السمع والطاعة يا مولانا “الروس”

بقلم : أحمد قاسم

كان متوقعاً أن تتحرك روسيا باتجاه أخذ قرار التدخل العسكري المباشر في سوريا عند المفترق الذي ستتحول سوريا فيه نحو التغيير عسكرياً. إن الأشهر الماضية من الإقتتال بين قوات النظام وكتائب الجيش الحر مع فقدان النظام للعديد من المواقع المهمة في البلاد من جهة, وتحرك قوات “داعش” باتجاه دمشق وتغلغلها نحو الداخل اللبناني مع إشارات إستفهام أما هذا التحرك, وكذلك التحرك الدبلوماسي النشط من قبل الموفد الدولي السيد ( دي ميستورا ) مع مناقشة مبادرته التي أصبحت واضحة في نقاطها الأربعة مع تأييد دولي وعدم رفض المعارضة لتلك المبادرة بشكلها الكلي ولو حددت بعض من الملاحظات التي لا تغير جوهرها.. والتحرك التركي الأخير لإنضمامها إلى التحالف الدولي ضد داعش, وإعلانها عن مشروعها نحو إقامة منطقة آمنة على حدودها بين مدينتي عزاز وجرابلس وبعمق خمسين كيلومتراً, وهذا يعني أن مدينة حلب (وهي ثاني أكبر المدن السورية وعاصمة إقتصادها) تبقى عرضة للتحرير من قوات النظام, مما سيؤدي إلى تغيير حقيقي في ميزان القوى قد يؤدي إلى إسقاط النظام بشكل فعلي.. كل ذلك كان كافياً ليشكل مخاوف حقيقية لدى الروس, وخاصة أن النظام في دمشق كان يؤشر على ذلك, وهي حليفه الإستراتيجي منذ تولي البعث الحكم في سوريا على عهد الإتحاد السوفيتي والإستمرار على المحافظة لتلك العلاقة بعد إنهيار السوفييت إلى يومنا هذه.
لقد تحركت روسيا بعد أن أيقنت بأن الحل السلمي الذي كانت تروج له من خلال إستضافتها للمعارضة السورية بعيد المنال وفقاً لخريطتها, و أن النظام في دمشق يقترب إلى حدود الإنهيار بعد كل الدعم العسكري والمالي والدبلوماسي له. فكان لابد من التحول إلى مرحلة أخرى, والتي تمثلت بالتدخل المباشر عسكرياً لإنقاذ ما تبقى من النظام تحت حجج ومبررات لطالما استعملتها التحالف الدولي في إعلانها للحرب ضد الإرهاب.. حيث أن حجة روسيا لتدخلها العسكري على أنها جاءت لمناصرة النظام في مواجهة الإرهاب ( وهي تعني ما تعنيه من هم الإرهابيون حسب تعريفتها ) والتي قد تشمل قوى المعارضة المسلحة التي تعمل على الأرض في بعض الحالات إن إضطرت إلى ذلك لتوجيه ضربات قاسية لها بغية تغيير المشهد على الأرض ومن ثم فرض حلول إستسلامية على المعارضة بشقيه السياسي والعسكري في ظل غياب معارضة دولية لهذا التدخل السافر.
ومن خلال قرائتي للمشهد الدولي, يبدو أن التحفظات التي تظهر من هذا الجانب أو تلك, وخاصة من الجانب الأمريكي لاتترفع إلى المستوى المطلوب لردع روسيا حين توجيهها ضربات باتجاه الجيش الحر والذي يمثل حقيقة الثورة السورية. وأن المغامرة الروسية في هذا التدخل يبدو كانت مدروسة بشكل جيد بعد أن راهنت فرنسا على أنها ستحرك جبهة شرقي أوكرانيا إن تحركت روسيا عسكريا بإتجاه سوريا.. وأن الرهان على الأزمة الأوكرانية الروسية لتخفيف الضغط على المعارضة السورية من قبل روسيا يبدو أنه لايتجاوز نوعاً من البروباغاندا في الدبلوماسية الدولية.. والآن يتحرك المشهد بشكل جدي نحو إشراك الأسد في أي حوار سياسي للبحث عن حلول سلمية للأزمة السورية.. ويبدو أن أمريكا والإتحاد الأوروبي أصبحتان مقتنعتان بأن أي طرح لشكل من أشكال الحلول ولا يشمل الأسد لا يمكن أن يكتب لها النجاح في ظل تغيير للمعادلة على الأرض والمجتمع الدولي عاجز أن يتخذ قراراً أكثر عدلاً وإنصافاً للشعب السوري بعد كل تلك الكوارث وحجم الدمار.. ويبدو أن مع التدخل الروسي المباشر ستتحول الثورة السورية إلى واقع جديد أكثر مأساة.. فإما أن تتماسك القوى على الأرض وتصنع معجزة قد تحرك ضمير العالم للوقوف أمام هذا التدخل أو يرفع الشعب السوري يديه ويستقبل الروس بحفاوة مع العض على الجراح وتنافق كما كان ينافق لحكومات وقائد البعث تحت شعار الإستسلام لقدره ويقول: السمع والطاعة يا مولانا “الروس” لطالما أمريكا لم تتعرف علينا بعد.

قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل