رحلة المجهول.. تهجير قسري لشعب سوريا – الحلقة 2

مناطق التي تعرضت لسياسة للتهجير القسري

لا يمكن الفصل بين سياسة التهجير القسري، وبين ما يراد دولياً من سياسة تهدف إلى تمزيق وحدة الأرض السورية، عبر كنتونات عرقية أو طائفية، ذات تبعية معينة، بالتالي، نحن أمام تصديق نبوءة “الشرق الأوسط الجديد” وقيام “سوريا المفيدة” وكذلك “سوريا الجديدة” التي بشر بقيامها مسؤولون دوليون. ولعل سياسة التهجير هذه تسهم بشكل كبير في توزيع الناس وفق أسس معينة “تحشرهم” في مكان جغرافي محدد لإقامة المشروع الجديد وتعبيد الطريق أمامه.

الايام السورية
اعداد: جلال الحمصي
المقدمة: فرات الشامي
اشراف: عبدالرحمن نحاس

القصير

اجتاحتهـا مليشـيات حـزب الله، عـام 2013، وهجرت أهلهـا ودمـرت مسـاجدها، ومنعـت أهلهـا مـن العـودة إليهـا، ووطنـت مكانهـم شـيعة مـن مليشـيات طائفيـة وأهمهـم لـواء الرضـا مع عائلاتهم، ولم يخف الحـزب نيتـه تحويلهـا ملاذاً آمـناً للشـيعة، حيـث يؤكـد النائـب اللبنانـي معيـن المرعبـي تواجـد مطلوبيـن للحكومـة اللبنانيـة مـن حـزب الله، مقيميـن فيهـا، متمتعيـن بحمايـة مليشـيات الحـزب (التهجير القسري – الجسور للدراسات – سبتمبر 2016). مدينة القصير تحولت إلى ثكنات عسكرية ومراكز لتدريب الميليشيات الشيعية شهدت عرضاً عسكرياً كبيراً لحزب الله بمناسبة ما يسمى بيوم الشهيد 13-11-2016 شارك فيه المئات من مقاتلي الحزب، بالإضافة إلى فوج المدرعات الذي استعرض عشرات الدبابات والآليات الثقيلة والمدافع.

مدينة حمص

تعرضت أحياء مدينة حمص القديمة والتي تسكنها أغلبية سنية إلى قصف واسع وتدمير شبه كامل دفع معظم أهلها للجوء والنزوح. وبعد حصار دام لعامين، انتهى بعقد اتفاق بين النظام ومعارضيه برعاية روسية في 4 أبريل 2014، يقضي بإخراج المقاتلين البالغ عددهم 2250 مقاتلاً، إضافة إلى المدنيين الذين كانوا محاصرين معهم في المدينة إلى الريف الشمالي. هذا الاتفاق أدى، بحسب الناشط الإعلامي في مدينة حمص يعرب الدالي إلى تفريغ المدينة من معارضي النظام، واستقطاب موالين بدلاً عنهم، حيث انخفض عدد سكان حمص من مليون ونصف نسمة قبل بداية أحداث الثورة السورية إلى قرابة 400 ألف نسمة حالياً، بعد أن تم تهجير قرابة 65% من سكان المدينة الأصليين نحو دول الجوار ومحافظة إدلب (حسام الجبلاوي – مركز رفيق الحريري للدراسات الشرق الأوسط).

داريا

أربع سنوات من الحصار والجوع والقصف أجبرت من بقي من سكان داريا على التفاوض مع النظام في أغسطس 2016، والقبول بالتهجير القسري الذي فرضه عليهم أو إبادتهم، لتتحول المدينة التي كانت تضم 250 ألف نسمة قبل الثورة إلى مدينة فارغة من سكانها وخاوية على عروشها. بقيت داريا محاصرة أربع سنين محرومة من قوافل المساعدات الطبية والغذائية لتدخلها في 10 يونيو 2016 أولى قوافل الأمم المتحدة وفد غاب عنها المساعدات الضرورية وحضرت حبوب موانع الحمل وخيم مقاومة البعوض.

