رهينة المحبسين…سلسلة قصص من وحي الحرب

فرّت من منزلها خوفاً من جريمة قد يرتكبها زوجها الذي لم يستطع الحفاظ عليها، ولم تستطع إقناعه بحياتها الجديدة.

نيرمين خليفة – خاص الأيام

قضت سارة خمسة عشر عاماً من حياتها في قفصها الذهبي بكل سعادة، ظنّت أنّ كل الأقفاص كهذا القفص، وكلّ الأزواج كذاك الزوج المحب الغيور.

تزوّجت سارة وهي ابنة السابعة عشر عاماً، وانتقلت إلى عشّ الزوجية في دمشق عام 2001م، كانت صغيرة غضة، بديعة البشرة جميلة شقراء فاتنة، أمّا زوجها فكان يكبرها بعشرة أعوام، حصل عليها بعد عناء، وامتلكها بعد جهد، لتصبح أحد أحب الممتلكات الثمينة في سجنه، ولأنها غالية وعالية لا يجب عليها الخروج خارج مملكتها، متربعة على عرش القهر، تقضي ساعات وأيام وشهور حياتها بين الطبخ والجلي وفيما بعد العناية بالأولاد.

رضيت سارة بنصيبها الناصع، بزوج يخاف عليها حتى من أشعة الشمس، يوصل لها كل حاجاتها إلى بيتها، حتى ألبستها وأدويتها. هو من كان يصف مرضها ويطبّبها، وهي التي حصلت على طبيب وحبيب وحارس وزوج ثم أباً في آن واحد بعد برهة من زواج القيود.

درست في خدر زوجها أنّ حياة الزوجات والأمهات كلّها على هذه الحال، كانت مكافأتها زيارة سنوية إلى بيت الأهل مع توخي أعلى درجات الحذر والاستخباراتية، ومع ذلك كانت تبدو عليها قسمات الرضا مع غصة بسبب تضييقه عليها.

سارة اليوم أمٌّ لطفلين في كنف زوجٍ محبّ، يغار قليلاً وهذا من حظّها، فكلما سجنها كان الحب كبيراً، كما أنه رجل مثقف ومن الطبيعي أنه يعلم مصلحتها ومصلحة أبنائها أكثر منها كما يحاول إقناعها دوماً، أخلاق جيرانهم سيئة رغم أنها لم تزرهم يوماً، وكل الأسواق التي كانت في مخيلتها كانت وهماً، وكل الصديقات التي لم تعرفهنّ يوماً هن مخلوقات للثرثرة وشرب النرجيلة وللعب بأوراق النرد، أما أمهات المؤمنين ملتزمات في حجراتهن لم يبرحهن يوماً.

وكانت سارة الصغيرة تكبر ويكبر معها أولادها، أمل المستقبل وعزاء الحاضر، كانوا عزائها الأكبر وحلمها الأبيض، هم أنس وحدتها المستمرة، هم شغلها الشاغل للساعات الأربع والعشرين من يومها، حتى غدت أيضاً إحدى ممتلكاتهم عليها إسعادهم وتلبية متطلباتهم دون أدنى إحساس بالأسى لحال تلك الأم المتفانية.

يكبرون ويشقون طريق حياتهم بكل حرية من الأب الغيور، يصاحبون من يشاؤون، يدخلون ويخرجون مع بنات الناس دون قيد أو شرط، ودون أن يعيروها أدنى اهتمام أو تقدير، وتبقى سارة على قارعة الزمان؛ الذي لم تعرف نهاره من ليله رهينة المحبسين، يهاجر ولدها الشاب خوفاً من غوغاء الحرب، وتتفرد ابنتها الصبية في حياتها الخاصة مع صديقاتها وحساباتها الخاصة، وسارة تتقوقع في زاوية بيت نحت جسدها نحتاً، كالكثيرات من نساء سوريا قلبت الثورة حياتها رأساً على عقب، فبعد تردي وضع الأسرة مادياً وعدم كفاية دخل الزوج لأدنى متطلبات الحياة، تحاول  التدخل وتناشد زوجها بكل ما أوتيت من إخلاص  أن يسمح لها بالعمل، فهي تتقن كل الفنون النسوية والبيتية، وبعد قوة العزيمة التي لمعت في عينيها يوافق أبو عنتر على طلبها، ويرتكب غلطة العمر على حد تعبيره، لتلتحق  بورشة نسوية للفنون المنزلية والخياطة، تشرف على أداء بنات المعمل، كانت صلتها الوحيدة مع مديرة الورشات والفتيات العاملات، ومع ذلك لم تسلم  من شكوك زوجها المستمرة حول الجديد في حياتها، لتشاهد حياة مغايرة للحياة التي رسمها لها زوجها، لقد كانت أشعة  الشمس دافئة وحنونة ولم تكن حارقة كما أقنعها، النسيم في بلادنا عليلٌ و يشرح الصدر، وهي التي خنقتها روائح المنظفات والمعطرات طوال تلك السنين، والشوارع عريضة وهناك بعض الناس الطيبين يسيرون فيها دون التفات لها، قررت  أن تستمتع بأشعة الشمس والهواء العليل وحديث الطيبين، وتحاول أن تشارك فتيات بعمر بناتها أي حديث لكي لا تبدو خرساء حزينة خارج الزمان والمكان المرسوم لها مسبقاً.

يبدو أن محاولاتها الفاشلة فجّرت براكين الغضب والكره في داخلها، لتعود إلى منزلها متمردة، لم تعد تهتم بنظافته أو ترتيبه فهو الكهف الذي حجبها عن تغريد العصافير خمسة عشر عاماً، لم تعد تحتمل رؤية زوجها.

وكانت تستمر في غرز سهام اللوم والحقد والانتقام في صدره في كل كلمة من كلماتها، كانت تشيح بعينيها عنه حتى لا تنفجر بوجهه لتصفعه آلاف الصفعات، وكانت شكوك الزوج تكبر لتتسع الفجوة بينهما حتى كانت هواجسه تكاد تقتله.

كان في كل صباح ينظر إليها نظرة وداع لأنه لا يصدق أنها ستعود عند المساء، يصارحها بشكوكه وأن عليه الاعتراف بهذا الواقع الجديد الذي غيرها وغير حياتهما، لم تصدم بظنونه فهو يحاصرها منذ خمسة عشر عاماً داخل السجن فكيف الآن وهي تحاول تحطيمه فوق رأسه.

ربما شعرت بالسعادة أو الامتنان لأنها تستطيع أن تشفي غليلها وتنتقم من ظنونه وهواجسه، كانت تبدو عليها علامات الارتياح أكثر كلما استشاط غضباً، فيمعن في ضربها وتقابله بصمت يقتلع قلبه ليفرّ إلى غرفته ويبكي كالأطفال من نار الشك المحرقة، لم يجد حلاً سوى عودة سارة إلى البرج العالي لتقدّم الخدمة له ولأولاده الذين جحدوا تعبها وتضحيتها.

تتمرد سارة عليه كظبية تفرّ من قسورة، تدرك في هذه المرحلة أنه مستعد لقتلها على أن تبقى ملكه، فظنونه باتت مرضية وهستيرية، لتحزم  أمتعتها بليل وتحمل بعض النقود وتخرج صباح يوم الحرية المنتظر لتعود إلى أهلها بقصة سجن دامت خمسة عشر عاماً برضاها وبسعادة مصطنعة، لتهرب من موت محقق كاد يحدق بها.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.