قصص من وحي الحرب (6) حكايا الحرب بلسان العجائز

الأيام السورية؛ نيرمين خليفة

اندلعت الحرب في ريف حماة من جديد، وعاد الطيران ليناور في سماء ريف إدلب مع اندلاع المعارك، التي ما كادت تهدأ شهوراً معدودات لتلتهب من جديد، وتكتب فصلاً جديداً من مسلسل التغريبة السورية، وتجسّد معاناة أهالي أرياف حماة الشمالي والشرقي وريف إدلب الجنوبي، وتوق جنون القصف اللامتناهي الذي ينهلّ على الحجر والبشر والشجر في هذه المناطق من الطيران الروسي الذي يقاتل بالوكالة عن كلّ ملل الشرّ على جسد سوريا الطاهر.

تبدأ السيارات العامة والخاصة والدراجات النارية مع بزوغ أول خيوط الفجر لنقل الناس مع تفاصيل ذاكرتهم المرهقة بعشرات قصص النزوح والتشرد.

بالتزامن مع رحلتي اليومية على درب الحلم الطويل، بالحصول على درجة الماجستير الذي اغتاله إجرام النظام، وبعد خمس سنوات أقف على الأوستراد متسمرة في انتظار أي حافلة تقلني من بلدتي في عمق جبل الزاوية إلى مدينة إدلب، حيث الجامعة وبعض ملامح المستقبل، الذي أحاول رسمه على صخور المستحيل.   تقلني إحدى الحافلات لأقع ضحية حديث صباحي غريب، بين أفراد الأسر الهاربة من جحيم الغضب الروسي في جنوب إدلب.

الأم الستينية تخبر ابنها بتفاصيل الليلة الفائتة مع أنه كان حاضراً معها كل الأجزاء

(لم ننم الليلة الفائتة هجمات الطيران لم تتوقف، والرعب خلع قلوب الأطفال، كان لابدّ من قضاء الليل في الملجأ الذي نربي فيه الحيوانات ومع ليالي أيلول الحارقة بغير العادة، كاد الأطفال يختنقون، وضاقت علينا الأرض بما رحبت).

يقاطعها الشاب قائلاً: (عند منزل خالي سقط أحد الصواريخ الارتجاجية، مخلّفاً حفرة بعمق ٣٠متراً،حيث يركن شاحنته التي ظنوها أحد دبابات الشباب).

تثور الحاجة قائلة: (لعنة الله عليهم أجمعين كلّ هذا الخراب من أجل أن يبقى السفاح على كرسيه اللعين).

يستدير الابن من الكرسي الأول معزياً (هذه المرة سيحررون حماة يا أمي، ربما نستطيع بعدها أن نعود إلى بلدتنا)

تختنق الحروف في صدر الحاجة لتخرج زفرة طويلة، كادت توقد كل الجمر الذي حاولت إطفاءه في داخلي بتجاهل كل ما يحدث.

لم أستطع مقاومة كلّ ما يدور من حولي؛ لأبادرها بسؤال لم أكن بعده بحاجة لأي سؤال أخر، فالحزن القابع في تجاعيد وجهها تدفق جارفا جميع الشبكات التي زرعتها في قلبها.

(من أين أنت يا حجة؟) أتساءل:

(أنا من مورك) تسرع قائلة:

(تهجّرنا منها منذ بداية الثورة منذ خمس سنوات ونحن نتنقل من بلدة إلى أخرى،

خرجنا من مورك إلى اللطامنة، ثم منها إلى كفرزيتا، وبعد أن اشتعلت المعارك هناك لذنا بالفرار إلى البارة في جبل الزاوية، وبعد أن أُثقلت جيوبنا بدفع الآجارات المرتفعة هناك، انتقلنا إلى المعرة؛ ولكنها هي الأخرى لم تسلم من مجازر الروس والنظام ،فحمل أبنائي صغارهم بصحبة نسائهم إلى كفرنبل واستقرينا فيها، ولكن الغربة صعبة، وما كنّا نملكه وندخره نفذ.

البارحة عندما اشتد القصف علينا هلعت مثل المجنونة، أطلب من ولدي الأصغر أن يخرجنا بسيارته لنقضي الليل في البراري بعيداً عن البيوت والقصف حتى يبزغ الفجر، لكن ولدي فاجأني ببيع السيارة آخر ممتلكاته).

تتوقف السيدة لتمسح عبراتها بطرف ثوبها، فهي تذكر أنها ما خرجت بمورك إلا بواحد مثله والحذاء المتهالك على درب الانتظار، بعد أن تركتْ جنى العمر تحت طاحونة الأنظمة الفاجرة.

صمتٌ سرى بكل أركاني، وأنّى لي أن أنبس ببند شفة أمام هذه المآسي، وكيف لي أن أعتبر نفسي ممن أعاني بعدم قدرتي على استكمال حلمٍ ربما يصنف من الكماليات، أمام أعمدة بيتها المتهاوية، وأمام تاريخ عمرها المغتصب.

تقطع صمتي قائلة: (كاد قلبي يتوقف ليلة أمس وخاصة أني أركب ثلاث شبكات اصطناعية بعد كل الخوف والقهر الذي عشته، وما قصرت في حمد ربي محتسبة ذلك في سبيل النصر).

التفتت إلى ابنها بملل: هل مازال الطريق طويلا يا بُني؟

لا يا أمي سنصل قريبا.

بقي السؤال الذي أثارني منذ البداية، خاصة وأنا لا أرى إلا بعض المتاع القليلة معهم، ربما هي ألعاب الطفولة أو كوفية الحاج ومهباجه.

أستجمعُ قواي وأسألها دون النظر في عينيها: (خالتي إلى أين تذهبون الآن)

تجيب بشيء من الحيرة: بعد كل معركة تشتعل، كان الأمل يحذوني بأني سأعود إلى مورك بعد أن يحررها  الثوار، صحيح أن بيتي تهدّم وأن شجرات الفستق قُطعت، لكنَّ خيمةً صغيرةً تحت شجرة الفستق الأبدية الباقية قبل هذه المحرقة تكفيني للبقية القليلة من العمر.

وأما الآن ونحن متوجهون إلى الشمال، فسنشتري هذه الخيمة ونبنيها على أي أرض، بعد أن لفظتنا أرضنا وباعنا القادرون ليتشروا بثمننا أسلحة منتهية الصلاحية لمعاركهم على أرض مورك لعشرات السنين القادمة، والتي ستؤول إلى نفس المآلات والفجائع في كل مرة.

ربما هناك في الشمال أستطيع شراء ثوبٍ جديد، لاستبداله بثوبِ مورك التي باتت تغسل الدماء من أثوابهم.

تتوقف الحافلة والحجة مسترسلة في كلامها، لينبّهني السائق بأنني الآن في إدلب وعليّ النزول.

أتمنى للحاجة تغريبة جديدة أقل مأسوية، وأترَّجل مكملة طريقي، لا ألوي على شيء سوى محاولة تشتيتَ دموعي قبل وصولي إلى قاعة الكلية.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل