الفاجعة التي لم أتوقع حدوثها

0
الأيام السورية| سلام زيدان

دمعّ بلون الكحل، وألم بحجم الوطن، وحده العطر الذي مازال عبقه يفوح في الأرجاء.

غادر مع خيوط الفجر الأولى في صباح يوم الاثنين الواقع في22/سبتمبر/2014 ، ولم يكن يدرك ماذا يخبئ له القدر بعد اتخاذه قرار المشاركة في معركة ريف حماة الشمالي “طيبة الإمام، مورك، معان،” كان قد ترك قصاصة ورق صغيرة يخبرني بها: أنّه سيعود، وسنكمل الطريق الذي رسمناه معا.

بيدين مرتجفتين وقلب كاد أن ينفطر قرأت ما كتب؛ تجمّدت خلف ذاك الباب بعد رحيله، خفق قلبي بنبضات مبعثرة قوية سمعت دويها بأذني، وغزت عقلي أفكار مشوشة اعترتها مشاعر مضطربة، حزن ،قلق، خوف، شوق، حاولت جاهدة أن أسرع الخطا علّني أتجاوز الحالة، ولا أدع دموعي تفضح حالتي أمام أفراد عائلتي.

غادرت إلى المشفى الميداني بالقرية المجاورة، حيث كنت أعمل، ورحت أكمل ما تبقى من يومي فيه، بدأبٍ وثباتٍ أرسم أحلاماً كبيرةً وأخرى صغيرةً حول مستقبلي المجهول. لم أدر أن المستقبل سيأسرني بأحزانه أو ربما سيفقدني دافع التقدم إلى الأمام.

بارد كان هذا المساء، صامت مشحون بالألم، أزاول العمل لليوم الثاني على التوالي بكل صمتٍ، و أكمل جولتي على المرضى، ساعات عملي الطويلة منعتني من تناول وجبة العشاء الصغيرة.

داخل غرفة الإسعاف كنت أعمل لفترة متأخرةٍ من الليل، ناوبت برفقة صديقتي تلك الليلة مع الطبيب “عبد القادر” وبعض المسعفين والممرضين، كانت المعارك مشتعلة على أغلب الجبهات وغارات القصف لا تهدأ أبداً وعشرات الجرحى والشهداء تنقل إلى المشافي الميدانية.

دمعّ بلون الكحل، وألم بحجم الوطن، وحده العطر الذي مازال عبقه يفوح في الأرجاء.

منهكة، متعبة لكثرة العمل في ذلك اليوم، وقبل أن أغسل يداي من دماء الجريح الأخير،  قدمت سيارة الإسعاف تحمل مصابين جدد، دخل المسعفون بشابين جريحين، لم يبق سوى سريرين في هذا المشفى، ركضت أساعد المسعفين بإسعاف أحدهم بدأت أقص ثيابه وأضمد جراحه لأخفف النزيف بكميات كبيرة من القطن.

خلف ظهري وعلى السرير الآخر، وضعوا الجريح الثاني وقام أحد المسعفين بتقديم ما يمكن تقديمه، وبصوت ملأ أرجاء المشفى صرخ المسعف على الطبيب أن ينتقل للجريح كون حالته أشد خطراً.

حاول الطبيب إنقاذه ولكن دون جدوى؛ فقد كان يتقيأ دما.

إلا أنّه كان ينظر بعينين شاخصتين علّني أراه، بل ويشير بيمينه نحوي؛ يمينه التي غطى نزيفها محبس زواجنا الفضي. لم أنتبه حينها  -إلا أن الطبيب قد أخبرني بذلك فيما بعد- لانشغالي بالجريح الأول.

محاولة أخيرة لإنقاذ حياته قام بها الطبيب بصدمه على الكهرباء، رآه حينها تدمع عيناه ولا يشيح النظر عنّي، وقبل أن تفيض روحه إلى السماء، ارتسمت على شفتيه الشاحبتين ابتسامة لطيفة ولم ينبس ببنت شفة.

غطى الطبيب وجهه وهو يكبّر باكيا: الله أكبر ..الله أكبر.

لم أعرف لماذا شعرت برجفان قلبي؟ اجتاحتني مشاعر دفاقة، تسارعت نبضات القلب، وبدون أي شعور أسرعت إليهم وسألت الطبيب:

“استشهد..؟”

هزّ الطبيب رأسه، وراح يتفقد الجريح الذي كنت بمرافقته. اقتربت ارفع الغطاء عن وجه الشهيد ربما أعرفه!. وبعد لحظة سمع كلّ من في المشفى صرختي الأخيرة له:  ..فداء!

قضيت ليلتي فوق رأسه استرجع لحظات حياتي معه، استعيد ذكرياتي وأبكي دون توقف،  وخرجت في صباح اليوم الثاني من العناية المركزة  بمحبسين.

ولازلت أشرب قهوتي وحيدة بعد مضي ثلاثة أعوام على فقده، وتبقى الذكريات تسير بنا إلى مدن الغائبين فنبكيهم بصمت كلّ يوم. ونتخيل أطيافهم يقتحمون هدوء ليلنا خفية، وكأننا لم نفق من فاجعة فقدهم حتى الآن.

 

 

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!