التموقع الإقتصادي العربي في عالم العولمة..

للكاتب : محمد البورقادي

SAMSUNG CAMERA PICTURES

لقد تركزت الثروة في المجتمعات الرأسمالية بأيدي قلة من الأفراد بينما تعاني الملايين قسوة وشظف العيش ..فالولايات المتحدة

الأمريكية واليابان والإتحاد الأوروبي تسيطر على اقتصاد العالم حيث تحوز أكثر من ثلثي الناتج العالمي!
في إطار اقتصاد السوق وفي حضن العولمة القادمة من البلدان الصناعية أصبحت الفئات الرأسمالية هي المسيطرة على العملية الإقتصادية برمتها ..حيث سيطرت الطبقة الرأسمالية العربية القليلة العدد نسبيا على الحكم في أكثر البلدان العربية وطبقت مبادئ الليبرالية الجديدة وأفكارها ..وبسبب ذلك انشطر المجتمع العربي إلى فئتين ..الأولى تُسهم في تنمية الإقتصاد العالمي وتنامي الإحتكارات العالمية والثانية قاصرة عن تنمية اقتصاداتها المحلية ..
إن الليبرالية الجديدة هي الخلفية النظرية لخطاب المنظمات الدولية ..البنك الدولي وصندوق النقذ الدولي ومنظمة التجارة العالمية ..والتي تحاول أن تنزع من الدولة دورها في تحقيق العدالة الإجتماعية وقد نتج من تطبيق سياسات تلك المنظمات الدولية مضاعفة أرباح المراكز الإحتكارية في العالم ..ففي ظل هيمنة السوق الحرة ورفع القيود الجمركية واتفاقيات التبادل التجاري الحر التي تنعقد بين البلدان وخصخصة المنشآت والمؤسسات العمومية ..تنامت احتكارات الشركات العابرة للقارات التي تفيد من هذه السوق الموحدة المتحررة وغدت أرباحها خيالية ..مما أدى إلى اتساع دائرة اللامساواة وانتشار الفقر بين الطبقات المتضررة التي لا تجد سبيلا لتصريف بضائعها محليا ولا دوليا..فتحرير التجارة والتوسع في الإنفتاح الإقتصادي هو إحدى آليات إنتاج الفقر ..لأن النظام الإقتصادي العربي لا يمتلك الشروط الظرورية للكفاءة الإنتاجية والتنافسية وبالتالي لا يمتلك القدرة على تصريف الإنتاج خارجيا ..ونتج عن ذلك ارتفاع نسبة البطالة كرد فعل طبيعي لتراجع الشركات الغير قادرة على المنافسة في الأسواق الكبرى ..كما أدت السياسات الخاصة بالأسعار التي ترمي إلى الثماثل مع الأسعار العالمية إلى رفع الدعم عن كثير من الخدمات فنجم عن ذلك زيادة في الأسعار لم تكن الطبقة الفقيرة لتواكبه وكانت الحصيلة هو حرمانهم من بعض الحاجات الأساسية
كما أن غياب نمو اقتصادي مرتفع يوازي النمو الديمغرافي المتسارع يعجل بتفاقم الفقر وتعميمه أيضا..ذلك أن انخفاض معدلات النمو في القطاعات الزراعية وإلغاء التدابير التي تحمي الصناعة المحلية يفضي إلى ارتفاع معدلات التضخم الذي ينعكس على النمو الإقتصادي ..
وفي ظل عدم التحول لصناعات جديدة كالنماذج التكنولوجية “المعلوميات والإتصالات ” التي تواكب متطلبات السوق العالمية والمحلية يبقى تحقيق التنمية الإقتصادية المنشودة أمرا غير وارد !
ولا شك أن لهذا التخلف عن “النظام العالمي المعولم” له عواقبه من ضمنها زيادة الدين الخارجي والداخلي نتيجة لزيادة النفقات وقلة الإيرادات “والتي يوازيها النمو السكاني في غياب النمو الإقتصادي” ..
