قصص من وحي الحرب(5)…رحلة الألم

عندما مل الحياة دفعها للمخيمات مع أولادها، ليبقى وحيدا كما أعتاد أن يمضي وقته، فمن له غيرها عند الكبر ؟

0
نيرمين خليفة

نامت ليلتها كعادتها كل ليلة وحيدة في فراشها، تذرف الدموع على وسادتها، وتدفن رأسها بين صدري طفليها الصغيرين؛ لتمضي ليلتها مع لحظات القهر التي تتخللها كل حين مع تأوّهاتها وشهقاتها.

يدخل أبو رامي في كل ليلة البيت لينام وحيداً في الغرفة المجاورة المعدة لاستقبال الضيوف مبتعداً عنها، وهي ترقب خطواته بعد مضي نهاره الطويل الشاق في مكابدة الأولاد ومرارة الحياة.

تستمر الحياة على تلك الوتيرة منذ اندلاع الثورة عام ٢٠١١م، ويستمر الزوج الكئيب في حزنه مودّعا قوافل الشباب من أبناء حيّه؛ والذين بدأوا يرحلون تباعاً، ويستمر مسلسل هجرانه الطويل لها مع كل جنازة شهيد.

تقول أم رامي (لعله يختلق الأعذار الواهية، ليبرر كرهه لي)

وأحيانا تجد التبريرات له؛ بأنه لا يستطيع الخروج مع الثوار، ويقف في وجه الظلم، فينعزل وينطوي على نفسه.

تتابع أم رامي حياتها، وتسلّي نفسها في تنظف وتربية الأولاد. وتنزل إلى الأسواق  لجلب ألذ الأطعمة لزوجها -عمود الدار- كما يسميه أهل منطقتها، أبو رامي الودود مع الجميع، إلا أن تقصيره واضح مع زوجته المكسورة الخاطر والجناح.

تستمع لحديثه العذب مع ضيوفه على موائد الإفطار، وهو يسمعهم أجمل كلمات الصحبة والمودة ويلاطفهم بأحب الأسماء، أما أم الأولاد فتركن في زاوية المطبخ لتسمع الصيحات! و هي تخفي العبرات أثناء تلبية الواجبات. ثم تستسلم للنوم بعد يومٍ شاق ككل أيامها. وتستيقظ في الصباح على مسلسل الصراخ  والاتهامات بالتقصير، ويذكرها (الناس تموت وأنت تطالبين بحقوقك الزوجية، إنّ فؤادي يكاد ينفطر ألماً على شباب بلدتنا وشباب وطننا!.

انظري إلى زوجات الشهداء والمعتقلين، ومعاناتهن من فرقة وحرقة، عليك الصبر على مزاجي المعكّر، فأنا أعاني تأنيبا وجدانياً وقد كرهت الحياة، عليك أن تعتادي على موتي مع من ماتوا قبلي، أو اذهبي إلى أهلك واطلبي الطلاق)

تنكسر أم رامي كمزهريةٍ مهجورةٍ على طاولة منسية، وتنكمش على ضعفها، وتعكف على تربية أولادها صابرة على الصرخات والطلبات من جديد، يتخللها بعض اللكمات عند التقصير.

تتسارع الأحداث مع تقدّم الجيش، ويخاف أبو رامي على زوجته وأولاده، فيرسلها مع قوافل النازحين إلى مخيمات الشمال وكأنه يقول (ارتحت الآن)

هل ارتحت من طلباتي، وهي ليست إلا كلمة طيبة أو همسة رقيقة؟ وأنت لم تعد تتقن الكلمات.

هل ارتحت من نظراتي المشفقة إليك وأنت لم تعد تميز بين النظرات؟

هل ارتحت من أولادك أم هؤلاء الأولاد جاؤوا  صدفة؟

ممّ ارتحت أخبرني؟

هل هذا هو ثمن صبري على الظلم! أيعقل أن يعيش الإنسان تحت سقف واحد مع كل هذا الكره،

أنبكي ظلم سجانينا وجلادينا وسلاطينا السوء وفي بيوتنا آلاف القصص التي تئن  مكبوتة في عمق القهر؟.

هل نحن أظلم أم تلك الحرب التي نتهمها بقطع أوصال المحبة ومسخة الرحمة في قلوبنا؟.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!