كانت شروط النظام بعد قصف عنيف وبشكل متواصل استخدم فيه كل أنواع الأسلحة: إما إخلاء المدينة بشكل كامل وتام وإلا إفنائها وإبادة من بقي فيها بالقذائف والحمم، ولم يكن أمام المحاصرين المنهكين وفي ظلال صمت دولي ولا مبالاة عالمية إلا القبول بشروط النظام القاسية والرضوخ لها. وبحسب تقرير نشرته الغارديان البريطانية على موقعها (14-1-2017) فقد تم استقدام 300 عائلة شيعية عراقية للاستيطان في داريا التي هجر منها أهلها.

معضمية الشام

بعد سنوات من الحصار القاس وبعد عمليات القصف المستمر دخلت معضمية الشام في ريف دمشق الغربي في مسار التهجير والتغيير الديموغرافي ليكتمل بالتهجير ما بدأه النظام باستهداف الحياة حصارا وقصفا. ففي يوم 19-10-2016 تم إخراج مئات المقاتلين مع عائلاتهم نحو إدلب شمال سوريا.

الزبداني

منطقة الزبداني من المناطق المستهدفة بالتهجير والتغيير السكاني، ففي مفاوضات جرت أغسطس 2015 بين وفد إيراني وحركة أحرار الشام بالنيابة عن جيش الفتح، طالب الإيرانيون بمبادلة السكان الشيعة في كفريا و الفوعة الواقعتين في إدلب بسكان الزبداني الواقعة في ريف دمشق وبشكل متعاكس. وهو ما رفضته المعارضة وأدى إلى انهيار تلك المفاوضات. غير أن محاولات التهجير السكاني المحمومة استمرت بوتيرة متسارعة. ففي تقرير نشره موقع الجزيرة نت 31-7-2016 أكد الأهالي وناشطون أن حزب الله اللبناني ينفذ تهجيراً طائفياً ممنهجاً للسكان بمنطقة الزبداني المحاذية للحدود مع لبنان، حيث أجبر الحزب أكثر من خمسين عائلة على مغادرة منازلهم بمنطقة العقبة، ثم نهب مقاتلو الحزب المنازل وأحرقوها. وروت إحدى السكان أن مقاتلي الحزب اقتحموا المنطقة وطلبوا من الأهالي إحصاءً دقيقاً لسكان كل منزل، مبررين ذلك بجلب مساعدات من الأمم المتحدة، وبعدها مباشرة بدأت عملية التهجير على مراحل، حيث أبلغوا ساكني كل حارة بوجوب المغادرة خلال خمسة أيام.

روت إحدى السكان أن مقاتلي الحزب اقتحموا المنطقة وطلبوا من الأهالي إحصاءً دقيقاً لسكان كل منزل، مبررين ذلك بجلب مساعدات من الأمم المتحدة، وبعدها مباشرة بدأت عملية التهجير على مراحل

ووفق المجلس المحلي في بلدتي مضايا وبقين، فإن هذه الواقعة تعد حلقة في “مسلسل التهجير الممنهج” الذي ينفذه حزب الله في منطقة سهل الزبداني بتسهيل من قوات النظام، حيث أجبر الحزب نحو مئتين وخمسين عائلة على مغادرة منازلهم خلال عامين، كما أجبروا قرابة خمسين ألف مدني على النزوح من الزبداني. ويقول رئيس المجلس المحلي محمد عيسى “أدركنا منذ بداية المعارك في المنطقة أن الهدف هو تغيير التركيبة السكانية على أساس طائفي، عبر تهجير الأهالي بغض النظر عن توجههم السياسي، فحتى المؤيدون للنظام تم تهجيرهم”. ويضيف أن الجامع الكبير في بلدة الحوش حوله حزب الله إلى حسينية شيعية “ما يؤكد الدافع الطائفي وراء عمليات التهجير”، معرباً عن مخاوفه من تغيير التركيبة السكانية بالمنطقة وتحويل كل المساجد إلى حسينيات.

مدينة حلب

تـم تهجيـر أغلـب سـكان مدينة حلب المحاصرة تحـت القصـف المتواصل والبراميـل والصواريخ، فتناقـص عـدد سـكانها فـي المناطـق الشـرقية التي كانت تحت سيطرة المعارضة منذ عام 2012، مـن نحو ثلاث ملاييـن إلـى 300 ألـف نسـمة. ومع اشتداد الحصار القاتل والقصف الروسي بأسلحة وصواريخ متطورة وفراغية رضخ المعارضون وتم توقيع اتفاق في ديسمبر 2016 والذي نص على تهجير ونقل المقاتلين وعشرات الآلاف من المدنيين نحو ريف حلب أو محافظة إدلب.

رجل سوري من المهجرين من مناطق الصراع داخل مدينة حلب يبكي حين وصوله إلى منطقة خان العسل التي تسيطر عليها فصائل المعارضة شرقي حلب في 15 ديسمبر 2016 وهو توقفه الاول خلال رحلته حيث تقوم مجموعات انسانية بنقل المدنيين الى مخيمات امنة في مدينة ادلب والجرحى الى مشافي ميدانية وذلك ضمن اتفاق يقضي باجلاء كل سكان حلب الشرقية من بيوتهم بعد أعوام من القتال داخل المدينة

(Photo credit: BARAA AL-HALABI/AFP/Getty Images)

نفذت قوات النظام والميلشيات التي تقاتل معها حملات إعدام ميدانية فور بسط سيطرتها على أحياء حلب الشرقية، منها إعدام الكادر الطبي لمشفى الحياة في حي الكلاسة، بعد اقتحامها للمستشفى أثناء تمشيطها للمنطقة. كما أعدمت 34 شخصاً وأحرقت حتى الموت تسعة اطفال في حي الفردوس، كما نفذت مجموعة من الإعدامات الميدانية في أحياء الكلاسة، الفردوس، الصالحين وبستان القصر. ويبدو أن أحد أهداف تلك الحملات بالإضافة إلى الانتقام، دفع عموم المدنيين إلى النزوح والهجرة والفرار والتخلي عن بيوتهم وممتلكاتهم.

التهجير الداخلي بالأرقام

من الصعب تحديد أرقام حقيقية لأعداد النازحين في سوريا، ويرجع ذلك لطبيعة ظروف الحرب القاسية وأساليب الدمار العنيفة والسياسة الوحشية التي يستخدمها النظام وداعموه.

بالمقابل، فإن معظم ما يقدم من أرقام يتوافق بأنها تدل على “ضخامة الكارثة وعظم المصاب السوري”، والذي يرقى ليكون أعظم مأساة إنسانية في عصرنا الراهن، بل ربما على مر جميع العصور.

“مركز رصد النزوح الداخلي” والذي يتبع للمجلس النرويجي للاجئين في 13-5-2014 في تقرير صدر عنه يشير إلى تصدر سوريا قائمة البلدان التي تشهد نزوحاً داخلياً في العالم خلال عام 2013، مع وصول عدد الهاربين من هول الأحداث المتواصلة إلى 9500 شخص يومياً؛ إذ سجل نزوح عائلة واحدة على الأقل كل دقيقة. وذكر التقرير أن سوريا تشهد أكبر أزمات النزوح في العالم وأسرعها تفاقماً، لافتاً إلى أن نسبة النازحين السوريين داخل بلادهم تبلغ 43 في المائة. وبحلول نهاية عام 2013، كان 8.2 مليون شخص قد نزحوا على مدار العام، بزيادة قدرها 1.6 مليون نازح جديد عن العام السابق. وهذا الأمر يمثل زيادة مذهلة تبلغ 4.5 مليون نازح على الرقم المسجل في عام 2012، مما يشير إلى ارتفاع قياسي للعام الثاني على التوالي.

في حين نشر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية إحصائية قبيل إصدار التقرير النرويجي، قدرت أعداد النازحين داخل سوريا 8.8 مليون، مقابل 3.2 مليون لاجئ خارج سوريا. ولفتت إحصائية الائتلاف إلى أن خمسة ملايين ونصف المليون طفل بحاجة إلى مساعدة، منهم أربعة ملايين و300 ألف داخل سوريا، و2.8 مليون طفل سوري خارج التعليم، و8 آلاف حالة اغتصاب.

نزح أكثر من 6.5 مليون شخص داخل سوريا بينما لجأ حوالي خمسة ملايين شخص إلى الخارج، لا سيما إلى البلدان المجاورة

قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي في مؤتمر صحفي عقد في العاصمة الأردنية عمان يوم 24 أكتوبر 2016 ونشر تفاصيله موقع المفوضية، بأنه منذ بداية “الصراع” في عام 2011، نزح أكثر من 6.5 مليون شخص داخل سوريا بينما لجأ حوالي خمسة ملايين شخص إلى الخارج، لا سيما إلى البلدان المجاورة. وقال غراندي: “إن حدود سوريا مغلقة تقريباً أو يصعب جداً عبورها، وتشعر البلدان المجاورة بأن قدراتها استُنفدت مع استقبال حوالي خمسة ملايين لاجئ سوري. وهذا يعني أن السوريين عالقون داخل سوريا في هذا الوضع المستحيل”. وأضاف غراندي: “هذا يعني أن النزوح داخل سوريا سيزداد أكثر فأكثر. ونحن نقدر بأن يكون 6.57 مليون شخص خارج منازلهم اليوم، وأنا متأكد من هذا العدد سيرتفع إذا لم يتوقف القتال”.

في مقال نشره موقع سي إن إن العربي بتاريخ 26-12-2016 بقلم فادي الجردلي (بروفيسور في السياسات والأنظمة الصحية في الجامعة الأمريكية في بيروت وعضو مجلس إدارة منتدى الأنظمة الصحية العالمية) ورشا فضل الله (باحثة في شؤون الأنظمة الصحية وعضو في منتدى الأنظمة الصحية العالمية)، جاء فيه أن المعنيون بالشأن الإنساني يصفون الأزمة السورية بأنها أسوأ أزمة إنسانية في تاريخنا المعاصرة، فيما تشير التقديرات إلى أن عدد النازحين داخل سوريا يقارب 7.5 مليون نازح، في حين يتجاوز عدد من نزحوا إلى الدول المجاورة 4.8 مليون.

التهجير القسري تبعات وتداعيات

لا يمكن الفصل بين سياسة التهجير القسري، وبين ما يراد دولياً من سياسة تهدف إلى تمزيق وحدة الأرض السورية، عبر كنتونات عرقية أو طائفية، ذات تبعية معينة، بالتالي، نحن أمام تصديق نبوءة “الشرق الأوسط الجديد” وقيام “سوريا المفيدة” وكذلك “سوريا الجديدة” التي بشر بقيامها مسؤولون دوليون. ولعل سياسة التهجير هذه تسهم بشكل كبير في توزيع الناس وفق أسس معينة “تحشرهم” في مكان جغرافي محدد لإقامة المشروع الجديد وتعبيد الطريق أمامه.

يمكن استقراء التوافق على الأمر من خلال قراءة في تصريح لـ”سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي بأن:

روسيا لا ترى مانعاً أمام إمكانية إنشاء جمهورية فدرالية، في حال توافقت الأطراف المشاركة في المفاوضات بشأن سوريا على ذلك

الأمم المتحدة التي تقف كطرف مراقب لما يحدث، لا يمكن وصف “حيادها” إلا بأنه “مشاركة” في هذا المخطط وتواطؤ غير معلن، بذريعة “إنقاذ المدنيين”.

عملياً، يعتبر الكيان الصهيوني أحد أبرز المستفيدين من المشهد، حيث يعتبر هذا التمزيق الإنساني والاجتماعي عاملاً يتقاطع مع الإرادة الصهيونية المتمثلة باستمرار هيمنتها على “فلسطين المحتلة”، وتعزيز تواجدها في إطار بيئة منقسمة ومتصارعة، بل أبعد من ذلك قد يؤدي الوضع لإحياء فكرة “إسرائيل الكبرى”.

بطبيعة الحال أدت عمليات التهجير المتتابعة إلى حرمان جيل كامل من التعليم، بالتالي تمزيق النواة المكونة لمجتمع سوري جديد، وإحلال أفراد “فقراء معرفياً”، بل ربما “جهلة”.

وهذه الأخيرة هي أخطر ما يهدد المجتمع السوري في المستقبل، وما يمكن أن يخلفه من آثار ليس على مستوى البلاد داخلياً، بل ما يمكن أن ينتج عنه من آثار سلبية على العالم، لعل “التطرف الديني” أولها.

أعتقد بأن التهجير القسري، وجه من وجوه إحياء وخلق بيئة ملائمة وحاضنة للتطرف الفكري، ومساهمة في تمزيق المنطقة، وإشغالها بالحروب.

الحلقة القادمة:
تهجير اهالي حي الوعر

 

المراجع:
مركز الروابط:
د.ياسر سعد الدين – مركز أمية للبحوث 20/1/2017 التهجير القسري – تعريف وتوصيف
https://goo.gl/70J7vt
موقع السورية نت 28-7- 2015:
https://goo.gl/KGcXAK

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend