اللاجئون وإشاعة “أسلمة أوروبا”

خيري حمدان
هل تخشى أوروبا من أسلمتها، وقد عبر حدودها مئات آلاف اللاجئين المسلمين؟ قبل أيام، صرّح مصدر رفيع المستوى من بروكسل، رفض الإفصاح عن هويته لوكالة فرانس برس، بتوزيع عاجل لقرابة 170 ألف لاجئ بين دول المنظومة الأوروبية. وتعداد اللاجئين المرتقب عبورهم الحدود الأوروبية كبير للغاية، قد يتجاوز المليون، قادمون من الشرق ويعتنقون الإسلام. لكن، هل توجد مخاوف من أسلمة الغرب؟ لو كان الأمر كذلك، لما دعا البابا فرنسيس إلى فتح أبواب الكنائس الكاثوليكية والمعابد، وتغليب الطابع الإنساني على السياسي، بالتعامل مع أزمة اللجوء. لا توجد مخاوف من أسلمة الغرب، بالقدر الذي يخشى العالم الغربي فيه من انغلاق هذه الفئات في تجمّعات “غيتو” في معظم أنحاء المنظومة الأوروبية، من دون الاستفادة من الفرص المتاحة لديه للتواصل والاندماج، أخذًا بالاعتبار إنّ موجة اللجوء الحالية هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.
لكن، يبقى السؤال قائماً بشأن إمكانية نجاح نموذج التعدّد الثقافي في العالم الأوروبي، المبني على العلمانية واحترام حقوق الإنسان؟ وعلى الأرجح، سيطغى هذا النموذج في المجتمع الأوروبي شديد التنوّع والخاضع لقوّة القانون، وليس لقانون القوّة، خصوصاً وأنّ نسبة اللاجئين محدودة مقارنة بتعداد الشعوب الأوروبية التي تعتنق المسيحية، وهناك دولة أوروبية واحدة فقط يرتفع معدّل مسلميها على 10%، من دون أن تشهد صراعًا دموياً، أو قتالاً على خلفية عقائدية، هي بلغاريا، أمّا باقي دول المنظومة الأوروبية، فنسبة مسلميها تقلّ عن ذلك بكثير.
لمواجهة أزمة اللجوء، هناك ضرورة للتفكير في اتجاه سياسيّ واستراتيجيّ مختلف، بعيدًا عن المخاوف المرتبطة بعقيدة اللاجئ، الباحث عن المأوى والهارب من الموت والفناء، في ظلّ القتال المندلع والمحتدم في منطقة الشرق الأوسط، عدا عن المهاجرين الاقتصاديين الهاربين من إفريقيا الفقيرة، وهذه محنة سيتعرّض لها الاتحاد الأوروبي في القريب العاجل، حتّى بعد التغلّب على الأزمة المندلعة في الشرق الأوسط، وفي الذهن فرص العمل والرفاهية والحريات الشخصية في القارة الأوروبية.
وقد ظهرت، أخيراً، أصواتٌ في اليمين الأوروبي تنادي، بصورة عاجلة، بإعادة النظر في

توجهات اللاجئين العقائدية، والعمل على تنصيرهم، لكي يستحقوا المساعدات الاجتماعية التي يطمحون بالحصول عليها. تأتي هذه النداءات هنا وهناك، وخصوصاً في الدول التي تشهد حملات انتخابية برلمانية وغيرها، لإرضاء فئات المجتمع العريضة، والحصول على الأصوات، ملقين باللائمة على حالة التسامح التي يبديها بعض القادة الأوروبيين تجاه الوافدين، ومعتبرين أنفسهم والطبقات التي يمثلونها مهدّدين بالانقراض، بسبب طغيان الديانة الإسلامية مقابل المسيحية في البلاد، بعد حين. وصرّح المعنيون علانية بهذه المخاوف، مذكّرين بزيادة عدد المساجد الفائضة عن حاجة الأقليات المسلمة، عدا عن حصصهم الكبيرة من صندوق الضمان الاجتماعي والصحي التي تجبى من صندوق الضرائب الوطني، وضرورة تقديم العناية الصحية والطعوم للأطفال والأدوية ومخصّصات مالية ومأوى ومسكن وما إلى ذلك. والأمر، على ما نذكر طالب اليمين مقابل هذه المقدّرات اعتناق الهاربين من الموت في العالم الإسلامي الديانة المسيحية، والعمل على نموّ المجتمعات الأوروبية، وفق المفاهيم الديمقراطية الأوروبية.

حلّ جذور الأزمة
ارتفعت معدّلات المواطنين البريطانيين الراغبين بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي لقرابة 51%، حسب آخر الاستطلاعات، للحدّ من موجات الهجرة ضمن حدود الشنغن، وازدادت أصوات القوميين الفرنسيين الرافضين استيعاب اللاجئين من أصول شرقية وإسلامية، وهذا يعود عملياً إلى عدم تطبيق الاتحاد الأوروبي الآليات السياسية، ووضع الخطط الاستراتيجية لمواجهة الأزمات، والتعامل معها بصورة آنية، وترك الحبل على غاربه، حتّى إشعار آخر.
تتمثّل المأساة في الممارسات الأوروبية في محاولة حلّ الأزمات التي تواجه الاتحاد بطرق تقنية، وعلى الفور تبدأ العمليات الحسابية التقليدية والمادية، لمعرفة كلفة هذه الأزمة أو تلك، وكيفية توزيع الموازنة بين الدول المعنية، من دون البحث عن حلّ جذري للأزمات المتنامية، ومن دون اعتماد خلفية سياسية حقيقية للتعامل معها. وتتمثل الاستراتيجية المرتقبة بالبحث عن إطار عام لتحديد المخاطر الناتجة عن استيعاب هذه الأفواج الكبيرة، الباحثة عن النجاة في دول الاتحاد، وخصوصاً الغنية منها، مثل ألمانيا والنمسا وبريطانيا والسويد، وطرح إمكانيات وقف الحرب المشتعلة، المنتج الأكبر والأساسيّ لحالة اللجوء والتهجير القسرية في منطقة الشرق الأوسط.

الأمن الأوروبي
الملفت للأنظار بدء دول نادي الشنغن فرض آليات تفتيش على حدودها المشتركة، وبذا تتخطّى أسس معاهدة الشنغن التأسيسية ومبادئها، في وقت نلاحظ فيه أنّ الدول المرشّحة، وتلك التي تخوض محادثات
للترشّح للانضمام للمنظومة الأوروبية، تتحمّل مسؤولية كبيرة تجاه اللاجئين، تفوق بكثير مسؤولية دول الشنغن، مثالاً على ذلك تركيا التي تجاوز تعداد اللاجئين السوريين لديها المليونين، عدا عن العراقيين والجنسيات الأخرى، وكذا مقدونيا التي تعاني الأمرّين في مواجهة حالة اللجوء. وهناك أصوات غربية، صدرت وتصدر عن قادة الاتحاد الأوروبي باتت تطالب باتخاذ سياسة جديدة، من أجل توسيع إطار الاتحاد الأوروبي وحدوده لضمان أمنه بصورة جادّة في الجناح الشرقي المتاخم للقارة الآسيوية.
على الاتحاد الأوروبي أن يعيد التفكير جدياً في النظام العالمي الذي يرغب به، في العقود المقبلة وحتّى القرن المقبل، وسط هذه التغيّرات الحيوية ليس بعيدًا عن حدوده، وإعادة النظر في النموذج المطروح في مجلس الأمن والهيئة الأممية التي يبدو بأنّها استنفدت طاقتها الإبداعية لحلّ الأزمات، حسب ما جاء في كتاب “النظام العالمي” لهنري كيسنجر. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن آلية استخدام الفيتو حالت دون اتخاذ قرارات استراتيجية في منتهى الأهمية، كادت أن تقلب المعادلة وتوقف العنجهية الأسدية منذ زمن بعيد. هناك ضرورة لنموذج جديد، تنتهجه المنظومة الأوروبية، ليس فقط من أجل حماية أمنها. ولكن، للمساهمة بجرأة في وضع أسس لحماية الأمن العالمي، وأوروبا ليست بمعزل عن ذلك.
طرح الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، أخيراً، مبادرة للإبقاء على اللاجئين في شمال أفريقيا وصربيا وبلغاريا في مراكز لجوء مؤقّتة، حتّى يتم حسم أمورهم القانونية، وتحديد المستحقّين للحصول على وثائق اللجوء دون غيرهم. لكن، هل يمكن لهذه الدول استيعاب مئات الآلاف في مراكز لجوء مؤقّتة، وهي غير قادرة على العناية والاهتمام بمشكلات مواطنيهم الأصلية. وأمثال ساركوزي كثيرون، يحاولون جاهدين الإبقاء على الأزمة في الجبهة الشرقية للاتحاد الأوروبي، وهذا أمرٌ في غاية الصعوبة، ويفتقر لاستراتيجية ورؤية بعيدة المدى لحلّ أزمة اللجوء. وكذا استيراد آليات الجدار العازل ما بين إسرائيل ومصر، لرفعه على الحدود الهنغارية والبلغارية.

