الشهيد الحي “عبد الحميد اليوسف” وخواطر تتحدى اللغة

كالرمح ينتصب عبد الحميد، ابن خان شيخون الكليمة، شاب في مقتبل العمر ابن الثورة، وأحد نماذجها الصادقة.

0
الأيام السورية - عقاب يحيى

ويحكي كيف يتابع والمأساة جماعية، والفقدان لعائلة بكاملها، وقد بات وحيداً في لحظة كالكابوس وحين تفتح عينيك عائداً للحياة من موت محقق فلا تجد سواك  لتسأل  عن الزوجة وعن الولدين، وعن الأخوة والأهل، ويجيب  صمت الفناء، وغاز السارين هو الجواب، وقهقهات مجرم تردد صدى الحقد فينزّ قيحاً أسود، أصفر، أزرق بلون سماء خان  شيخون، التي لوثّها طيار بطائرة سوخوي 22 وهو يرمي بعض فجور الاستثناء.

تبكي الدموع الصمود، فيمسك محارم الوجل، ويتابع رواية بعض القصة، إنها المأساة، الشهادة الحيّة و لكنه أكثر تصميماً على فضح المجرم، وأكثر إصراراً على انتزاع الحياة وفاء للشهداء ولعهد الانتماء للثورة.

كنت أتأمله، وهو يروي لعدد من السفراء” أصدقاء الشعب السوري” بعض فصول الجريمة، لحظة بلحظة، وكيف عاشها!  وهو يتمالك أعصابه، ويغالب ألماً طافحا لا يتحمله إلا المؤمنون الصادقون؛ الذين قدّوا من جمر الكبرياء، إنّه ابن خان شيخون الناجي الوحيد من مجزرة الكيماوي لعائلة فقدت 25 من أبنائها، هوعبد الحميد اليوسف.

وجه عربي أصيل يطرق قليلاً احتراماً للحضور، ومهابة المأساة، وفعلها لكنه كالنهر النقي الذي يضخّ شيئاً من فصول الجريمة لحظة بلحظة.

(( الساعة السادسة و52 دقيقة، رأيناها بأمّ العين إنّها طائرة سوخوي 22 تلقي بحممها القاتلة، وقد اعتدنا مناظر الطائرات وهي ترمي البراميل، والصواريخ والقنابل العنقودية، النابالم وهي تدور حولنا والمنطقة سكنية لا وجود لأي مسلح فيها، ذهبت الطائرة بعد أن أفرغت حمولة الموت وعادت ثانية وثالثة وفي الرابعة كانت تطير على مستوى منخفض، وصوتها ليس قوياً مثل لص يسرق الحياة، وألقت بشيء مختلف لم يُحدث المعتاد عليه من الانفجار، وانتشر الموت!

عرفت من تجربتنا أنّه غاز، وليس قنابلاً أو براميلا!.

ركضت نحو عائلتي الصغيرة؛ زوجتي وولدي أحمد وآية أريد إنقاذهم، كانت أصوات الاستغاثة من كل الجهات، أسعفونا:  أنقذونا:  نحن نموت!  نختنق!

والاستغاثات تضجّ بفضاء عجّ بالموت السريع، زبد كالرغوة يخرج من الفم وزرقة ودوخة واختناق، كأن الصدر ينفلق يريد شيئاً من الهواء النقي، والهواء قاتل، وشيئاً فشيئاً  يرتمون.

ركضت باتجاه أهلي كان أخي يحاول إنقاذ ولده عبد الكريم، وأخي الآخر أيضاً يبذل جهده عساه يفعل شيئاً لأولاده، وأحاول وكأنني طائر فوق ركام الجثث المنتشرة، وقد تكوّمت في كل مكان وأنا أجري بين أهلي كالمصروع وانصرعت، ورُحلت كالمئات إلى ما تبقى من المشافي المقصوفة وأفقت بعد ست ساعات بالمشفى بين عشرات الجثث المرمية حولي، والكثير اعتقد أنني مثلهم فارقت الحياة، لكنها إرادة الحياة والله لأكون الشاهد الحي، وما تبقى من عائلتي أرويها للأجيال، ويفضح مجرماً يبيد شعبه، ومجتمعاً دولياً صامتاً.

حين فتّحت عيوني كان المنظر مرعباً محفوراً بقوة في عيوني وذاكرتي خلت القيامة قامت أو زلزالاً خصّ البشر فقط، فرحت أسأل عن عائلتي الصغيرة زوجتي وولديّ وأهلي وأخوتي وأبنائهم كان الصمت الحزين والوجوم ينبئ بالكارثة.

25 من العائلة وأنا الناجي الوحيد ؟!.

تمنيت لو كنت مثلهم ولم أرَ، أو أعش تلك الحالة التي لا توصف، نشف الدمع فلا مكان له، أو هرب خوفاً من هول ما حصل، علمت أن لا أحد بقي حيّاً، وأنني وحيد وأنهم جميعاً استشهدوا.

وعزمت على أن أبذل جهدي لفضح القاتل، وأن أخصص حياتي لإيصال رسالتهم للعالم أجمع، عساه يضع حداً لهذا النوع من القتلة! عساه يعرف ما يجري لبلادنا المنكوبة!.

إني أحمّلكم مسؤولية ما يجري وأناشدكم إنقاذ شعبنا )).

ويحلّ صمت، وتبتل عيون معظم الحاضرين بالدموع، وتحضر الأسئلة، وعبد الحميد متماسك يتكلم بمنطق هادئ، ووعي مؤثرْ والوثائق التي جمعت تتكلم بوضوح عن طبيعة الغاز، ومن ألقاه، والطائرة ونوعها وقد رأوها بالعين المجردة، ويعلن استعداد المنطقة لاستقبال أي لجنة تحقيق، وأية وفود تريد معاينة ما جرى وأن جميع الوثائق موجودة، وتثبت فعل المجرم.

سلسلة من الحقائق يرويها عبد الحميد، تتجاوز الغاز القاتل إلى أنواع الموت الأخرى بالبراميل و النابالم والفسفور وغيره، حصار الجوع والبؤس، وفقدان المواد الغذائية، و قصف  جميع المشافي والنقاط الطبية، واستهداف طواقم الإسعاف والمنقذين، والدفاع المدني وموت الأطفال ومأساة خان شيخون، وإدلب ، وسورية.

وأقف أعزّيه والكلمات ناشفة، تفقد روحها بعد أن حصد السارين أرواح عائلته بالكامل، ويشمخ عبد الحميد رجولة ويودع الحضور بمزيد من التصميم، ودمع جامد في مآقي الحقيقة.

قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!