بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني..

0

بقلم : عقاب يحيى

كثيراً ما يجري الخلط، أو التداخل بين كل من المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، وهناك من لا يفرّق بينهما وكأنهما واحد خاصة بالنسبة لبلادنا التي ما زالت تعيش وتتعايش فيها أنماط إنتاج وأشكال متعددة الخلفيات تعود لمراحل الرعي والزراعة وما بينهما من نظام ريعي وتجاري واختلاطي، في حين أن الاختلاف جوهري.. المجتمع الأهلي هو التعريف الشامل لبنى ومكونات المجتمع الدينية والمذهبية والعشائرية والجهوية والعائلية وغيرها.. بمختلف مظاهرها..التي تنتظم في أطر تقليدية غالبا ما يكون الانتساب إليها جمعياً وفق الصلات القائمة بين أفرادها، وليس بناء على خيار طوعي .

أطر بينما يعبّر المجتمع المدني عن حالات مختلفة.. تلك الأشكال التنظيمية التي تنبثق من التشكيلات السياسية والمدنية والنقابية والمهنية والخيرية والثقافية وغيرها.. التي يتفق فيها عدد من الناس على القيام بعمل، أو نشاط للصالح العام وبشكل تطوعي، أو خدمة لأفكار يؤمنون بها بعيداً عن الارتباطات التقليدية العامة، وعن التبعية للدولة .

ـ والحقيقة أن المفهوم : مصطلحاً ونشوءاَ، وتجسيداً كان غريباً على المجتمعات العربية ونتاج أوربة بعد ثوراتها المتلاحقة التي فصلت فيها الدين عن الدولة، ونشأت فيها الأحزاب والنقابات والتنظيمات العاملة في الشأن العام، وبظل الحريات العامة والفردية التي تشرّعن هذا النشاط، وتحدّ من تدخل الدولة المباشر، والقسري فيها. وقد انتشرت كثيراً تنظيمات المجتمع المدني لتشمل ميادين وقطاعات مختلفة على الصعيد المحلي والأوربي والعالمي بوجود منظمات عابرة للقارات، ومؤسسات متعددة تقوم بأنشطة مختلفة داخل وخارج بلدانها، دون إغفال استخدام بعضها من قبل الأجهزة الأمنية في تلك الدول للعبور والتغلغل، أو الاستفادة من الدراسات التي تقوم بها ..

ـ المجتمع المدني بهذا الشكل مرتبط بوجود الدولة الحديثة، والديمقراطية التي تمنح الأفراد والهيئات حقوق العمل، والحركة، وعبر نمو الحالة الاجتماعية وتجاوزها للأطر التقليدية التي تعتبر ما قبل الدولة الوطنية والقومية والحديثة.. كروابط الأسرة والعائلة والجهة والعشيرة والقبيلة والدين والمذهب والإثنية …

ـ لقد ولدت في سورية نويات المجتمع المدني المترافقة مع بدايات مراحل النهوض، وتشكيل الأحزاب والجمعيات العلنية والسرية ـ في المرحلة العثمانية ـ المطالبة بإحياء اللغة العربية، وبإصلاح الأوضاع الراكدة في السلطنة، وعرفت مراحل القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر مزيد تكوين الحركات والجمعيات الثقافية والمهنية والسياسية المطالبة بإصلاح السلطنة من داخلها، وبمنح العرب حقوقهم الطبيعية، ثم في الدعوة للاستقلال، وقد شملت تلك الحركات طيفاً واسعاً من الرواد متعددي الخلفيات الفكرية والسياسية، والمناطقية، وبعيداً عن الحسابات الدينية والجهوية والعشائرية وغيرها، وكانت متأثرة ـ إلى هذا الحد أو ذاك ـ بالثورات الأوربية وصعود الحركات القومية، وبتوجهات النظم الديمقراطية التي تكرّس الحريات الفردية والعامة.. كواحد من الإنجازات العظيمة، والكبرى، والاحتياجية للبرجوازية الناهضة .

****

في مرحلة الاستقلال، ورغم الاضطرام الشديد في تلك المرحلة بفعل مواجهة إرث التخلف والاحتلال والاستعمار، وموقع القضية الفلسطينية في تركيز جهد كبير : بشري واقتصادي لمقاومة مشروع الاغتصاب الصهيوني المدعوم من الغرب، وخيبات الأمل الكبيرة بوعود الدول الغربية التي تآمرت على العرب وتطلعاتهم نحو الوحدة، وسلسلة الانقلابات العسكرية ـ متعددة الخلفيات والأهداف ـ التي كانت تقطع طريق التطور الطبيعي لتلك الحالة الديمقراطية التي تجسّدت في بلادنا..

إلا أن حالة نهضوية كبيرة كانت تشقّ طريقها لتأسيس الدولة الحديثة المتخلصة من إرث الماضي، والتكوينات الماقبل وطنية، وتمثّل ذلك بولادة وتكوين العديد من الأحزاب والنقابات وهيئات المجتمع المدني التي راحت تضيّق المجال على البنى التقليدية وتحاصرها في نطاقات محددة.. ترافقاً مع انتشار التعليم، وتعزيز الحياة الديمقراطية، والنهوض الاقتصادي الذي قادته برجوازية ناهضة بأغلبية وطنية المنشأ، والهدف …

****

النظم الشمولية، الأحادية، وتأثراً بالتجربة السوفييتية، وطبيعة مرحلة التحرر الوطني والقومي المعادية أصلاً للنظم الغربية الاستعمارية، وبالسائد أيامها في الخيارات الحادة بين المعسكرين.. أخضعت جميع الظاهرات والتشكيلات السياسية والنقابية والمدنية لقراراتها، ونهجها. فهي ترفض وجود حزب منافس، كما ترفض حرية العمل النقابي والمهني وشتى أشكال العمل الجمعي، عاملة على إخضاع كل ألوان النشاط إلى أجهزتها المباشرة، خاصة الأجهزة الأمنية التي راحت تتوغل وتتغلغل في جميع البنى الموجودة والعمل على تطويعها بشتى السبل، وإلغاء كافة هوامشها الاستقلالية…

ـ وبرغم أنها مظهرياً، وشعارياً كانت تحارب البنى القديمة، وإنشاء الجديد بديلها..إلا أنها، وفي عمليتها الاحتوائية تلك، ونظراً لأهمية استمرارها في السلطة : هدفاً رئيساً.. لم يكن لديها مانع من توظيف تلك المكوّنات لصالحها، والعمل على دعمها لتكون عوناً داعماً فيما تعتبره خطراً عليها : الأحزاب والنقابات والتنظيمات الحديثة .

ـ بسقوط بقايا المشروع الوطني ـ النهضوي بعد هزيمة حزيران 1967، ووفاة عبد الناصر الفجائية، وانقلاب الطاغية الأكبر الأسد على رفاقه وما يمثلون..حدثت تحوّلات منهّجة.. ارتدادية المحتوى، ورجعية الاتجاه.. من خلال ضرب وملاحقة القوى الحيّة، ومحاولة اللعب على وتائر الإيمان والتوزعات الدينية والمذهبية، وتشييد بنيان طائفي حقيقي مغلف بمزيد الستر الكاذبة والمغشوشة، يتجاوز قصة الاستناد على الطائفة العلوية وتركيزها في المفاصل الحساسة والفاعلة في الجيش والأمن بوجه الخصوص، إلى عموم الأديان والمذاهب، ومنها إلى التكوينات السابقة : العشائرية والجهوية والعائلية والمناطقية وحتى الأسرية,,, وتوجيه ضربات قاصمة للهوامش الصغيرة للنقابات المهنية وغيرها وتحويل قياداتها إلى مخبرين وكتبة تقارير وخونة للمهنة، والنقابة ..ووضع اليد على جميع أوجه العمل السياسي والنقابي والمهني والمدني وإخضاعه جميعاً لمصلحة مملكة الرعب، والفئوية، والتأبيد، بما في ذلك إلغاء الحياة السياسية واهتمام السوري بالشأن العام، والعمل على تطويع وتدجين وتعليب المواطن وفق ذلك المنظور .