وشروط تقديم القروض للبلدان العربية منخفظة الدخل من طرف المؤسسات المالية الدولية كالبنك الدولي يصاحبها التأييد السياسي ومسألة السلام مع إسرائيل ..وليس لهذا الأمر من مفرّ سوى الإسراع في محاولة لتحقيق التكامل الإقتصادي العربي.. وحتى هذا الحل يظل متجاوزا لعدم توفق جامعة الدول العربية إلى الوصول لاندماج اقتصادي عربي وفتح سوق عربية مشتركة.. أي مناطق حرة معفية من الضرائب الجمركية.. نتيجة لتضارب المصالح بين هاته البلدان ..ونتيجة لارتباطات هاته البلدان الخارجية الشرق أوسطية “المشروع الأمريكي” والمتوسطية” المشروع الأوروبي”..
إن الإقتصادي العربي لا يعاني فقط من ضعف التكامل الإقتصادي بل من عدة تحديات لعل أهمها هو محدودية الناتج المحلي ونصيب الفرد منه ..وتبعية نموه لأسعار النفط والمردود الفلاحي السنوي..وتذبذب الإدخار وتدني الإستثمار والتخلف التكنولوجي والعلمي .. ولعل الإشارة لرقم معاملات شركة الفورد للسيارات الذي يفوق الدخل الوطني لجنوب إفريقيا برمتها أكبر مثال على قوة التقدم العلمي التكنولوجي ودوره في الرفع من النمو الإقتصادي ..
ينبغي توجيه عوائد تصدير النفط التحويلات المالية المهمة التي تحولها الجالية المقيمة بالخارج ..والتي تشكل أكبر مصدر للعملة الصعبة تضاهي صادرات الفوسفاط والقطاع الفلاحي ..لتمويل بناء اقتصادات صناعية وزراعية وخدمية قادرة على بناء اقتصاد يتطور ذاتيا بدلا من إخراج الأموال إلى البلدان الأجنبية واستعمالها في المضاربات العقارية والأسهم ..
فتتوسع بالتالي الأنشطة الإقتصادية الحالية ويزداد التصنيع ..فيتم استيعاب القوة العاملة بالتدريج مساهمة بذلك في تراجع البطالة وارتفاع مستوى المعيشة والتعليم ..هذا الأخير الذي يحدُّ من النمو الديمغرافي المتزايد..
كما يجب تقليص الهوة بين مراكز البحث العلمي ومؤسسات الإنتاج .. لما من شأنه تحويل البحث العلمي إلى قوة تقنية فعالة تساعد على رفع القدرة التنافسية للسلع التجارية العربية عن طريق تقليل كلفة الإنتاج ورفع مستوى الجودة..
تميز العقد الأخير من القرن العشرين باتجاه الإقتصاد العالمي نحو العولمة والشمولية وإلغاء الحواجز التي تحول دون الحرية الكاملة لتدفق البضاعة والرأسمال كما العمالة والتكنولوجيا حيث أصبحت الدول الصناعية ترحب بتصدير صناعاتها للدول النامية..
لقلة تكلفة اليد العاملة والعامل الضريبي فيها ..وغدت المتروبولات والميكالوبولات الآن هي عصب العولمة وشبكته الإستراتيجية التي تتحكم في جل التدفقات التجارية الخدماتية المعلوماتية التكنولوجية في العالم والتي تؤسس لها المناطق الحرة عبر العالم وتدعمها القوانين النيوليبيرالية ..فبات أي اقتصاد تبعا لذلك غير قادر عن التطور بمعزل عن هذا الأرخبيل الممتد الأطراف ..وباتت الدول الصناعية الكبرى.. كما كانت.. هي الدول التي التي تقود وتسيطر على احتكارات وإيرادات هاته الأخطبوطات ..ولا شك أن المستفيدين من هذا النظام العالمي هم قلّة قليلة تستحود على ما يزيد عن %80 من ناتج العالم الخام والفئة الأخرى لا تنعم إلا بإيرادات الإقتصادات التقليدية الغير المتطورة وبعوائد النفط والأرض التي إن لم تستثمر فيها بحق وبعقلنة لن تتمكن من اللحاق بمصاف العولمة ..

محمد البورقادي باحث في علم الاجتماع والانتربولوجيا
المصدر: الحوار المتمدن

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل