تركيا وحتمية كسر الخطوط الحمراء

بقلم: العميد أحمد رحال
 على مدار خمس سنوات من عمر الثورة السورية والقيادة التركية وعلى لسان أعلى مسؤوليها رسمت الكثير من الخطوط الحمراء، منحت من خلالها الكثير من الآمال للشعب السوري، لكن كل خطوطها تحطمت، كان أولها الخط الأحمر بعدم تجاوز أعداد اللاجئين لحد الخمسين ألفاً ممن يقتلهم ويسبب بهروبهم نظام “الأسد”، ولديها الآن ما يفوق (2.7) مليون لاجئ، والخط الأحمر الثاني من أن مأساة مدينة “حماه” لن تتكرر في “حمص”، فدمر “الأسد” كل المدن السورية وأصبحت مدن سوريا أسوأ من “حماه 1982″، تركيا قالت أن عودة النظام للحدود التركية خط أحمر، وأن كانتون كوردي في الشمال السوري أيضاً خط أحمر، فوصلت ميليشيات النظام إلى التشارك مع ميليشيات حزب الاتحاد الديموقراطي (البي يي دي) وعادت لمعظم الحدود مع تركيا.
تركيا تعلم أنها في وضع لا تحسد عليه, فالأمر لم يعد عدم الوفاء بالوعود للشعب السوري والثورة السورية، بل تعداها لخطورة تمس الأمن القومي التركي, وتركيا تعلم أن الرضوخ للضغوط الغربية والأمريكية وصمتها عن طائرتها التي أسقطها الخبراء الروس ببطارية صواريخ أسدية فوق السماء التركية انعكس وبالاً عليها، وتركيا تعلم أن كل جهودها وصداقتها مع الغرب لم تستطع أن توقف الدعم العسكري واللوجيستي الروسي والأمريكي لأعدائها من فرع العمال الكردستاني في سوريا والمتمثلة بمليشيات “صالح مسلم” و”هيثم مناع”، وتركيا تعلم أن ثمن خدمات القاعدة الجوية “أنجريلك” التي قدمتها للأمريكان ذهبت مجاناً ودون أثمان.
عندما أعلنت الخطة المشتركة بين تركيا والتحالف الإسلامي بقيادة المملكة العربية السعودية والتي يمكن أن تتطور لتدخل عسكري بري في سوريا، أيضاً تركيا كانت تعلم أن لديها ثلاثة أحزاب تتحفظ على أي مشاركة خارجية للجيش التركي, وتركيا تعلم أيضاً أن حلف الناتو الذي رفض تفعيل المادة 4و5 من ميثاق حلف الناتو لصالح تركيا فإنه لن يوافق ولن يساند تركيا بأي تدخل عسكري خارج الحدود، وكذلك أمريكا.
معارك الشمال السوري في الريف الحلبي خلطت وكشفت كل الأوراق ولم يعد هناك ما يمكن أن يكون غامضاً ويحتاج لتحليل، الميليشيات الكوردية المتحالفة مع مرتزقة “جيش الثوار” هي حليفة الروس والنظام، والتوغل “الروسي_الأسدي” وصل على مقربة من الحدود التركية بعد أن فك الحصار عن بلدتي “نبل والزهراء” ثم أوكل متابعة بقية المهمة باتجاه الحدود التركية للمرتزقة من قوات سوريا الديموقراطية، والحدود أصبحت مهددة ولم يبق إلا بلدات “مارع” و”إعزاز” وبوابة معبر “باب السلامة”، والكانتون الكوردي أصبح شبه أمر واقع, وخريطته ظهرت بكل وضوح في مكتب الممثلية الكوردية لحزب الاتحاد الديموقراطي وإدارة الحكم الذاتي التي تم افتتاحها مؤخراً في موسكو.
 تركيا تدرك من أن مواقفها الداعمة للشعب السوري والمخالفة للمشروع الفارسي والمشروع الروسي سيكون له أثماناً باهظة، كانت أولى دفعاتها عبر التفجيرات الإرهابية التي طالت المدن التركية في “سروج” و”ديار بكر” و”أنقرة” و”استانبول” وليس آخرها الذي وقع اليوم بتفجير “أنقرة” مرة أخرى, ولكن التفجير الأخير لامس المحرمات وأصاب مقتل، فالعبرة ليست بعدد القتلى بل بموقعه ونحن نتحدث عن تفجير حصل على مسافة تقل عن (300)م من مقر رئاسة هيئة الأركان العامة للجيش التركي، وعلى مقربة من مقرات قيادة القوات البرية والجوية والبحرية، وعلى مقربة من البرلمان ومقر رئاسة الوزراء.

 
المخطط الروسي أصبح أكثر من واضح في تكتيك تعامله مع الجغرافية السورية، فحدود سوريا المفيدة أو “الدويلة العلوية” أصبحت شبه جاهزة، والكانتون الكوردي يٌرسم على نار هادئة واقترب من النضوج، وتركيا تدرك أنها لم تعد فقط مهددة بالخطر بل أصبحت في مركز دائرة الخطر، فتقسيم سوريا يعني الخطوة الأولى في بدء إعداد مخططات التقسيم في تركيا, فدويلة لـ (2) مليون علوي سوري ستثير شهية (8) مليون علوي تركي يتمركزون على مقربة من الحدود السورية لإقامة دولة مشابهة في إقليم “هاتاي” التركي ومدنه في أنطاكيا واسكندرون، وإقامة كانتون لأقل من (2) مليون كوردي سيعطي الضوء الأخضر لأكثر من (17) مليون كوردي يعيشون في جنوب تركيا ولا تنقصهم الرغبة بذلك.
الأمن القومي التركي أصبح في خطر، والتدخل التركي لـِ لجم عصابات الإرهاب الكوردية أصبح ضرورة, أوروبا تريد تركيا موطناً مؤقتا للاجئين وذاك جلَ اهتماماتها (كما قالت المستشارة الألمانية ميركل)، وأمريكا تمضي بتفضيل الأكراد على مصالحها مع تركيا، وروسيا وإيران ومعها نظام الأسد يتربصون الشر للرئيس “أردوغان” ولكل إنجازاته عبر أحد عشر عاماً دفعت بتركيا إلى مقدمة الدول الصاعدة اقتصادياً ويريدون تخريبها.
تركيا اليوم في مرحلة صعبة، وتعبر منعطف خطير، وعليها اتخاذ القرار, وقرارها الحتمي بالعبور نحو الأمام سَيٌدعم عربياً أو على الأقل من المملكة العربية السعودية وقطر، والثورة السورية والجيش الحر من المؤكد أنه سيضع كل إمكانياته ليكون رأس الحربة في الداخل السوري ولأي قرار تركي بالعبور والقضاء على الإرهابيين.
عبر التاريخ حافظ الجيش التركي على مكانة رفيعة وسمعة طيبة، فالجيش التركي لا تٌهان له كرامة وهو المؤتمن على دستور وحدود وكرامة الشعب التركي, فهل تعلنها تركيا صيحة مدوية وتكسر القيود التي تحاول تكبيلها؟؟؟
الخطوط الحمراء التي حطمتها تركيا عام 1974 عندما أحست بالخطر على كيانها ودخلت قبرص وفرضت ما تريد، لم تكن بأهم وأقوى وأخطر مما يحصل الآن … فهل تعيدها تركيا مرة أخرى وتحطم كل الخطوط الحمراء؟؟؟
الجميع ينتظر قرار أنقرة …..

كلنا شركاء

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل