كيف تعرّى اللغة

0
أسماء العبد-خاص الأيام

“إننا نقوم بتدمير الكلمات –عشرات بل مئات الكلمات كل يوم يجري تدميرها، إننا –نسلخ-اللغة حتى العظام”.

هذا ما قاله “سايم” إحدى شخصيات رواية 1984 الشهيرة للروائي السياسي جورج أورويل.

“سايم” لم يكن الشخصية الأبرز في الرواية إنما عكف الكاتب على ذكره في بعض صفحات الرواية، كعضو في فريق ضخم يعملون معاً لإيجاد قاموس اللغة الجديدة.

تتحدث الرواية عن أحد الأحزاب الشمولية بالحديث عن أحد أعضائه “ونستون” غير المقتنع بمبادئ الحزب وايديولوجياته، مصوراً صراعاته الداخلية بين نفسه ومبادئه ومع أحد الأعضاء الذي اعتقد بتشابه مبادئهما وانخداعه به في نهاية الأمر.

لن أطيل الحديث عما جرى من أحداث لكن ما ساق اهتمامي حقاً ذاك الحدث المدمر في الواقع العابر في الرواية المساق على لسان “سايم” الشخصية الثانوية شديد الولاء لأيديولوجية الحزب المعتدة جدا بعملها ب “تعرية اللغة” كواحد من النشاطات التي ترافقنا دون أن ندري بعمق تأثيرها وسلبها لأدواتنا؛ تعرية صامتة لا ندري متى وأين؟

كيف تتم تعرية اللغة؟

تحدث سايم مطولاً لصديقه “ونستن” كيف يقوم الحزب بحذف الكلمات وتدميرها واستئصالها من القواميس حتى يحتم فيما بعد عدم استخدامها، بل حتى أن بعض النعوت الأفعال وحتى الأسماء-سوف يتم التخلص منها إلى الأبد.

كان الهدف الأساسي من هذه العملية أن يصل المجتمع إلى لغة فقيرة لا تحوي سوى بضع كلمات لا يستطيع المرء من خلالها أن يعبر إلا عن القليل من مشاعره ولا يستطيع الوصف فيها بأكثر من طريقة، كلمات معينة تفي بالغرض المحدد وغير قابلة للتأويل، وفي النهاية يصل المجتمع إلى اللغة الجديدة التي عرفها سايم باسم “الأنجسوك”.

ماذا حقا لو عرّيت اللغة تماما!؟

إن حصل وعرّيت اللغة فإنها ستصبح كقشرة الأرض التي فقدت طبقتها الترابية الممتلئة بالحياة فتعود إلى سيرتها الأولى تلك الطبقة الصخرية القاسية التي لن تصلح سوى للعبور.

إنه ليس أصعب على المرء بأن لا يجد كلمات تعبر عما يختلجه من مشاعر، فيبقى حبيس الصمت عله يجد فيه ضالته ويسقط من خلاله ما يعتري داخله عندما يسلب منه قاموس كلماته، ليستبدل بقاموس آخر بروضة لا حياة فيها.

وربما نستعيض حينها عن كلمات مثل (أحبك، أحترمك، أودك، أبجّلك…) بكلمة واحدة “أقدرك” ولكنها لن تفي بالغرض تماماً، فمع تغير الأشخاص تتغير تلك الكلمات أما الآن فأنت أمام كلمة واحدة سوف تتلفظ بها شفاهك دون أن يستشعر بها قلبك.

هذه الفكرة التي أتي بها الكاتب في روايته، واحدة من أسباب كثر لتبدل اللغات والأبجديات واندثار بعضها عبر التاريخ الطويل، سبب في وجود عامية هشة في معظم لغات العالم واندثار آلاف الكلمات محبوسة في القواميس والأدبيات مقتصرة على الباحثين عنها وبقاء الكثرة الغالبة تهيم في مصطلحات أقل تعبيراً وأكثر تعويماً.

في كتاب عالم الأسرار يقول د. مصطفى محمود “إن اللغة اللاتينية تحتوي سبعمائة جذر لغوي فقط، والسكسونية تحوي ألفا جذر، بينما العربية بها ستة عشر ألف جذر لغوي” حتى خلص إلى أن العربية هي أصل اللغات إذ أن الاشتقاقات من الجذر نفسه متعددة فجذر جيد نستطيع أن نشتق منها (الجود والجودة والإجادة ويجيد ويجود وجواد وجياد.) في حين لا نجد لفظ Good يخرج منه شيء!

وإذا احتاج الأمر لا بد من استخدام كلمتين مثل Good & Very Good للتعبير عن الجيد والأجود.
أطلت التفكير كثيراً حين قالت لي أحد جاراتي العراقية بأن “فاهي” كلمة يعنى بها قليل السكر، سألتني عن مرادف تلك الكلمة في لهجتنا لكنني لم أجد، أطلت التفكير في رشاقة الحياة والحديث التي يمكن للمرء أن يعيشهما فيما إن استطاع أن يستخدم “كلمات” أكثر وأدق معنى، الكلمة معجزة خلق الإنسان حين عرف آدم أسماء ما حوله وأسجد له ملائكته.

صورة تعبيرية مصدر الصورة: موقع giphy

نعود اليوم بعد قرون من استخدام اللغة لنستخدم الرموز التعبيرية “الإموجي” بدلاً من الكلمات في مواقع التواصل، اللغة المسمارية التي اعتاضت عن كلمة القمح برسم السنبلة، وعن كلمة الشجرة برسم جذعها، تعود اليوم إلينا عن طريق وجوه باسمة وضاحكة لتعبر عن دواخلنا برسوم محددة اعتدناها فحددت لنا تفكيرها ومشاعرنا أيضاً حتى لا تكاد تستطيع التعبير عن مبالغة أحدٍ منهم بأكثر من تكريره مرات عديدة، حتى لتشعر أحياناً أن مشاعرك تتغير بتغير الموقع الذي تعمل عليه لأن “الإموجي” الموجود في كل منها مختلفة!
غنى اللغة العربية بالمفردات والاشتقاقات وافتقار اللغات العامية لهذا الكمّ من المفردات جعلت هوّة واسعة بين التفكير السطحي المتواتر وقدرة اللغة على التعبير المناقضة تماما لهاتيك السطحية، فهي كما يقول أحد المفكرين (ليس هنالك لغة عاجزة، إنّما هنالك شعب عاجز).

المراجع:

رواية 1984 لجورج أورويل – عالم الأسرار ل د. مصطفى محمود

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!