فتح سفارة أوروبية لدى داعش؟
أدت الحرب في يوغسلافيا إلى هجرة قرابة 4 ملايين مواطن. لكن، وبعد انتهاء الحرب هناك، والتوصّل إلى اتفاقيات سلام وحسن جوار، عاد معظمهم إلى بلادهم. هناك قناعة بأنّ أنجع الطرق لوقف حالة اللجوء الهائلة وقف الحرب الدائرة في المنطقة، مع الأخذ بالاعتبار صعوبة عودة الأجيال الجديدة إلى المشرق، بعد أن نمت وترعرت في القارة الأوروبية.
تطرح الصحافِيّة الإيطالية، لوريتا نابوليوني، في كتابها “الدولة الإسلامية”، الذي صدر أخيراً، تساؤلات عديدة، أهمّها بشـأن غياب تصوّر وسياسة أوروبية واضحة لكسب الحرب المعلنة من قوات التحالف ضدّ داعش في سورية والعراق، فهل يعني التراجع عن عملية الحسم العسكري اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية، والبحث عن طرق سياسية بديلة للتفاهم مع داعش؟ ما يعني كذلك الاعتراف بهذا التنظيم المخالف للرؤية السياسية الحديثة، وافتتاح سفارة أوروبية لدى داعش. لا تعني نابوليوني، بالطبع، الوصول إلى هذا المآل، لكنّ تساؤلها يدلّ على غياب رؤية سياسية أوروبية حاسمة بشأن أزمة الشرق الأوسط، في وقت بدأت فيه القوات الروسية التدخّل العسكري المباشر لصالح نظام الأسد. وقد أعرب وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، عن قلقه البالغ بشأن وجود مستشارين عسكريين روس في دمشق، في اللقاء الذي جمعه مع زميله الروسي، سيرغي لافروف، وفقًا لما نشر، أخيراً، بشأن وجود قوات روسية في سورية لدعم الأسد، ضمن خطة مكافحة الإرهاب في المنطقة. ومن المتوقّع أن يؤدّي رفع حدّة المواجهة العسكرية، وتصعيد آلياتها، باستخدام أسلحة روسية متفوّقة، من المتوقع أن يؤدّي إلى مزيد من الهجرة القسرية، هربًا من موت محقّق.
وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد نشرت أن موسكو أرسلت خبراء ومستشارين عسكريين إلى سورية، مع معدّات عسكرية وأجهزة رقابة ورادارات وإمكانية مشاركتها ودمجها في العمليات الجوية الموجّهة ضدّ القوات المعارضة لنظام الأسد. ولم تنشر وكالة تاس الروسية للأنباء أيّة معلومات بشأن الردّ الذي تقدّم به لافروف بشأن مخاوف كيري، عدا عن اتفاق الطرفين على مواصلة الاستشارات في الأشهر المقبلة، للتوصّل إلى حلّ سلمي في سورية.

