عندما تتحول المأساة إلى مهزلة

بقلم: سالم المرزوك

الأمور في عموم المنطقة وبشكل خاص في العراق، ليست قابلة للمناقشة لأنها خرجت عن المنطق والأوراق إختلطت بحيث يصبح فرزها مستحيلا! عندما قال الطيب الذكر “كارل ماركس – إذا تكررت الحادثة في التاريخ مرتين فإنها في المرة الأولى تأتي على شكل مأساة وفي المرة الثانية تأتي على شكل مهزلة” فإنها ليست كلمات عابرة من قبل واحد من أهم فلاسفة العصر الماديين. فأحداث العراق في شباط 1963 وهجمة صبيان البعث على الناس وزج الشعب العراقي بكامله في السجون وحين إمتلأت السجون والبيوت والمتاحف والمكتبات العامة توجه صبيان البعث لإستخدام الملاعب الرياضية كسجون ومعتقلات. كانت تلك أول مأساة حقيقية في تاريخ العراق بعد تأسيس الدولة العراقية. هم الآن نفس الصبية بعد أن مضى بهم العمر وأصبحوا شيوخاً ولكنهم خرفوا “وهم من أبناء العراق!” وتلونت وتغيرت إنتماءاتهم فصار بعضهم داعشياً وإلتحق البعض بطائفتهم السنية والبعض بطائفتهم الشيعية وبعضهم إعتزل السياسة وأتجه نحو “السلطة” التي هي ذات توجه نفعي وشخصي محض يؤدي إلى نهب ثروات العراق بشكل قانوني ومصادق عليه من قبل البرلمان ويسمونه “فسادا” ويسمون أصحاب السلطة والبرلمان “الفاسدين” وأيضا “المفسدين” لأنهم ليسوا فاسدين فحسب بل يحرضون ويشجعون على الفساد حتى يشبهوا الآخرين والآخرون يشبهونهم فعم الفساد كل مساحات العراق ومؤسساته وأهله. فأين تكمن المهزلة التي تحدث عنها الطيب الذكر كارل ماركس؟ حين جلبت أمريكا “البلاوي للعراق مذ أتت بصدام حسين وتخلصت منه بعد أن أدى المهمة فأتوا بصبيان البعث ووزعوهم على طوائف العراق وجغرافية العراق ليكملوا مخطط أبناء العم الإسرائيليين اليهود ووكلائهم في المنفطين وأصحاب “الغازات” التي تصدر من وراء ظهورهم في الخليج ليعبثوا في بلدان ذات قيم حضارية فيحيلونها رماداً بعد أن أشعلوا فيها النيران. الفضائيات والحرة ليست سوى مثال تناقش أوضاع العراق في برنامج “بالعراقي” وأنا من المتابعين له ليس بصدد المعرفة والإطلاع على مجريات الأمور، حيث الأمور ليست فيها مجريات، لكني بصدد الضحك، ليس ضحكا فرحا ولكنه ضحك كالبكاء حين أنظر إلى مقدمي البرنامج وأنظر إلى ضيوف البرنامج الذين لا سمح الله يزورونني في المنام حاملين القامات والسيوف وكل كاو جبهته بالمكوى وبعضهم بعمامة ظاهرة وآخرون بعمامة سرية باطنة وتثار الموضوعات وتناقش القوانين ودور المثقف في الحياة العراقية وقانون الأحزاب والقضية الكوردية وأحقية برزان “ي” في دورة رئاسية ثالثة، وكأن العراق ماش على سكة السلامة سوى بضعة عثرات تواجه المسيرة فتتم مناقشتها عبر برنامج “بالعراقي” والبرامج اليومية المماثلة في القناة العراقية وبقية فضائيات العراق الدينية الإيرانية والمدنية الأمريكية! مناقشة مفردات الواقع العراقي يشبه المثل العراقي وبالعراقي “مثل اللي يدور بالخـ.. على حب ركي” ! شكل المهزلة القائمة أننا منذ أكثر من عشر سنين ينتظر الشعب يوم الجمعة المباركة كي يستمع إلى مقولة ممثلي المرجعية “الفساد آفة المجتمع” يقولها معمم ناطق بإسم المرجعية الشيعية التي تولت السلطة في العراق وأمامه عشرات الميكروفونات وعليها إشارات المحطات الفضائية التي هي اليوم حمامات تركية لغسل الأموال وحمامات تركية لغسل التاريخ الوسخ وحمامات تركية لغسل الأخلاق المنحطة وهويات شرعية لخلط الأوراق وصولا إلى تدمير العراق. وفي الجانب السني يواصل صبيان البعث الذي بلغ بهم الخرف مبلغه ليعلنوا أهداف الخلافة الإسلامية المتمثلة بذبح الناس بغض النظر عن دينهم وطائفتهم ويغتصبوا نساءهم والأطفال منهم بإعدامات ضمن مشاهد مخرجة فنيا وموزعة الإضاءة وحسنة إختيار مواقع التصوير والدماء النازفة والمختلطة مع دماء ذبح الخراف في عيد الإضحى وبدون عيد الأضحى على حواف الأنهار والشاخات التي جفت مياهها بسبب حجب تركيا للمياه الدولية عن الجارة العراقية ما يضطر حزب الله أو حزب محمد أو حزب علي وعمر لخطف ثمانية عشر عاملا تركيا رمزاً لخطف تركيا برمتها إذ يتعذر ذلك واقعيا. فإن دماء أهل العراق مع دماء الخراف النازفة تجري في أنهار العراق بديلا عن ذلك الماء الزلال الصافي! خزين العراق من الإحتياطي من المال قد جف مثل ماء دجلة ومياه هور الصحين والجبايش والفهود. البترول تدنى بسعره إلى ثلاثين دولارا للبرميل وهو غير قابل لمنافسة بيع النقط من قبل دولة داعش للخلافة الإسلامية حيث تبيع برميل النفط بعشرة دولارات وكذا نفظ الشمال بنفس السعر عبر شركة وهمية تابعة لنجيرفان برزان “ي” التي كشفتها نشرة حزب الإتحاد الوطني الكوردستاني “جلال الطالبان”ي” وأيضا السعر منافس لسعر نفط داعش! فسقطت إتفاقية “عبد المهدي – مسعود” التي تنص على بيعنا كذا مائة ألف برميل نفط يوميا ونسدد ثمنه نقداً من خزائن العراق الخاوية على حساب رواتب المسنين التقاعدية ومخصصات اليتامى. نسدد ثمنه للسيد برزان “ي” وبسعر مائة وعشرة دولار للبرميل ونحن نبيعه كاسدا لأوربا بثلاثين دولارا ولا يشترون حين تتوفر لهم ولإسرائيل ولتركيا براميل البترول بسعر عشرة دولارات للبرميل وحتى أقل من ذلك! مثل هذه الأحداث أوردها أمثلة للمهزلة التي دونها الطيب الذكر كارل ماركس والتي لم يستفد من مضمونها حتى الحزب الشيوعي العراقي لصاحبه زنكنه، إذ لم يبق بعد هذا ما يستحق المناقشة، مناقشة الحادثة الثانية في التاريخ “المهزلة” عبر كل الفضائيات التي هي بمثابة “حمامات تركية – ساونه” لغسل الأموال وغسل السلوك حين يبدي أصحاب الفضائيات حزنهم الشديد على العراق وهم يبكونه بدموع التماسيح والمرجعية تصيح منذ أكثر من عشر سنين “الفساد آفة المجتمع” وكأنهم بفتاواهم هذه ينقذون العراق من المهزلة التي يطبخها العراقيون بأنفسهم وتقوم دول الجوار دونما إستثناء بتحضير البهارات وأملاح البحر كي تتخلص من زفرة لحم الخراف وزفرة اللحوم البشرية التي تملأ الساحات في الموصل والرمادي والبصرة والباب الشرقي وساحة الوثبة وفي كل مدن العراق من شماله إلى جنوبه، حتى رأينا العراق اليوم جثة هامدة وسنحن أليها في الغد القريب! –

سالم المرزوك _ كاتب وإعلامي عراقي مقيم في بانكوك
ايلاف _

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.