*****

في أخريات حياة الطاغية الأكبر، وقد هدّه المرض وأضعف قليلا من قبضته الغليظة.. بادر عديد المثقفين والناشطين إلى محاولة التعبير عن حالة الاختناق التي يعانون منها، والتي تحكم المجتمع تماماً، فكانت فكرة : إحياء المجتمع المدني محاولة شجاعة لتحريك الراكد، وحفر ونحت طريق مختلف عن السائد.. والتي جوبهت بالقمع والحصار..

ـ وحين جرى انتهاك قيم وأسس الجمهورية بفرض التوريث، وما أدّى على مسرحية تغيير الدستور، ووفقاً لسياسة التمرير والتغرير التي انتهجها نظام التوريث المستديم عبر ما يعرف ب”خطاب اقسم” عرفت سورية نشاطاً حثيثاً وواسعاً في إقامة المنتديات والحراك الديمقراطي متعدد الوجوه، وكان إعلان دمشق تتويجاً مهماً، ونقلة نوعية، ومثله بيانات المثقفين، خاصة بيان الألف توقيع، وفيام عديد مظاهر النقد، والدعوات للإصلاح الديمقراطي فيما يعرف بربيع دمشق القصير الذي جوبه بالاعتقال والخنق والتخوين لمعظم القيادات والناشطين، وسيطرة النظام الأمني على كافة مظاهر الحياة .

****

الثورة التي فجرها شباب متعدد الاتجاهات.. عبّرت بقوة عن حالة نهوض مدني يعارض الاستبداد، ويدعو للإصلاح الجذري، ثم إسقاط النظام حين تأكد للجميع رفض النظام القاطع لأية إصلاحات، ومواجهة المكالب العادية بالقتل والاغتيال والاعتقال.. فتكوّنت التنسيقيات بسرعة، وعديد أشكال التعبير الشبابي عن حالة تمور بالأمل والعمل.. وبما صبغ الثورة السورية بالسلمية لأشهر طوال .. وبشّر بنهوض مجتمعي مدني عبّر عن نفسه بكثير مظاهر التضامن، والتفاعل، والحب، والإقبال الحماسي على العمل بالشأن العام والوطني والديمقراطي..

ـ لكن لجوء الثورة لحمل السلاح..أمام عنف النظام الدموي، ثم طغيان العمل المسلح على غيره راح ينهش ويأكل ويضعف الأنشطة المدنية، ثم يحلّ محلها في عموم الميادين.. وبما أنهى ـ عملياً ـ دور الهيئات المدنية العاملة في مختلف حقول الأنشطة.. إلا ما ندر، وبشكل جزئي.. ثم انبعاث الصراعات المذهبية والإثنية ومحاولة فرضها بديلاً للصراع الأساس، ولمحتوى الثورة المدنية، الديمقراطية، وفي هذه الأجواء المفروضة انتعشت من جديد هيئات المجتمع الأهلي، خاصة القبلية والعشائرية، وحتى الدينية والمذهبية، والإثنية .

ـ ورغم جبروت فعل النظام وحلفائه، وطغيان الطابع المسلح على الأحداث..إلا أن اشكالاً عديدة من هيئات المجتمع المدني، وأعمال الإغاثة، وكثير من الأوجه المختلفة استطاعت الصمود والعمل وبلورة الأفكار والمهام والأطر.. حيث تتواجد الآن مئات التنظيمات والتشكيلات المدنية العاملة في حقول مختلفة..

ـ صحيح أن عديدها يتلقى معونات ومساعدات من جمعيات ومؤسسات غربية تطرح أسئلة مشروعة عن خلفياتها ومراميها، وعن محاولات الاحتواء، والترتيب..إلا أن كثيرها يبذل جهوداً مهمة في تقديم الخدمات المتعدد للمواطنين، وتعزيز الروح التعددية، المدنية للثورة، ومقاومة الغلو والتطرف، ومحاولات الحرف والتشويه .

ـ إن هيئات المجتمع المدني، بكافة تشكيلاتها، مدعوة لتنسيق عملها، ولتلقي الدعم من قبل جميع قوى المعارضة، والهيئات القائمة.. لأهميتها، وأهمية دورها الحالي وفي مستقبل البلاد .

عقاب يحيى 17 ايلول

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
قد يعجبك ايضا
جاري التحميل
اشترك في النشرة الإخبارية

اشترك في النشرة الإخبارية

You have Successfully Subscribed!