في الطريق إلى إسطنبول

0
الأيام السورية؛ خليفة الخليفة

أثناء السفر من قريتي الريفية التي تقع عند التقاءِ سفحيِ جبلين يشكلانِ وادٍ غني بالمياه العزبة، ما جعلها موطناً لأشجار الكرز والتفاح، إلى دمشق…. لا أذكر وجود خلاف كبير بينهما فرائحة زهر اللوز في قريتي تشبه رائحة الياسمين؛ التي تكاد تتسلل لأعماقِ صدرك بمجردِ أنك وطأت بقدمِك أرض دمشق المباركة.

كنت أحب دائماً أثناء السفر الجلوس بالقرب من نافذة الباص وبرغم الذهاب والإياب المتكرر على نفس الطريق من قريتي إلى دمشق، لم أستطع أن أحفظ تفاصيل الطريق وربما جميع الذين يجلسون بالقرب من النوافذ، لا يحفظون كروم الفستق في حماة ولا بساتين اللوز في حمص، ولا جرود النبك في ريف دمشق. نعم لا يمكنهم أن يحفظوا أي تفاصيل عن الطريق الذي يقلّهم إلى وجهتهم المعلومة، لكنهم يكونون سعداء بسيل الأفكار وأشباح التخيلات التي تراودهم طوال الرحلة .

أجمل مافي تلك اللحظات عندما ترافقك خيوط الشمس الذهبية التي نُسجت بيد الرحمن أينما تذهب لتشعرك بدفء وحنان الوطن، وأشجار الصنوبر المصطفّة بنسق واحد كصفوف المصلين في الجامع الأموي، تلك الأشجار تشعرك بشيء من الكينونة والطمأنينة الدائمة التي تريح جسدك المتعب من عناء السفر، وقطعان أخرافٍ حائرة كطفل يحار بين آلاف الألعاب وهي تعبر على الطريق العام بعد أن أوقفوا لها السير لتصل لمراعيها الخضراء.

كنت أشاهد عصافير الدوري المستوطنة في قريتي، كنت ألومها كيف بإمكانها أن تعيش وتستوطن في مكان واحد طوال حياتها؟

طالما تساءلت في نفسي ما سرّ هذا العشق لهذه البلاد….. ؟

طالما أحببت السفر…  السفر الذي كان من سوريا إلى سورية ومن حلب الشهباء إلى دمشق الأموية ومن حمص العدية لإدلب الخضراء، كيف لي ألّا أعشق هذا النوع من السفر؟ وكيف لرجل أن يرفض مغادرة بساتين شقائق النعمان إلى بساتين الياسمين والنانرج؟.

اليوم كان طريق السفر إلى إسطنبول مختلفا كلياً ومغايراً لتلك الطرق، التي طالما أحببت أن أكون متنقلاً خلالها، أحلم وأرسم درجات مستقبل مزهر بعيداً عن صخب هذه الحياة.

أثناء الطريق مررت بمدن أجهل معالمها تماماً، ولافتاتٍ لا أدرك محتواها إطلاقاً، برغم جمال الطبيعة والتضاريس لتركيا ومدنها التي تسر الناظرين، لم أكن سعيداً أثناء الرحلة، فتلك الأشجار المصطفة على جنبات الطرق، يخيل لي أنّها أشباح تطبق أغصانها على صدري وتشعرني بالوحدة وتقول لي أهلا بك أيها “الغريب”، هذه الكلمة وحدها تكفي لأن تقتل بسمتك وتنهي مابقي من قوتك للصمود.

تعود بي الذاكرة لسنين الطفولة عندما كنت وإخوتي نقول لأبي بإلحاحٍ: أن يذهب بنا لنقضي بضعة أيامٍ نستَمتِعُ بجمال البحر في مدينة اللاذقية.

لكن أبي دائما يرفض الخروج معنا لاعتقاده أن بستانه الذي ورثه عن جدي أجمل من بحار العالم.

لكن ما أذكره تماماً هو ذلك المثل الشعبي الذي كنّا نقوله لأبي بتزمر عندما يرفض الذهاب معنا:

“أنتم كالسمك هي تختنق بمجرد خروجها من الماء، وأنتم تختنقون بمجرد خروجكم من القرية”

كم من الدروس علينا أن نتعلمها من السمك الذي جمعته مع وطنه صِلة فقدان الحياة عندما يقرر إحداهما ترك الآخر؟

لم أدرك قيمة الأرض والوطن ولم تشرش جزوري كالأشجار المعمرة في بساتين الزيتون والتين كأبي، وأغلب الذين خرجوا من سوريا كانوا مثلي لم يشعروا بقيمة الوطن ولم يتذوقوا طعم التمسك والبذل في سبيل الأرض التي خاض أجدادنا دفاعاً عنها الحروب والمعارك ضد الغزاة والمستعمرين، لتبقى لأبنائهم الذين ربما يتخلّون عنها بأي لحظة من اللحظات.

لكن مازلنا نحن الشعب السوري الذي انتفض ضدّ أعتى الأنظمة الاستبدادية والإجرامية في العالم نملك الوقت أو الفرصة للمحافظة على أرض أجدادنا وآبائنا قبل فوات الأوان .

وهنا تذكرت قصيدة الشاعر “محمود درويش” في قصيدته الشهيرة “الأرض” التي جسدت معاني  التضحية والتمسك بالأرض والحفاظ عليها من المحتلين حيث راح ينشد لأرض فلسطين:

أسمّي التراب امتدادا لروحي

أسمّي يديّ رصيف الجروح

أسمّي ضلوعي شجر

وأستلّ من تينة الصدر غصناً

وأقذفه كالحجر

وأنسف دبّابة الفاتحين

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!