الشمولية خلال القرن العشرين

والآن يمكن لمختلف قطاعات إدارة الأمن الوطني أن تتصرف بأي طريقة كانت دون الخوف من التعرض للمحاسبة في أي محكمة كانت، وهو الأمر الذي صار أوضح من أن نتحدث عنه بإستفاضة.
وقد أظهر عدد من التقارير الحديثة المزيد من الأنشطة التي تمارسها هذه القطاعات ومنها التقرير الذي أعده جيرمي سكاهيل وجوش بيجيلي، والذي يفيد بأن وكالة الاستخبارات الأمريكية قد أمضت سنوات طويلة في محاولة فك شفرة أجهزة آبل الآي فون والآي باد، فقد سعت هذه الوكالة بكل ما لديها من قوة لمهاجمة شركة أمريكية بالكامل (وحتى وإن كانت عملية إنتاج قطع غيارها تتم فعليًّا بالصين).
فيما أفاد ديفلين باريت أن وكالة الاستخبارات الأمريكية، وهي هيئة ممنوعة من إجراء أي عمليات تجسسس محلية من أي نوع، قد ساعدت هيئة المارشالات الأمريكية (وهي هيئة تابعة لوزارة العدل) على إنشاء شبكة رقمية جوية لتفتيش الهواتف الخلوية الأمريكية؛ فالطائرات تسافر عبر 5 مدن أمريكية وهي تحمل نوعًا من التكنولوجيا تحاكي أبراج الهواتف الخلوية، وقد خضعت هذه التكنولوجيا للتطوير والاختبار في مناطق حرب أمريكية نائية لتنتقل الآن إلى أرض الوطن، وهو ما يعد جزءًا من عملية متواصلة لعسكرة البلاد من حدودها وحتى قوات الشرطة بها.
ومن آن لآخر تظهر بعض الأخبار بشأن المزيد من التوسعات وإعادة التنظيم بل وتطوير قطاعات عالم الاستخبارات، وهذا النوع من التقارير قد أصبح يشكل جزءًا لا يتجزأ من حياتنا بحيث إنه نادرًا ما نلحظ وجودها.
ونقلًا عن النيويورك تايمز، فقد تم تكليف مركز الاتصالات الإستراتيجية لمكافحة الإرهاب – وهي هيئة مجهولة تابعة لوزارة الخارجية– بدور جديد وتوسعي لتنسيق جميع الرسائل التي يتم توجيهها حاليًا لمواجهة البروباغندا التي تتطلقها المنافذ الإرهابية على الإنترنت من أمثال الدولة الإسلامية، وقد كلّفها بهذا الأمر عدد من الجهات الفيدرالية الكبيرة ومن بينها البنتاغون وغيرها من هيئات الأمن القومي والاستخبارات.
 وطالما هناك كيان يسعى جاهدًا لينفذ نشاطاته وأعماله في الخفاء، فهناك الكثيرالذي لا نعرف بعد، ولا بد أن ندرك أن ما يجري ما هو إلا مؤشر لظهور شيء جديد في العالم الأمريكي (حتى إذا لم يكترث أحد لذلك).
 تسريح وإبعاد الشعب الأمريكي عن الجيش :
في النهاية، هناك نظام أمريكي جديد وصارم ينشأ أمام أعيننا والوضع الحالي يبدو مخالفًا لكل ما تعلمناه في صغرنا عن أعمال حكوماتنا، وخاصةً مع زيادة معدلات الفقر وتثبيت الرواتب وظهور طبقة الـ 0.01% وانهيار قطاع العمال وعسكرة المجتمع بكل هذا الوضوح.
وقد بدأت علمية إبعاد عامة الشعب عن الصورة من خلال تسريحه من الجيش وجاء ذلك كرد فعل مبدئي لما مارسه المجندون الإجباريون من تمرد وتخريب أثناء حقبة الحرب الفيتنامية – وخلال عام 1973، وبأمر رئاسي لم يتم الإعلان عن جيش من المواطنين مرة أخرى وتم تكليف شركات الإعلان بمهمة البحث عن المجندين الجدد (وهي صورة أخرى من صور خصخصة الدولة)، ومنذ ذلك الحين وقد تم إرسال العامة إلى منازلهم على ألا ينخرطوا في الشؤون العسكرية مجددًا – ومنذ عام 2001، وقد ترسخت فكرة إبعاد وتسريح عامة الشعب وتحولت إلى أسلوب حياة تحت مسمى الحفاظ على أمن الشعب وسلامته – ومنذ ذلك الحين، وقد حصرنا أنفسنا – نحن الشعب– في ثلاث صور مختلفة:
1.  اليسار في حركة احتلال وول ستريت مع رفع شعارات نسبتي الـ 1% و99% وبذلك فإنهم وضعوا قيم عدم المساواة الاقتصادية على خريطة الوعي الأمريكي.
2.  واليمين في حركة الشاي وهي حركة تعبر عن الاستياء والسخط ويعمها ويمولها جزئيًّا ناشطو الجناح الأيمن وأثرياؤه والتي تهدف إلى نزع الشرعية عن مفهوم الدولة الراعية.
3.  إلى جانب الجولة الأخيرة التي تلي مظاهرات فيرغسون والتي يحفزها على الأقل جزئيًّا عسكرة قوات الشرطة في مجتمعات أصحاب البشرة الداكنة والسمراء بالبلاد.
ميلاد نظام جديد :
هذه الفترة الزمنية لا تمثل صورة سياسية مختلفة قد تكون فاسدة أو متطرفة كما هو معتاد، والحملة الانتخابية لعام 2016 ليست مجرد انتخابات كما هو معتاد، والوضع الذي تمر به واشنطن ليس كما هو معتاد.

وحينما نضع النقاط السالف ذكرها جنبًا إلى جنب، سندرك أن هناك شيئًا جديدًا يشبه لعبة الكرة.
 وعلى الرغم من وجود تخطيط محنك لكل هذه النواحي، فقد لا يكون هناك نمط أو تصميم معين مسيطر خلال هذه المرحلة، بل إن هذا التغيير بالأحرى تلقائي في الأساس.

وفي المقابل، لم يكن هناك ما يدعو للإعلان رسميًّا عن التخطيط لشيء جديد، ناهيك عند عقد اجتماع دستوري جديد.
ولكن لا يمكن التغافل عما يجري من إعادة كتابة للنظام السياسي الأمريكي من قبل الأطراف المهتمين بالأمر من أعضاء الكونغرس وطبقة الأثرياء والشركات من أصحاب المصالح وجهات الضغط والبنتاغون والمسئولين بإدارة الأمن الوطني  –  ومن الفوضى التي تشهدها هذه الحقبة المطولة ومن قلب النظام القديم، تولد ثقافة جديدة ونوع جديد من السياسة والإدارة أمام أعيننا.
 يمكنكم أن تطلقوا على هذا الأمر ما تشاؤون، ولكن لا يمكنكم تجاهله!.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل