تفتيت الأنظمة الهشّة…الحلقة الثانية من سلسلة الانحدار

0
خاص بالأيام - حليم العربي

ساهمت استراتيجية الدول العظمى في تعزيز الوهن وإضعاف النظام الإقليمي، وهي لاتزال تعمل جاهدةً لتفكيك الدول الكبيرة، وخاصةً في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالثروات، حيث ضخّت فيها وقود الطائفية عبر الإعلان منذ عشرات السنين، وجعلت من شعوبها خزّانات بشرية قابلة للاشتعال، ثم ذهبت تتسلّى بالعزف على وترها وإضرام نار الحرب هنا وهناك؛ لتحرق الأخضر واليابس، وتمتدّ من دولةٍ إلى أخرى عابرةً لحدود سايكس بيكو المصطنعة؛ ممّا يضعف تلك الدول ويتركها فريسةً للتنازلات.

الطائفية البغيضة جعلت أنظمة الشرق الأوسط والمنطقة العربية هشّةً، يسهّل قلب نظام الحكم فيها بانقلاباتٍ أو خياناتٍ أو بتنازلاتٍ وانتخاباتٍ وهميّةٍ، وقد تعتمد نظام الحكم الملكي بالوراثة كما يحدث في الخليج العربي منذ عقود، هذا الضعف كان نتيجةً لكمٍّ هائلٍ من المتناقضات تهدّد بتفجّر الأوضاع فيها كلّ حين، وتحوّلت قادة تلك الدول لكركوزاتٍ متحرّكةٍ بيد اللاعبين الإقليمين، مقابل حمايتهم بالقواعد العسكرية والأجهزة الأمنية التي أصبحت كشبكةٍ عنكبوتيةٍ تطوّق العالم بما تملكه من إعلامٍ ووسائل اتصال وترسانة سلاحٍ هائلة.

المتابع للمشهد بعد ثورات الربيع العربي لن يتكلف كثيراً من الجهد لاكتشاف حقيقة هذه الأنظمة وارتباطاتها وتبعيتها وأساليب الإدارة فيها بالأوامر والتعليمات من بعيدٍ، لأنّها كانت منذ تعيينها أنظمة وصايةٍ لا أكثر، بعيدةٌ كلّ البعد عن الشعوب ومتطلباتها تحرمها من الرفاه الاقتصادي؛ لتدفع ثروات البلاد من نفط وغاز ثمن بقائها في السلطة، وعدم زعزعة عروشها بتحريض شعوبها ضد الأنظمة.

ومن الأدلة الواضحة في هذا السياق ما أحدثته زيارة ترامب الأولى لمنطقة الخليج العربي، حيث وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعائلته إلى السعودية يوم السبت في ٢ مايو أيار وهي المحطة الأولى في أول جولةٍ خارجيةٍ يقوم بها منذ توليه منصبه في يناير كانون الثاني الماضي. هذه الزيارة عصفت بالعلاقات بين أفراد البيت الخليجي الواحد، وصعدت فيما بينها حتى وصلت للمقاطعة وسحب البعث الدبلوماسية وبعض التحركات العسكرية، وأبرمت صفقات السلاح للوقاية من أي تهديد خارجي.

ليست المرة الأولى التي تعبث فيها أمريكا بالمنطقة بعد أن نجحت في مصر سابقاً، بدعم انقلاب عبد الفتاح السيسي على الشرعية المنتخبة بتاريخ 3يوليو 2013م تمّ فيها عزل الرئيس محمد مرسي.

بينما فشلت حركات الفتنة الخفية لأمريكا في تركيا بعد عملية انقلاب فاشلة بتاريخ 15يوليو 2016م أشرف عليه فتح الله كولن المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية.

تخدع المظاهر السياسيّة والمراسم والتصريحات الخلّبية التي تطلقها حكومات تلك الدول، التي تبدو مستقلةً في الظاهر إلا أنّها محتلّة ومسلوبة الإرادة، بل من السهل تجزئتها وتفريق مجتمعها المبني على الطوائف، وافتعال الحروب فيها بينها كما حدث في العراق بعد إسقاط صدام”سقوط بغداد” في عام ٢٠٠٣م، وما يحدث في سوريا واليمن وليبيا الآن.

ليست تركيا وإيران والسعودية وكوريا الشمالية بعيدةٌ عن ذلك السيناريو الصاخب، وهذه السعودية وإيران تدقان ناقوس الحرب فيما بينها، وتحاول كلّ منهما حشد معسكرها ضد الأخرى، وكانت قطر ضحيّةً لتلك التجاذبات حيث تمّ سد طرقها البرية والبحرية والجوية في ليلةٍ واحدةٍ، وكأنها تُهيّئ للحرب وتمهّد لانفجارٍ جديدٍ في المنطقة سيهز العالم.

تحاول إيران العبور بهلالها الشيعي من العراق إلى سوريا ولبنان، وتحاول الأحزاب الكردية الانفصالية في الشمال السوري حصد أكثر ما يمكن من الأراضي والقرى استعداداً لولادة شرق أوسط جديد.

أبرمت السعودية صفقة أسلحة كبيرة مع الولايات المتحدة أثناء زيارة ترامب، وهي تعدّ لتحالفٍ سنيٍّ كبيرٍ يقطع المشروع الشيعي ويحجم الدور الإيراني وشهدت الحدود السورية العراقية في الأسبوع الأخير ما يعزز نبوءة الحرب.  فهل تصحو الشعوب على هذه المؤامرة الكبيرة لتحقن دماء أكبر عددٍ ممكنٍ من الضحايا، أم ستنقاد للمصيدة كما سقط من قبل فيها زعمائها ؟

روابط ومو

الحدود السورية 
البيت الخليجي الواحد

 

 

 

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!