سلسلة المدن المنسية (1)….إدلب لغزٌ استعصى عن الحل

مدينةٌ ترتدي الخضرة ما عاش الزيتون فيها، وتثبت وجودها مهما حاولوا حجبها، فما مصيرها؟ وماذا يضمرون لها؟

خاص بالأيام - حليم العربي

إدلب عاصمة المدن المنسية رغم جذورها؛ التي تصل للألف الرابعة قبل الميلاد في إيبلا، منسية رغم موقعها الجغرافي؛ كونها بوابة تركيا وطبيعتها الساحرة، حيث يختلط السهل بالجبل، وتحفّها المراعي في لوحاتٍ على مدار الفصول الأربعة، ترسمها تضاريسها الخلّاقة.

منسية رغم أنّها سلّة المنطقة الزراعية، حيث تحتضن ٣٥٠ ألف هكتاراً زراعياً؛ فقمحها قاسٍ من أجود الأنواع، وزيتونها أخضرٌ غنيّ بالزيت، وبين هذا وذاك مئات من المحاصيل الزراعية، ويشقها نهر العاصي بمائه العذب وتعتبر عاصمة لما يزيد عن ٥٠٠ موقع أثري منتشر حولها.

استقلّت إدلب عام ١٩٦١م عن جارتها حلب مركز التجارة والاقتصاد في الشمال السوري، وبدأت استعادة أمجادها وتاريخها وآثارها المختطفة من المتاحف السوريّة والعالميّة حيث أثّرتها بالمخطوطات والرٌقم والتماثيل.

انتفضت مدينة إدلب على الطاغيةحافظ الأسد منذ الأيام الأولى لتسلّمه الحكم عام ١٩٧٠م، فرشقته بوابلٍ من الأحذية البالية والبندورة كما يحكي أجدادنا ممن شهد الواقعة في خطابه الأول، أثناء حشده للجماهير في جولة للمحافظات السورية.

إدلب عاصمة المدن المنسية رغم تاريخها وزيتونها وموقعها الجغرافي لكن الثورة ستغير كل شيء

انتقم منها الأسد الأب بسياسة التهميش، فحرمها من حقوقها في الاستثمار والتنمية والخدمات، وأجهز على الكثير من شبابها في مجازر الثمانينات من القرن الماضي، وزع الموت على سائر ترابها الطاهر، إلا أنّها وجّهت لابنه أقسى الضربات مع اندلاع ثورات الربيع العربي في عام ٢٠١١م.

تعمّد النظام عزلها عن أخواتها بحرف مسار طريق حلب اللاذقية الدولي؛ الذي كان يمرّ خلالها فأصبحت مدينة سراقب عقدة الطرق الدولية القادمة من الساحل والجنوب والشرق حيث البادية السورية.

مدينة إدلب وسكانها أهل الكرم والضيافة:

يمتاز أهل مدينة إدلب بالطيبة والبساطة، ويعمل الكثير منهم بالزراعة، بل إنّ أهلها متمسكون بالعادات والتقاليد والانتماء، ويبرز أيضاً الطابع الديني والثقافي في هوية أفرادها.

حظيت مدينة إدلب وريفها باستقبال وفود المهجرين من المدن والمحافظات الأخرى؛ كثمن لما قدمته في الثورة السورية، لتتحول إلى عاصمةٍ للثوار والمعارضين السوريين، وتكاد تكون من المناطق القليلة التي يأمن الثوار فيها على أنفسهم، لكن هذه الطمأنينة أزعجت أزعجت النظام، فاستنفر خلاياه للوشاية، واستعدى مختلف أنواع الطائرات؛ لتنسف إداراتها ومشافيها ومرافقها العامة، كما بدأت الاغتيالات بالعبوات والسيارات المفخخة والكواتم الصوتية من قبل العناصر المبايعة لداعش، وفوق كلّ هذا نلاحظ أن الجهات الخارجية لا تتوقف عن التحريض بين فصائلها، لتشهد معارك عنيفة فيما بينها، لتتحول المنطقة الآمنة إلى جحيم لا يطاق.

تحاول إدلب منذ تحررها من عصابات النظام فرض الإدارة المدنية، وتسليم إدارتها لمختصين وأكاديميين، إلا أنّ العسكريين يحاولون خطفها رغم فشلهم المتتالي، إذ أنّ المتعارف لدى الكثير من المراقبين: أنّ الأشخاص الذين يتقنون الحرب لا يتقنون الإدارة إلا ما ندر.

يعيش الإدلبيون في حالة خوف بعد الحرب الأخيرة بين فصائل المعارضة، إذ يخوّف بعضهم سيناريو الرقة والموصل، ويأمل آخرون الانفتاح والشراكة مع الجار التركي في وجه مشروع الأكراد الانفصالي، أو التقدم الروسي والميليشيات الإيرانية. بينما يأمل الكثير أن تبقى الأوضاع في إدلب كما هي حتى إشعار آخر ضاربين عرض الحائط بكلّ التهديدات التي تردهم مفضلين الموت على الذل والحكم التركي للبلاد.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.