أنا إرهابي

0

إعداد| فرات الشامي
ألصقت التهمة الكيدية منذ انطلاق الانتفاضة الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني، ثم بدت أكثر وضوحاً فيما يسمى أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حتى بات الانتماء “جريمة” والهروب منها شبه مستحيل، وتصاعدت وتيرة الحرب على “الإسلام” وبكلمةٍ ثانية على “المسلمين”، حتى بتنا نخشى مقولة “أنا مسلم”، لأنها توازي “أنا إرهابي” أو “أنا مجرم”.
توجسٌ يلاحقنا على المستوى الفردي والاجتماعي، فما إن يذاع خبرٌ عاجل على المحطات الفضائية عن حادثة قتلٍ في أحد الدول الأوربية أو الغربية عموماً حتى ترفع الأكف للسماء داعين “الله” ألا يكون القاتل “مسلماً”.
في العام 2000 قرر زميلي “الهجرة” إلى كندا، كاد ينهي أوراقه لكن لعنة الحادي عشر من سبتمبر كما يقول “أجهزت على حلم السفر”، والتهمة أنه “فلسطيني مسلم”، وكانت لحظاتٌ كارثية تشابه لحظة الاستعداد لـ”جنازة”، أو توديع “ميت”.
الأمر نفسه اليوم عاد مجدداً لم يختلف، فاللحية تهمة، مع أنّ معظم الأطباء الأوربيين، والفنانين يطلقون لحاهم، وكذلك الحجاب “تهمة” مع أنّ القسيسات يضعن حجاباً على رؤوسهن، لكن سياسة الكيل بمكيالين تزداد مع ضعف المسلمين، بل مع ضعف “النخبة المثقفة المسلمة” في طرح “الإسلام” بمفهومه الحقيقي “الوسطي”.
صحيفة العربي الجديد نشرت على لسان الكاتب “عبد الوهاب الأفندي” وهو رئيس برنامج العلوم السياسية والعلاقات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا قوله:
(( أذكر أنني أوصيت، في أول زيارة لمركز كارتر في أتلنتا لحضور مؤتمر حول الحروب الأهلية، بعد مطالعة خبر يحدّد ضحايا القتل في أميركا في ذاك العام بأكثر من 24 ألفاً، بضم الحالة الأميركية إلى جدول مداولاتنا، فهذا العدد يبلغ ثمانية أضعاف ضحايا واقعة برج التجارة العالمي! )).
الكلام السابق خير شاهدٍ على أن “الجريمة” ليست فعلاً دينياً أو صفةً تلاحق جماعةً بعينها، فكما أنها حالة غير أخلاقية، كذلك هي حالة مرفوضة على لسان “الإسلام” نفسه، والأرقام السابقة لا تكذب وليس للمسلمين فيها أي علاقة.
المفارقة أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة رفضت وضع قيودٍ على من يشتري السلاح أو يحمله في “الولايات المتحدة الأمريكية” واعتبرت ذلك من “الحريات الشخصية”، بالمقابل يزداد مع الوقت لاسيما في عهد “ترامب” الحديث عن مكافحة ما يسمى “الإرهاب الإسلامي” كأحد أولويات السياسة الأمريكية ولعلها باتت من أولويات الدول الغربية “عموماً” بعد أن باتت عدوى تنتقل بسرعة بين الدول لـ”إرضاء طرفٍ ما”.
المشكلة أو العدوى تلك انتقلت إلى “المسلمين” وتناولناها وفقاً لمزاجنا وأهوائنا بعيداً عن الضوابط أو حتى فهم خلفيات الموضوع، فكنا نمارس “الانتقائية” ذاتها التي مارسها “الغرب” في مواجهة “الإرهاب”، ولقد لعب الإعلام العربي دوراً مهماً في هذا الشأن، فشارك في تحويل “الجريمة الفردية” إلى صراع بين “أمتين” وترسخت في أذهان الشباب “نظرية المؤامرة” حين تناولت بعض المحطات الفضائية جرائم قتلٍ ارتكبها مواطن أجنبي ضد مواطنٍ آخر مسلم في دولةٍ غربية ما.
الإشكالية ليست في “الإسلام” وليست في “المجتمعات الغربية” بل هي مسؤولية تشاركية ساهمنا نحن المسلمين في تعميقها وترسيخها بمحض اختيارنا، فالقضية ليست أن نتبرأ من عملٍ إرهابي تم ارتكابه في دولةٍ ما، وإلا فإنّ فرنسا لم تتبرأ من احتلالها وقتلها للسوريين زمن احتلالها لـ”سورية” وكذلك “بريطانيا” لم تتبرأ من تعذيب معتقلين مصريين أو من حادثة “دنشواي” المشهورة، بل ما يعنينا اليوم تكريس سياسة أكثر انفتاحاً على الآخر والمهمة الملقاة على عاتق المهجرين والمغتربين العرب كبيرة وهذا دورهم، فالمسألة “ثقافية فكرية” تحتاج إلى “عرضٍ” واضحٍ غير “مبهم” لقضايا المسلمين يسود فيها “الحوار”، ولدينا في “الإسلام” ما يساعد على فتح باب الحوار والتواصل وها هو ذا قرآننا الكريم يقول لنا: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ، كما أنه لدينا قول الله : وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ. أما في حال استمر العداء وتحول إلى قوة احتلال كما فعل “الروس” في سورية أو “الصهاينة” في فلسطين، فإن لغة المقاومة بالسلاح في الأرض لا تتغير وهي حقٌّ أخلاقي مشروع لا ينكره إلا جاهل، وحالات الحرب في الإسلام لها مفهومها وضوابطها وليس المكان هنا لسردها.
عبثية ما يحدث في العالم اليوم تجر المنطقة إلى حربٍ عسكرية مفتوحة تعمق قاعدة العداء بين الشعوب في العالم بدل “طرق باب الحوار والتواصل الحضاري”، إذ يستحيل أن نتخيل سكوتاً من الشباب من الطرفين على حالات “التهييج والتلاعب بالمشاعر” وفق مسمياتٍ “دينية” بالتالي فرصة الاصطدام تزداد.
“أنا إرهابي” إحدى الكلمات التي لازالت في ذاكرتي منذ الطفولة قالها شابٌ أفغاني على “شاشة الجزيرة” متوعداً “أمريكا” بالويل لأنّ في قنعته أنها قادمة لتحتل بلاده دون وجه حق، “أنا إرهابي” هذه العبارة لن تقف عند حدود “سورية” إن استمر الوضع القائم اليوم، فالمنطقة على بركانٍ يغلي تنظر لحظة الانفجار، ويقع على عاتق الجميع أن يتنبه وهي مسؤولية تشاركية بين الدول.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!