على أطلال ذكرى الشهيد

رماديةٌ هي أمسيات الفقد، باردة تفاصيل الذكريات إلا من غالٍ كوطن، مشردون على تخوم الفراق نزفر الروح وجعاً ونلملم الذكريات في أودية الشوق السحيقة.

0
سلام زيدان – خاص الأيام

ذات صباح تشريني اتفق مع الرفاق للذهاب الى المعركة الدائرة على طريق الموت؛ لدحر جنود النظام من التقدم باتجاه منطقته، كان لزاماً عليه أن يذهب فهو من أوائل الثائرين ولن تتركه الميليشيات حياً إن تمكّنت منه.

ودّع زوجته وأطفاله ومن ثم ودّع أمه التي لطالما ترجّته ألا يذهب وأن قلبها ينفطر ألما ريثما يعود إلا أنه تمنّع وضمّها ممازحاً: “ادعي لي بالشهادة يا أمي “.

ودّعهم بعجالة بينما بكته والدته أكثر من كل وداع سابق؛ وكأن قلبها أحسّ أنّ غيابه في هذه المرة سيطول ويطول كثيراً.

وصل إلى مكان لقائه مع رفاقه، انطلق الجميع في عدة سيارات، وتمازجت ضحكاتهم غير مكترثين بالخطر القادم، المهمة تقضي بصدّ هجومٍ بري للحواجز المنتشرة على الطريق الواصل بين خان شيخون وقرية حيش، كانت قد تسربت لهم معلومات تفضي بالتقدم من قبل عناصر النظام الأسدي تلك الليلة.

ومع خيوط الفجر الأولى ليوم 11/10/2012م بدأت المعركة، فانطلق الجميع للمقاومة وصارت الرصاصات في حجر التلقيم، وبدأت دقات القلوب تعزف لحن الإقدام والشوق للملحمة.

ومع شروق الشمس بدأت مجنزرات الأعداء بالتقدم فأخذ كل منهم موقعه، وتجهز لما أوكل إليه من أوامر من قائده.

أما هو فكان مع مجموعة الاقتحام؛ يرصد طلائع العدو حيث لاحت جحافلهم التي يلفّها دخان الحقد وسُحب التمويه، وماهي إلا لحظات!  حتى اشتعلت الأرض وما عليها، وبدأ العدو يقصف مواقعهم وكأنه على دراية ٍبأماكنهم، فانهالت عليهم القذائف من كل حدب وصوب وعلا صوت التكبيرات.

هناك  على الثغور وفي غفلة من القذائف كان يحلم بالحرية ودحر جنود النظام عن وطنه.

هوت عليه قذيفة خبيثة كخبث قلوبهم وأفعالهم، أفقدته القدرة على رؤية الصحب والرفاق وسط دخان وغبار ملأ المكان إلا من طيف توأم روحه “عاصم” وهو ابن أخته البكر فهوالأخ والصديق حيث كان مرافقاً له في تلك المعركة، رغم توسّل أمه له هي الأخرى ألا يرافق خاله في تلك المعركة.

تعفّر وجهه بالتراب ليشكل خريطة عشق من تراب ودم، في اللحظة التي كان يدحر فيها تَقدم العدو أصابت عنقه شظية قاتلة، تخضبت لحيته الشقراء بنثار دمه وغطّت الدماء قسمات  وجهه، وحدها عيناه الزرقاوان كانتا ترقبان  الأحداث وتودّع من كان برفقته.

ترك بندقيته وبدأ بالزحف نحو أحدهم راسماً خلفه خطوط دمٍ تختصر حكاية وطن، بالقرب منه كان قد أصيب عاصم بعدة شظايا إلا أنها لم تكن كإصابة خاله..  استجمع ما بقي من قواه واتجه نحوه غير آبهٍ بألمه عند رؤية ماحلّ بخاله، احتضنه وحاول أن يسحبه إلى أحد سيارات الإسعاف التي ملأ دويها أرجاء المكان.

على كتفه وضع خده الأيسر حيث أصيب؛ محاولاً ألا يريه جرحه وبيده اليمنى احتضن رفيق دربه، وكلاهما مضرجٌ بالدماء، صرخ بأعلى الصوت  مرددًا اسمه: خالي أنت بخير؟

هّز برأسه الملاصق لكتفه دون أن ينبس ببنت شفة، وهو المعتاد على صوته القالع، وحدها ابتسامته التي رسمت على شفاهه كانت الأمل بألّا يرحل، راح يزفر بصمت وبأنفاس تخالطها الدماء، يضمّه ويمسح الدماء الطاهرة عن وجهه ولم يعد يذكر شيئا سوى زرقة عينيه والغرة الشقراء التي خضّبها دمه.

بعد وقت ليس بالطويل استفاق على حديث أحد الممرضين عند رأسه وهو بأحد المشافي الميدانية يذكرون أسماء الشهداء الذين قضوا في تلك المعركة.

صرخ متسائلاً: خالي هل استشهد ماذا حلّ به؟ تمتم الممرض بصمت: لا تخف هو بمشفى كفرزيتا فحالته بحاجة إلى رعاية أكثر.

طلب منهم الخروج يريد أن يراه وألحّ كثيراً على الطبيب وأوهمه أنه بخير، اضطر الطبيب للموافقة بسبب تكثيف القصف على المشافي الميدانية، عند باب المشفى أسرع إليه رجل يسأله إن كان بحاجة إلى مساعدة فأخبره أنه يريد الذهاب إلى  بلدته بلهفة ابن البلد لبّى طلبه وأوصله، وعند وصوله كان المشهد وجعاً وقهراً؛ حشودٌ من الناس تقف أمام منزل أهله؛ ينتظرون وصول الشهيد وماهي إلا لحظات حتى بدأت المساجد تصدح بذكر اسم الشهيد “خاله”.

قدم به الرفاق، وحملوه بموكب يليق به وبشجاعته، غطّوا وجهه بوشاحٍ أبيض كبياض قلبه وبكوه طوال الطريق، كانت الدار حزينةً تغصّ بالبواكي، وحده ابن أخته كان بلا دموع بجسدٍ أنهكه القهر والألم، لم يصدّق ما حصل! ربما ضاع صوته بين غصات الوجع.

كل ما يتذكره تلك الروح النديّة، ورائحة عطره تمطر شهيقه فيزيده اختناقاً.

علت التكبيرات عند وصوله لدار أهله، أدخلوه إلى غرفته التي زفّ فيها عريساً قبل بضع سنين، قدم الجميع لوداعه الوداع الأخير فهذه المرة الأخيرة التي سيرقد فيها وهم حوله.

أغشي على أمه وزوجته، ومنعوا أطفاله أن يروه إلا ابنته صفا -المحببة إليه- استحلفتهم بالله أن تراه فهي لن تسامحهم إذا منعوها من وداع أعز الناس على قلبها الصغير.  

ضمّته.. وهمست له  “سأشتاق لك كثيراً كثيراً”.. لم رحلت وتركتنا يا أبي؟

حمله الرفاق إلى مثواه الأخير، وتبعهم البقية برفقة النعش، عند شجرة الليمون وقف والده السبعيني يودّعه من بعيد، ربما قدماه خانتاه أو أن مصاب الفقد أنهك جسده النحيل رغم قوته وصبره. اختنقت العبرات في صدره، استوقف من برفقة النعش يودّع آخر العنقود؛ ليرى خطوط الكحل النازل من عينيه بطعم الدم، كحله الذي اعتاد أن يضعه عند الذهاب إلى  المعركة أو عند لقاء حبيبةٍ.

وضع يده قريباً من عنقه بين جرح وجرح، دقائق ثقيلة كالجبال،

وأنشد: قل لي من أين تنزف ياها لدم قلبي على فراقك تهدم…

قبّله ثم قبله ثم قبّله، وأكمل الرفاق حمْله، وتعالت صيحات التكبير مدوية “لا إله إلا الله والشهيد حبيب الله”.

هو الشوق يخنق ثائر البوح فيرسم رغم ما نخفي حنيناً خافت النوح يضجّ بأرتال الوجع إلى الذين يسكنون على تخوم الذكرى وأبعدهم عنا القدر، و تبقى الذكريات تسير بنا إلى مدن الغائبين وكأننا لم نفق من فاجعة فقدهم .. رحم الله أرواحاً لا تعوّض.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!