حياة الليل في دمشق

0
الأيام السورية| الاء محمد

“فتاة بشعر أشقر ومكياج صارخ وتنورة قصيرة ضيقة مع بلوزة سوادء ومثيرة وكعب عالي، لم أعرفها عندما رأيتها”، يحدثني أحد الشبان عن قريبته متفاجئاً.

كانت تجلس في إحدى المقاهي المشبوهة في حيّ من أحياء دمشق، تضع رجلاُ على رجل وبيدها سيكارة رفيعة، وفي هذا المقهى بالذات يوجد الكثير من عساكر وضباط الأسد، حيث يعتبر هذا الحي منطقة أمنية لقربه من مناطق تسيطر عليها المعارضة.

يقول الشاب الذي رفض ذكر إسمه، أن تلك الفتاة ونساءً كثيرات يجلسن هنا ينتظرن شابأً ليعرض عليهن مبلغاً من المال ثم يذهبن معه  يقضين بعض الوقت.

لنحكي قليلاً عن تلك الفتاة.. أولاً لنضع لها إسماً وهمياً

نورا إمرأة جميلة  في 24 من العمر،  أم لطفلين الأكبر بعمر 6 سنوات والأخر 4 سنوات، زوجها مات  تحت التعذيب في سجون نظام الأسد، ثم اعتقلت هي أيضاً وخرجت بعد 6 شهور، والدها وأخوها توفيا في المعتقل، وظهرت صورهم في الصور المسربة التي انتشرت على الإنترنت، وهي تنتمي لعائلة فقيرة ازدادت فقراً في ظروف الحرب.

بعد خروجها من المعتقل وجدت نفسها وحيدة مع طفلين لم يتعرف عليهما أهل والدهما وذلك لأن عائلة زوجها هاجروا إلى أوروبا ولم يبق منهم أحد.

لم تكن تلك الفتاة متعلمة ولا تملك أية مهنة ولم تجد مجتمعاً يحتضنها، فوجدت في سهر المقاهي وحياة الليل الصاخبة ملجأً لها.

دمشق كأي مدينة في العالم لم تخلومن بيوت الدعارة ومرتاديها ولكن عمل هذه البيوت بشكل سري، لأن العاصمة رغم انفتاحها إلا أنها مدينة شرقية محافظة ترفض الظواهر اللا أخلاقية.

ويعتبر القانون السوري العمل في الدعارة جنحة ويعاقب من يسهل عملها بالسجن ثلاث سنوات حسب المادتين 509-210 من قانون العقوبات السوري مع اقفال المكان ومصادرة محتوياته حسب المادة 516 من نفس القانون.

كما تشدد العقوبة إلى الحبس ثلاث إلى سبع سنوات إذا كان من وقعت عليه الجريمة لم يتم من العمر 16 سنة ميلادية حسب المادة 3_4 من قانون الدعارة الصادر عام 1961م.

 

الدعارة قبل الحرب

قبل 2011 وافق أعضاء مجلس الشعب وشيوخ الدين على قانون يصنف النساء العاملات في الدعارة بالضحايا، ويجرم تجار الجنس والبشر،  وصدر هذا القانون نتيجة لتفشي الدعارة ومن أجل تقنينها ومحاربتها بشكل علمي وجدي ودراسة أسبابها التي كان من أهمها الفقر، وانتشار السياحة الجنسية.

بعد الحرب

جاءت الحرب ومعها الكثير من المصائب الأخلاقية والجرائم المروعة وغاب القانون وكانت السلطة لمن يحمل السلاح فقط.

حيث انتشرت في المناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد الدعارة بقوة السلاح وتهديد المهجرات والمعتقلات سابقاً في السجون، واضطرت بعض الفتيات اللواتي فقدن عائلاتهن وبقين وحيدات أن يعملن بالدعارة وبعضهن تعرضن للإغتصاب عدة مرات قبل ذلك.

نعود إلى نورا..

من خلال التواصل معها وبعد محاولات عدة قبلت أن تحدثنا عن تجربتها..

“ربما أبدو لكم فتاة مقرفة وأنا أشعر بذلك في الكثير من الأحيان، ولكن ماذا أفعل؟.. سكتت قليلاً ثم أكملت حديثها.

اعتقلت سابقاً في سجون الأسد وطوال فترة اعتقالي كنت أتعرض  للشتم والإغتصاب من قبل الضباط والعناصر، وفي كل يوم تمنيت الموت ألف مرة، ولكن لم يستجب الله لي وتركني في تلك القذارة.

وعندما خرجت من المعتقل لم يكن لي لا أم ولا أب ولا زوج ولا أحد، وجدت نفسي أماً لطفلين لا أملك قرشاً واحداً.

وأشارت نورا إلى أن معظم  الفتيات الموجودات معها ظروفهن أجبرتهن على هذا النوع من العمل، وتقول: لايوجد إمرأة هنا سعيدة بما تفعله.

 

من حدائق إلى منازل دعارة

على مر السنوات عرفت منطقة المرجة في دمشق كمكان رئيسي للباحثين على متعة سريعة أو بضاعة مشبوهة، في وقتنا الحالي لم يعد يهم وجود مكان مغلق فقد باتت حدائق دمشق منازل لبيع الهوى بتكلفة أقل، وإذا كان الرجل عسكري لدى النظام تكون المتعة ببلاش.

فحسب قول الشاب وسيم  صديق أحد العساكر في دمشق “كان العساكر يأخذون الفتيات إلى فنادق رخيصة في “المرجة”، لكنهم فيما بعد صاروا يتوجهون للحدائق العامة، وهناك يحصلون على متعتهم بشكل مجاني وانقطاع الكهرباء يسهل عليهم الأمر حيث لاعين ترى ولا رقيب يحاسب”.

 

بعد 7  سنوات من قصف نظام الأسد وتهجيره السكان وقسوة الحرب، والويلات التي تنهال على الشعب السوري من كل جانب، طفت المظاهر اللاأخلاقية والتي تندرج تحتها الدعارة بشكل كبير.

فأشخاص وجدوا الحرب سوقاً مربحاً فتاجروا بالدم والعرض ليكسب الكثير من المال، آخرون كان ضحية لهم، جنت الحرب عليه فجنى على نفسه وعلى مجتمعه.

من مفرزات الحرب أنها أخرجت الدعارة من البيوت المخصصة لها، فباتت تمارس في كل مكان في الحانات والأزقة الضيقة والبيوت المهدمة وحواجز العساكر ومكاتب الضباط.

 

وهذا ما أكدته نورا أن الدعارة علناً، لا أحد يحاسب أو يهتم، وأن ما تفعله هي وغيرها لا شيء أمام مايحدث في سوريا، فهي تؤذي نفسها فقط..لم تقتل أوتظلم أحداً.

تقول نورا:” لم أعد أفكر بالمستقبل، وكنت أظن الظلم في الحياة لا بد أن ينتهي ولكنه يزيد ويستمر للأبد، نعم أبيع جسدي مقابل أن أعيش أنا وأولادي..ما الفرق إن بعته مرة أو مرتين أو أكثر؟

تجاهل نظرات نورا هو جريمة بحد ذاتها، كانت تتكلم بعين دامعة وقلب مثقل بالهموم، وروح تحترق وتتلاشى كدخان سيكارتها.

والسؤال هنا؟ ماذا تفعل نورا ومثيلاتها ممن يملكن جسداً جميلاً وحاجةً عمياء وسنداً مفقوداً أو ميتاً، هل هن ضحايا مجتمع أم جانيات على أنفسهن، وهل ينتظر المجتمع السورية كارثة إنسانية أكبر من هذه.. والحل بيد من؟.

مصدر تقارير صحفية، القانون السوري
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!