وقد حمّل بوتين أوروبا وزر تبعيتها للولايات المتحدة الأميركية، والالتزام بتعليماتها،والأن تدفع أوروبا الثمن،
وتواجه أزمة لجوء غير مسبوقة. ولنا أن نتساءل عن النتائج المترتبة عن التدخّل العسكري الروسي المباشر في سورية، وما سيترتب عليه من رفع موجات الهجرة مجددًا في المرحلة المقبلة؟ وأعرب بوتين عن دهشته لانتقاد وسائل الإعلام الأميركية المعاملة الأوروبية القاسية للاجئين، وأميركا هي التي تسبّبت بحيثيات هذه المأساة، من دون أن تواجه مخاطر موجات اللجوء الكبيرة على حدودها.
وفي السياق الأوروبي، لا يمكن للمنظومة الأوروبية المقامرة بنظامها الأخلاقي الذي تبنته، وأصرّت على الاحتفاظ به، طوال القرون الماضية، على الرغم من رفع شعارات معادية للجوء على الطرق السريعة في هنغاريا، مثلا، تشير إلى سرقة اللاجئين فرص العمل المتاحة للمواطنين الأصليين، وتهديد الديانة المسيحية في البلاد، ونشر “يوتيوب” مقطعًا يظهر فيه رفض اللاجئين الطعام والكساء، ومطالبتهم بأكثر من ذلك، وهذه محاولة لتأليب الشعوب الأوروبية ضدّ اللاجئين. في الوقت نفسه، احتشد مواطنون كثيرون في النمسا احتفاءً باللاجئين، وقدّموا لهم الطعام والمأوى، وكذا في بروكسل وغيرها من العواصم، لكنّ الدنمارك ناشدت السوريين في الصحف اللبنانية بعدم التوجه إلى هناك.

مارين لوبين: عبيد في ألمانيا وليسوا لاجئين: 
استغلت زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف، مارين لوبين، أزمة اللجوء، وواجهت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، التي فاجأت الجميع بترحيبها باللاجئين، وصرحت لوبين أنّ ألمانيا تجمع فوق أراضيها عبيدًا وليس لاجئين، حسب وكالة رويترز للأنباء. وتواجه ميركل انتقادات عديدة من مناوئيها في ألمانيا نفسها، حيث ظهرت بحلّة قيادية نادرة، معلنة عن استعداد بلادها استيعاب أعداد كبيرة من اللاجئين، تبلغ قرابة نصف مليون سنوياً. وتجدر الإشارة إلى أنّ النمو الاقتصادي الألماني قادر على استيعاب أيدٍ عاملة كبيرة، وسيجد اللاجئون فرص عمل في معظم مساقات الحياة، وأوروبا عامّة تفتقر للمهن اليدوية والحرفية “اللحام والنجارة والحدادة والتعدين والفندقة”، وتحتاج، بصورة عاجلة، لخبراء في مجال المعلومات وتقنيات التواصل والطبابة، ويمكنها الاستفادة بوضوح من موجة اللجوء في المستقبل المنظور، عدا عن إيجاد حلول معقولة للأزمة الديمغرافية ومواجهة الشيخوخة التي باتت تلقي بظلال ثقيلة في معظم أنحاء القارة الأوروبية.
وقد تمكّن اليمين الأوروبي من الاستفادة، إلى حدّ كبير، من حالة القلق والتوتر في المجتمعات الأوروبية، وتملك لوبين فرصة كبيرة للتأهل للمرحلة النهائية في انتخابات الرئاسة الفرنسية عام 2017، في أجواء مواتية، حيث يرفض غالبية الفرنسيين تخفيف الشروط المفروضة للحصول على حقّ اللجوء في فرنسا، حتّى لللاجئين السوريين الهاربين من آلة الموت في بلادهم، لكنّ الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، فضّل دعم المستشارة الألمانية ميركل، وتقدّما ببيان عام لقادة الدول الأوروبية، للعمل على إيجاد آلية فاعلة لتوزيع اللاجئين بين كل دول المنظومة، والعمل على دمجهم في تلك المجتمعات.

العربي الجديد
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.