ماذا يعني فستان أبيض في زمن الحرب

الأيام السورية| آلاء محمد

فستان أبيض نابض بالأمل يؤجج الرغبة في هذه الحياة، يحمل بين طياته المطرزة اللامعة أبجدية الخلود، كياسمينةٍ دمشقيةٍ يغريني جماله لدرجة السحر.

دواء لحُمّى الألم والحزن المتراكم، ويسرق تفاصيل الأيام التي عصفت بي خلال هذه الأعوام، كلما نظرت إليه أسمعه يقول لي “يمكن بكرى أحلى”.

أذكر قبل الحرب عندما كنت أمرُّ أنا وصديقاتي من جانب محل فستانين الزفاف، نقف ونمعن النظر فيها نُثني على جمال تطريزها والموديلات الكثيرة التي تسحر الأعين، ووقتها كانت كلُّ واحدةٍ منا تختار فستانها وتقول هذا سوف أرتديه يوم زفافي..

في إحدى المرات وبعد يومٍ ممل تلقينا فيه عدداً كبيراً من المحاضرات، قررنا الهرب والتسكُّع قليلاً في حارات دمشق القديمة، أنا وزهراء وفاطمة وشيماء ومروة، كنا أنا ومروة من الطائفة السنية والباقي  من الطائفتين العلوية والشيعة، لا أذكرها بقصدٍ طائفي وإنما حُباً وتعايشاً.

دواء لحُمّى الألم والحزن المتراكم، ويسرق تفاصيل الأيام التي عصفت بي خلال هذه الأعوام، كلما نظرت إليه أسمعه يقول لي “يمكن بكرى أحلى”.

هكذا كنّا نعيش سابقاً، نحب بعضنا بِغضّ النظر عن الطائفة..حسناً سأعود إلى حديثي.

ذهبنا إلى سوق العرائس في الحميدية، السوق الشهير في دمشق، وقررنا أن نتسلى قليلاً، ادّعت زهراء أنها عروس وتريد أن تشتري فستاناً، وبدأت بقياس فستانٍ تلو الآخر..حتى شعر صاحب المحل أننا لن نشتري فطردنا بطريقة محترمة.

ضحكنا واستمتعنا كثيراً، كانت أيام جميلة..

حينها كنت أظن أن اختيار فستان الزفاف سهلاً..

والآن وبعد مرور سنوات وتغير حالُ بلدي، ومع ازدياد الحزن والألم فيها، أيقنت أن اختيار فستان الزفاف يحتاج الكثير من الحب والإرادة الجبارة لقهر الحرب.

عند النظر إلى فستانٍ أبيضٍ في إحدى المحلات السورية في بلاد اللجوء، تتناثر ذكريات الموت والاعتقال والفقدان ولون الدم من كل مكان.

تذكرت قصة أحمد الشاب السوري الذي تم اعتقال خطيبته من قلب العاصمة دمشق، أثناء بحثها عن فستان الزفاف.

كان آخر حديثٍ لي مع أحمد منذ عام، ولم تكن قد خرجت بعد من المعتقل.

كلما نظرت إلى تفاصيل تلك الفساتين، تراودني صور أصدقاءٍ وأقاربٍ حلموا بيوم زفاف مميز، وكانت ميزته للأسف مليئة بالفقدان.

وسط هذه الحرب اللعينة والموت المنثور في كل مكان، والقتل ورائحة الدم، دوماً يخرج فستانٌ أبيضٌ لفتاةٍ جميلة، يذكّرنا أن الحياة مازالت مستمرة وأن الأمل موجود.

سلوى ابنة عمي المدللة، أحبت علي أبو العيون الخضراء، وحدّدا موعد زفافهما، ولكن قبل أيام من الزواج، قُتل برصاصة قناص في مخيم خان الشيح في ريف دمشق.

في كل زقاق من بلدي تجد حكاية للموت والحرب، وفي كل مناسبة اعتدت تقليب صور الذكريات والتمعُّن بها.. لأتجاهل أسى تلك الحكايا.

ولكن مع ذلك الكم الهائل من الألم، كنت ومازالت على يقين أن من بين ركام المنازل المهدمة تتناثر رائحة حنّاءُ عروس مشبعةٌ بماء الورد، تفوح بلطف وتنبأ الياسمين، أن لا تيأسو،ا فلابد للظلم أن ينجلي وللفرح أن يعمَّ من جديد.

وسط هذه الحرب اللعينة والموت المنثور في كل مكان، والقتل ورائحة الدم، دوماً يخرج فستانٌ أبيضٌ لفتاةٍ جميلة، يذكّرنا أن الحياة مازالت مستمرة وأن الأمل موجود.

وأن تلك الفتاة ترتدي فستانها اللولي، العاري الكتفين، وتُخرج  أدوات زينتها.

تضع الكحلَ في عينيها، وأحمرَ الشفاه القاني على شفتيها، تنثُر القليل من عطر الورد وراء أذنيها، ثم تعلق فيهما قرطين يتدليان وينتهيان بلؤلؤة.

وأنها بفستانها المتألق وجسدها الناعم و عينيها البنيتين وابتسامتها اللطيفة ستأسُر الأنظار على خشبة المسرح، وستحطّم ضغوط الحرب وتأمرها بالتوقف.

وتنظر إلى كل هذا السواد وكأنه لم يكن..

لم نخلق لنموت بنيران الحرب وذكرياتها المشؤومة، بل لنُنجب أملاً لوطنٍ طالما تغنينا بحبه.

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend