التعددية الاجتماعية السورية؛ لعنة سياسية أم ثروة ضائعة

الأيام السورية؛ فرات الشامي

ضمت تلك الغرفة الحكومية ما بين العام 2003-2010 مجموعة نادرة من الخليط الاجتماعي السوري، تنوعت مشاربها العرقية والدينية. تشاركت الهموم ذاتها بشكلٍ أو بآخر، كالحديث عن “المعيشة، الغلاء، الوطن، القضية الفلسطينية، قضايا عربية أخرى”، كما توحدت “أفراحهم” بتنوع “الأعياد” التي كانت شكلاً من أشكال “الألفة” وحالة التصالح في “أوقات الخصام”، يومها كانت المعايدات مبرراً لإنهاء خلافات “شخصية، مهنية”.

الكثير من الدوائر الحكومية السورية كانت تمثل “وطناً” بكل إيجابيات أفراده وسلبياتهم، وعلى الرغم من تلك الصورة “المضيئة” في حياة الشعب السوري، لكنها كانت في الواقع شبه قاتمة، فثمة حساسية اشترك فيها الجميع، ترجع معظمها إلى “الظلم” السياسي والاجتماعي الحاصل عمداً من طرف “نظام الأسد” الذي اختبأ خلف عباءةٍ “طائفية” أورثت المجتمع تلك الحالة من الحذر والخوف، بل أسهمت سياسة العقلية الأمنية التي تدير “الدولة السورية” بفرضها عبر إيجاد حواجز بين تلك “المكونات الاجتماعية”. في الغالب لم يكن يشوب ذاك التعدد الاجتماعي والتنوع ما يعكره، إلا بعض المنغصات التي اعتبرت حالات “فردية”، معظمها أيضاً ظل ضمن إطار الكلام.

التقسيم العرقي والطائفي امتد ليكون حالة ترسخت على الأرض، شارع الأمين يقطنه “الشيعة”، جبل الرز القريب من القصر الجمهوري للأكراد، جبل الورد وحي الورود للعلويين، المالكي للمقربين من الأسد والمنتفعين والقادة الأمنيين، ومناطق للفقراء “حي النازحين” قرب قدسيا، جرمانا للدروز، الدويلعة للمسيحيين… لا يخلو المشهد هذا من “تداخل طائفي” في تلك المناطق.

ولعل المتابع للحركة السياسية “الثابتة/الراكدة” في سورية، يجد تحركات ضعيفة اتجاه الصدام بين تلك “المكونات”، يزيد من تأجيجها ذات العقلية التي تدير البلاد، لأسباب معروفة واحدة منها “تثبيت النظام” وإظهاره كقوة حامية للطوائف والأقليات. نكتفي هنا بالإشارة إلى الاضطراب الدامي مع “الأكراد” في 12 آذار/مارس 2004، وتبعاته التي بقيت حاضرة.

بعيداً عن الطرح الاتهامي المعتاد لنظام الأسد، فالشواهد تثبت أننا كـ”سوريين” عموماً، وكـ”نخبة مثقفة” كنا جزءاً من لعبته، واخترنا دور البيدق في الرقعة، وما عمِل على ترسيخه بشكلٍ ناعم، تنبه البعض إليه –للأسف-متأخراً.

تسير المركب بالاتجاه الذي رُسِمَ له، بالمقابل بقي الحراك الثوري ذاته يسير وفقاً لمنهجٍ غامض، لم يستطع خلق ارتياح له من الفريق “الرمادي”، فضلاً عن “الموالي”، كذلك بدا عاجزاً عن تقديم الضمان أو حتى التعامل مع بروباغندا النظام بأنه “حامي الأقليات”. بالتالي، لا يمكن أن نستهين بخطأ “السوريين” أنفسهم، في رأب الخلاف، بل لا يمكن إلا أن نلوم أنفسنا على عدم قراءة واقعنا حديثاً كنموذج للعيش المشترك، الذي لم ندرك أن وجوده كان بفعلنا نحن، ولم يكن وليد اللحظة أو الخوف من بطش الأمن السوري.

الشباب الثوري غاب عنه فريضة إنتاج خطاب يواجه التحديات في الطريق، ويقوم على أسس العدالة والحقوق والمواطنة، وينادي بها. وإن تجلى هتافٌ تبنى الوحدة الوطنية فقد بدت صورته مشرقة في بداية الحراك، سرعان ما انساق بعيداً، لكنه لم يخبو.

ومع كثرة الكلام عن “حل سياسي” للملف السوري، يبرز ملمح خطير في الأفق، قائم أساساً فكرة “التقسيم” وخلق شرخ في المجتمع، يؤسس لتفجر نزاع داخله، من المحتمل أن يتحول إلى صِدامٍ دامٍ قد يعني ضمور بعض الأقليات نتيجة هجرتها القسرية أو الموت.

لقد كنا ولم نزل أمام مجتمعٍ مغلق على ذاته، حتى وإن بدا غير ذلك، دون محاولة لإيجاد تفاعل إيجابي من النخبة المثقفة، أو تحرك مدني لمد جسور حقيقية من التواصل وإعادة الثقة، التي يفترض أنها موجودة بين الثقافات المحلية المتنوعة.

احترام الرأي الآخر، والقبول بالتعددية على مبدأ “العدالة” في تقاسم إدارة البلاد حالة شبه غائبة في السابق، ظلت كذلك مع تحركنا الذي يفترض أنه قام من أجل المطالبة بـ”التعددية”، لإثراء البلاد وتكميل مسيرتها نحو الأفضل.

شخصياً، كنت ولا أزال اعتبر أن المد القومي العربي زمن “عبد الناصر” أسهم إلى حدٍّ كبير في إلغاء شخصية “المكونات العرقية الأخرى”، والتي تشكل نسيج “الدولة”، وعمل “حافظ الأسد” على ترسيخ العدائية، عبر سلسلة من الممارسات اتجاه تلك “الفسيفساء” التي غاب حضورها الحضاري عن الواجهة، حتى بات الاحتفال بطقسٍ ديني أو قومي خاضعاً لتقنينٍ ورقابةٍ أمنية.

الثورة السورية بعينها ما تزال تفتقر إلى عقلية الإدارة الناضجة التي تقبل الآخر، بدل إلغاء وإقصاء المخالف تحت ذرائع مختلفة. بل إنها حتى اليوم لم تقدم مشروعاً سياسياً واضحاً يضمن حقوق الجميع مستقبلاً، وتلك ليست مثلبة بحقها بقدر ما هي تهمة لمن يفترض بهم النضج السياسي والذين افترضنا جدوى وجودهم بيننا كقادة للحراك السلمي أو العسكري، ولك أن تضع تحت تلك القائمة مسميات شخصية وهيئات سياسية ادعت قيادة المعارضة السورية.

تعيش سورية اليوم مرحلة من أخطر المنعطفات التاريخية، ليس نتيجةً للضغوط الخارجية فحسب، بقدر ما هي نتيجة “الطلاق الاجتماعي” الذي حاولنا خلقه، فكنا كطوائف وعرقيات نعيش “الاعتزال” على مبدأ “كل مين إيدو إلو”، وامتثال فكرة الدعاء القائل: “اللهم أسألك نفسي”.

النظرة وإن كان فيها شيئاً من التشاؤم، لكنها ناقوسٌ يدق بنعومة، قد تتزايد ضرباته ما ينذر بكارثة؛ يتحمل عاقبتها مستقبل البلاد، وشعب أدرك متأخراً أن “تنوعه الثقفي” والتعددية الاجتماعية السورية؛ لم تكن لعنة سياسية وإنما ثروة ضائعة، بددناها بلحظة “طيش”.

وإن أردنا تخصيص الحديث عن المسلمين، باعتبار تبني الجماعات المسلحة السورية المعارضة لهذا النهج، فإننا نواجه تغييباً –قد يكون غير مقصود-لمعنى قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) الحجرات: 13، بالتالي نجد التناقض بين ما جاء به الخطاب الإسلامي، وبين ما أتينا به اليوم.

التعددية الاجتماعية السورية؛ تحولت على أرض الواقع لعنةً سياسية، وثروة ضائعة، عمل النظام السوري على تفتيتها وإدارتها بحنكة لخدمة مشروعه، الذي لم يخرج عن كونه خدمة مجانية لـ”أجندات دولية ساعية نحو تفتيت الدولة”. وأسئنا بدورنا أو لم نحسن-كمعارضة-التعامل معها.

تعاملنا مع ملفنا الداخلي باعتبار الأسد يمثل “أقلية”، ويدافع عنها، دون أن نسأل: هل حقاً كانت مشكلتنا مع الأقلية، أم مع منهجية استبدادية تسترت خلفها؟

الوعي اليوم بدقة المرحلة وخطورتها، يحتاج إلى عمل جماعي مجتمعي، وتكثيف تلك الجهود، لرفض سياسة الإقصاء والعصبية، وإعادة تموضع الجميع في الدائرة الصحيحة، وبالتالي، المناداة بالتعددية الاجتماعية كمصدر للغنى الحضاري السوري، بدل أن تستحيل لعنةً تاريخية، تتوارثها أجيالٌ متحاربة، وتستفيد منها “كياناتٌ ومشاريعٌ في منطقتنا”.

وإن كان كتب يوماً الراحل محمد الماغوط في روايته “سأخون وطني”: «لقد أصبح البشر كصناديق البريد المقفلة، متجاورين ولكن لا أحد يعرف ما في داخل الآخر». فإن الفرصة مواتية اليوم لفتح المغلق، وكسر الأبواب المؤصدة. غير ذلك يعني أنني فعلاً “سأخون وطني”.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend