم يكونوا موجودين، وحين كنّا سلميين بالكامل باعترافه وعلى لسان رأس النظام شخصياً.

تكلّم أيضاً عن وجود القاعدة ولم تكن موجودة “حينها أي قبل خروجي من سوريا واصفاً ما قبل شهر أيلول 2011”.

كنّا نضحك من مجرد الفكرة … وكانت الأعلام المرفوعة بالمظاهرات هي أعلام الوطن فقط دون أن يدخل بينها أعلام بيضاء وسوداء.

تكلّم  النظام أيضاً في تلك الفترة واصفاً الثورة بأنّها حراك سني  متطرف ضد الأقليات، وكنّا نهتف في تلك الأيام واحد واحد واحد .. الشعب السوري واحد.

فتقصّد منهجية القتل بحق السنة وحدهم ليؤجج الصراع حيث يريد… ولم يكن لدى ثوار الأقليات بالتأكيد اعتراض على أن يكونوا شهداء . ولكن النظام تعمد عدم استهدافهم بالقتل إلا ما حصل مؤخراً في السويداء من استشهاد لأربع شبّان أحدهم تحت التعذيب.. كما أن هناك من استشهد تحت التعذيب في سلمية و قتل أيضاً برصاصهم ومن مات تحت القصف لتواجده في المناطق الساخنة كباسل شحادة في حمص مثالاً (وهو من كان من اليوم الأول بشوارع الثورة مثل الكثيرين من معظم الطوائف)

تكلّم أيضاً عن وجود مقاتلين من دول عربية وتمويل من دول الخليج.. ولم يكونوا موجودين “أيضاً حينها”.

كان عدد الضحايا “حينها” 20 إلى 30 في الأيام السوداء والأكثر سوءاً . ولم نكن قادرين على استيعاب ما يحصل أو تقبّله، واليوم يصل العدد إلى 200 شهيد في أحسن الأحوال ونحن نشاهد التلفاز ونتابع ارتفاع الخط البياني لعدد الضحايا.

النظام لم يكن قادراً حينها إلا على استخدام الرشاشات والقنابل والاعتقالات وكان هذا انتهاك صارخ لم نتمكن من تقبّله يوماً.. واليوم يستخدم الدبابات والطائرات والمدافع وراجمات الصواريخ ويعدم بمحاكم ميدانية أمام صمت قاتل.

كنت أريد أن أرى طائرات الميغ تحلّق في سمائنا حين اقتحمت أجواءنا الطيارات الإسرائيلية ووصلت إلى دير الزور وقصفت موقعاً هناك وعادت إلى قواعدها سالمة..  لم تتحرك طائراتهم إلا لقتلنا.

النظام تحدّث عن تشرذم المعارضة وعدم قدرتها على تشكيل بديل، وسُفهها وربطها بأجندات خارجية. كما أنه صنع معارضات وهمية لتخدم وجوده ونحن سخرنا من أفكاره حينها، وقلنا أنّنا سنتمكن من تشكيل قيادة سياسية تصفع النظام وتوجّه له الضربة القاضية “حينها ”

النظام قاد اللعبة إلى حيث يريد الآن، وعلى ما يبدو فنحن لم نكن موجودين، لا الآن ولا حينها ولا أضمن وجودنا أصلاً في المستقبل..!!!

هل يعلم أحدكم كيف وصلنا إلى هنا ؟؟؟

كانت تلك هواجسي التي باتت تسيطر على واقع تفكيري منذ خرجت من سوريا.  فالواقع على الأرض بدأ يتغير حيث بدأ صوت السلاح يرتفع كما ارتفع معه النفس الطائفي، وشكّلا معاً تحدّياً وخوفاً كبيراً قد يؤدي فيما بعد لإجهاض الثورة والحلم أيضاً.

اليوم الأول خارج الوطن:

بعد الانتهاء من التحقيقات والإجراءات الروتينية يوم وصولي إلى الأردن، تمّ نقلي إلى مركز للاجئين يسمى بمسكن البشابشة. وهو عبارة عن مبانٍ سكنية مخصصة لمن يصل بطريقة غير قانونية ويمنع من مغادرتها دون كفيل..

في تلك الفترة لم يكن قد ولد بعد مخيم الزعتري، وكان هذا المكان هو المكان المخصص لمن هم في مثل حالتي.

بالرغم من أنّ وصولي للأردن كان ظهراً، إلا أنّ التحقيقات أخذت وقتاً طويلاً ووصلت إلى المكان ليلاً.

دخلت والتعب يأكلني وأنا أعرج على قدمي المصابة .. التفّ حولي الكثير من الأشخاص الذين لا أعرفهم مرحبين..  وفجأة ظهر فادي زيدان والذي صدرت بحقه مذكّرات اعتقال هو الآخر، فاضطر إلى الهروب قبلي بأيام قليلة.

وجود وجه مألوف بالمكان كان مطمئناً  .. فادي بدأ يعرّفني إلى المكان، وكنت غير قادرة على استيعاب ما يحصل لي.

أولادي كانوا قد أصبحوا بعمّان في منزل خالتي وأنا حبيسة هذا المكان البارد الغريب.

مؤلمٌ جداً كصفعة مفاجئة في غرفة مظلمة .. هكذا كان شعوري حين دخلت إلى هذا المكان، ولم أكن لأستوعب أو أتقبّل قضاء ليلتي فيه، بالرّغم من ترحاب صاحب المكان والمشرفين عليه بشكل مبالغ فيه خاصة وأنّهم يعرفونني عبر التلفاز وقد سمعوا باسمي كثيراً قبل وصولي.

أدخلت إلى الغرفة المخصصة، وبانفرادي بذاتي بدأت بالبكاء. فالشعور كان غريباُ كلّمتني عبر الهاتف الصديقة سيلفا عشرات المرات ولكنني كنت أبكي دون توقّف …

خاصة وقد أعلمت أنّ نظام التكفيل متوقف منذ 15 يوماً ولا يسمح للقادمين بطريقة غير قانونية بمغادرة المكان.

اتصالات عديدة وردت للمعنين في المكان من وزارة الثقافة الأردنية والإعلام والداخلية من أجل الاهتمام بي. وهذا يعني أنّ عدداً من الأصدقاء اهتموا بإيصال الخبر إلى تلك الجهات ومنهم صحفيين وكتّاب وأصدقاء.

رنّ هاتفي وكانت سيدة كنت قد سمعت عنها من أصدقاء مقرّبين لي من دمشق ريم وإبراهيم.. كان اسمها بسمة النسور، وهي كاتبة أردنيّة اتصلت وطمأنتني وأعلمتني أنّها ستساعدني في الخروج بالصباح من المكان( وهي من أصبحت من أقرب الصديقات لي فيما بعد).

اتصل بي أصدقاء منهم الصحفي أحمد الذي أخبر عدداً من أصدقائه في الأردن للاهتمام أيضاً، وبالفعل اتصل بي الصحفي خالد عويس من رويترز بالأردن للاطمئنان..

كانت ليلة قاسية وباردة وكنت أفكر في أولادي طوال الوقت، ولم أكن لأعلم أن كانت ستتلو هذا الصباح صباحات أخرى في نفس المكان.

لم يدم هاجسي طويلاً فقد جاءت سيارة الشرطة بعد ساعتين واصطحبتني إلى مبنى المحافظة، حيث تمّت كفالتي من قبل الصحفي خالد عويس وكانت تلك المرة الأولى التي أراه بها وقد قام بكفالتي وأوصلني إلى عمّان إلى منزل خالتي.

ضمة كبيرة لطفلي دامت لدقائق تبعها حمام ساخن ثم نوم عميق لساعات.

مكوثي في الأردن كتجربة لجوء صعب للغاية ففكرة الابتعاد القسري عن الوطن تكفي لتسبب الألم المستمر. وكان الاعتياد على المكان يعتبر بالنسبة إلى عقلي وضميري خيانة نكراء لأنني لا بد عائدة خلال شهر أو شهرين لا أكثر.

استيقاظ يومي وفقدان مؤقت للذاكرة كان يدوم دقيقتين أو ثلاثة لمحاولة تحديد الزمان أو المكان.

دقيقتان كانتا تجتاحاني بهلع مرعب ..يبدو أن عقلي لم يتقبّل المغادرة فصرّح اللاوعي بتلك الدقائق من الهلع اليومي معبراً عن ذلك الرفض المبين في كلّ ليلة..

فقدت القدرة على حفظ العناوين وأرقام الموبايل الجديد حتى اللحظة، وبقي رقم الخليوي السوري حاضراً دون شعور حين أسأل عن رقم الهاتف في كل زمان ومكان.

“نحن كمان كنّا نقول مثلكم ” .. وكانت تلك الجملة الصفعة التي تلقيتها من إحدى السيدات السوريات المقيمات بالأردن منذ الثمانينات والتي هربت مع عائلتها من حماة أثناء الأحداث .. تعليقاً على جملتي القائلة : بكره منرجع شهرين زمان.

اقتحامات الحنين في ليل المنفى:

لن أبكي كالأطفال … وٍسأغلق الباب بعنف في وجه كلّ مشاعري المتدافعة الهائمة في لحظات الشوق والحنين… وسأعمل على مسح ذاكرتي وصور أصدقائي وملامح البيت الذي لم يبق لي في وطني الذي لا أحبه والذي لا أشتاق إليه.. وسأمسح وجوهكم المبتسمة وأصوات قهقهاتنا في لحظات الدفء والمرح المفقودة في الشام القديمة أو في منازل الأقرباء والأصدقاء .. حيث ذبلت التواريخ تحت برد الأنقاض والرحيل القسري …
لا تظنّوا أنني أكذب.. بالإضافة إلى أني لا أمسح أيّاً من دموعي الثائرة على الكذب في لحظة من الكبرياء الأحمق…

حين يصمت الرصاص دعونا لا ننسى لماذا خرجنا ..
وبعد أن ندفن موتانا دعونا نتذكر لماذا رحلوا …
وخلال لحظات الصمت السوداء والتي تحملنا إلى عوالمنا الداخلية تعالوا نتذكر أجمل اللحظات الملوّنة التي جمعتنا في رحلة شروق الشمس.

حين تستيقظ الشمس وتتجه إلى قبتها الزرقاء سيكون يوم آخر يشبه الحياة.. وسيحمل معه نور جديد وأمل قادم رغم الموت والليل والرماد.

إقرأ المزيد:

حين شرعت الجدران بالكلام.. (7)

حين شرعت الجدران بالكلام..(6)

حين شرعت الجدران بالكلام.. (5)

حين شرعت الجدران بالكلام..(4)

حين شرعت الجدران بالكلام…(3)

حين شرعت الجدران بالكلام (2)

حين شرعت الجدران بالكلام (1)

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!