فوبيا الزواج (1)

شبح البدلة البيضاء.

الأيام السورية؛ حليم العربي

تعتبر كلمة الزواج عند البعض رمزاً للسعادة الأبدية واكتمال نصف الدين الذي لا غنى عنه، والحلم الذي يُستحق أن يعمل من أجله ليل نهار بينما يتحوّل ذكر ذات الكلمة عند البعض الآخر لعقدةٍ نفسيّةٍ مزمنةٍ.

كثر في الآونة الأخيرة عزوف الشباب والفتيات عن الزواج، نظراً لعدة أسباب قد تبدو واقعيّة كالأوضاع السياسيّة الراهنة التي تمرّ بها البلاد بعد الربيع العربي ٢٠١١م، وقد تكون منطقيّة كعدم توفر الإمكانات الماديّة المشجعة لبناء هذا البيت، ولكن من الغريب أن نجد شباباً وفتيات يعزفون عن الزواج لأسبابٍ غير مقنعةٍ رغم توافر كلّ الإمكانيات لديهم وقد تتحوّل لحالةٍ مرضيّةٍ تعرف بالـ “جاموفوبيا” أو فوبيا الزواج.

لدى توجيه السؤال لمجموعةٍ من الشباب عن سبب تأخّرهم في دخول العشّ الزوجي يجيب نادرٌ باختصارٍ:  “لم أجد الفتاة التي تستطيع فهمي” بينما ترى نوال: إنّ حالتي لن تكون بأفضل من حال صديقتي رهف التي تطلقت بعد شهرين من الزواج رغم كلّ الحب الذي كانت تتكلّم عنه في أثناء الخطبة من قبل خطيبها المخادع، فالأفضل البقاء بعيداً عن هذه التجربة المريرة -وفق زعمها-“.  من يتابع عينةً من أولئك الشباب يرى في أعينهم كم هي مخيفةٌ فكرة الزواج بما يشبه الاضطراب النفسي بينما يتكلمون بثقةٍ عن تجاربٍ فاشلةٍ لأصدقاءٍ يكرهون تكررها ويعتبرون أنفسهم في وقايةٍ منها، ما ابتعدوا عن ذلك السجن أو القفص الذهبي وكأنّهم غير مُدركين لطبيعة الاكتئاب الذي يعيشون فيه.

فوبيا الزواج: هو خلل نفسي يظهر بشكل رهاب خارج عن سيطرة الشخص غير مستندٍ إلى أسبابٍ واضحةٍ دعت صاحبه للعزوف عن الزواج.

حيث سقط معظم هؤلاء الشباب في فخّ التعميم واستحضروا تجارب غيرهم ليقيسوها على أنفسهم ويشعرون بالفرح والرضا  بقرارهم الصائب كلما سمعوا بحالة طلاقٍ أو هجرٍ حدثت في محيطهم الاجتماعي، وأنّه كاد أن يسقط في ذات الفخّ لولا عناية الله به.

أبرز الصفات التي يتميّز بها من يصاب بهذا المرض هو: انعدام الثقة بالنفس على الرغم من نجاح بعضهم في الحياة العمليّة والاجتماعيّة، بينما نرى أشخاصاً فاشلين اجتماعياً استطاعوا بناء العشّ الزوجي بنجاح لا بل بعض الفتيات استطعن أن يرتقين بعائلاتهن رغم محدوديّة إمكانياتهم.

لا شكّ أنّ الأشخاص الطيبين يحتاجون  للمبادرة وتجاوز كلّ العوائق التي تحول دون إقامة علاقةٍ زوجيةٍ ناجحةٍ معهم، لأنّ مفاسد العنوسة وتبعاتها أكبر وأخطر على أولئك الأشخاص من كلّ المشاكل الزوجيّة ملح الخبز اليومي وضريبةٌ أساسيّةٌ لتلك المبادرة القيمة، إذ أنّ الفتاة التي تتمكن من استيعاب المشاكل اليومية العاديّة لن تستطيع تحمّل عبء الحمل لتسعة أشهر حيث يعيش الجنين في أحشائها ويقاسمها الغذاء والماء والهواء، كذلك الرجل الذي يضجر من أعباء المنزل في البداية لن يستطيع تحمّل أعباء الأسرة الكبيرة، ولن يستطيع حمل هموم أولاده وأحفاده الذي من المفترض أن يكون المرشد النفسي لهم جميعا.

إنّ الحياة الدنيا ليست الجنة الموعودة للبشر، لكن البعض يستطيع جعلها روضةً  خاصةً يحوّل كلّ منغصاتها ومشاكلها لحوافزٍ وتجاربٍ يرتقي بها مع شريك حياته الذي بذل الكثير لعقد الشراكة الذي سمّاه القرآن ميثاقاً غليظاً لما يحتويه من قدسيّةٍ تؤسس عليه الأسرة الخلية الأولى في بناء الهرم الاجتماعي.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل