صدى القمة الأميركية السعودية.. سياسة روسية أكثر هجومية

محمود الريماوي
تمت الزيارة الأولى للعاهل السعودي، سلمان بن عبدالعزيز، إلى واشنطن، وهي على جانب من الأهمية، بعد تحضيرات طويلة، وبعد تحفظات سعودية شبه معلنة على الأداء الأميركي في المنطقة، وحتى بعد انعقاد قمة كامب ديفيد الخليجية الأميركية في مايو/أيار الماضي، التي غاب عنها الملك سلمان. وقد أعلنت الرياض التزامها بنتائج تلك القمة، وتنتظر التزاماً أميركياً مماثلاً. وخصوصاً بما يتعلق ببرامج التسلح الخليجية، ومراقبة السلوك الإيراني. القمة التي وصفها رئيس الدبلوماسية السعودية، عادل الجبير، بأنها محورية وتاريخية، ما زال الانتظار قائماً لنتائجها على أرض الواقع، وسوف يظل هذا الانتظار قائماً على مدى الأسابيع والشهور المقبلة. لتبين ما إذا كانت الإدارة الديمقراطية بصدد إجراء تعديلات على سياستها الانكفائية في المنطقة (باستثناء كل ما يتعلق بالعلاقة مع تل أبيب).
غير أنه يسترعي الانتباه أن اصداء القمة الأميركية السعودية بدت قوية في مكان آخر. في موسكو بالذات، التي لم تبد اهتماماً إعلامياً خاصاً بالمناسبة، لكنها سارعت إلى تعزيز دعمها، ورفع مستواه، النظام في دمشق. فما أن انفضت القمة الثنائية في واشنطن، حتى كانت الأنباء تتوالى عن منع اليونان وبلغاريا طائرات روسية من التوجه إلى دمشق، عبر أجواء البلدين. وجاء الاعتراض عبر التشكك بنقل تلك الطائرات أسلحة. وواقع الأمر أن هناك شواهد عديدة على أن موسكو باتت تعتبر سورية جزءاً من أراضي الكومنولث الروسي. وكانت دعوات حارة قد صدرت من دمشق لموسكو لإقامة قاعدة عسكرية روسية ثانية، بعد قاعدة طرطوس. كما تواترت أنباء عن تزويد موسكو دمشق بطائرات ميغ حديثة، على الرغم من الوضع المالي الميئوس منه للنظام. لا يتعلق الأمر فقط بمواكبة روسية للقمة السعودية الأميركية، بل باضطرار أعداد متزايدة من السوريين للهجرة، نتيجة بطش النظام وداعش، ذلك شجّع موسكو على مد النظام بمزيد من الأسلحة! فيما يتحدث ناشطون سوريون عن وجود جنود روس على الأراضي السورية، وكما هو حال وجود جنود إيرانيين من الحرس الثوري.
دأب النظام في دمشق على إثارة التنافس بين طهران وموسكو، لتعظيم وجود كل منهما في سورية، مع منح كل التسهيلات من أجل ذلك. وسوف يشكل الوجود الروسي البشري المباشر سبباً في إثارة مخاوف عميقة من أن تصل الأزمة إلى هذه الدرجة من التدويل. وبينما تحاول موسكو ذرّ الرماد في العيون بنفي كل ما يرد من تقارير بهذا الشأن، إلا أن أزمة روسية أميركية تلوح في الأفق، وعلى درجة من الشبه بالأزمة في أوكرانيا. وقد بدأ مسؤولون أميركيون يحذرون من هذه التطورات الجديدة، ومن مخاوف إشعال مواجهة بين القوات الروسية وقوات التحالف الدولي التي تقوم بغارات جوية منتظمة على داعش ، وكثيراً ما تخطىء أهدافها، ويذهب مدنيون ضحية لها.
ومغزى ذلك أن موسكو، وبعد أيام فقط على القمة السعودية الأميركية، تسعى إلى دفع الأمور نحو التصعيد، وحتى إلى حافة الهاوية، من أجل تثبيت حاكم دمشق في موقعه، وتهجير ملايين السوريين عن أرضهم، وضمان أن تبقى سورية ساحة للنفوذ الروسي (والإيراني)، بصرف النظر عن أي اعتبار آخر، بما في ذلك مصير السوريين. تماماً كما هو الموقف الروسي من أوكرانيا.
قدم السعوديون مشروعاً لتعاون استراتيجي وشراكة اقتصادية طويلة الأمد بين الرياض وواشنطن، وتولى الأمير محمد بن سلمان تقديم هذا المشروع الذي يمنح الأميركيين أولوية في كل ما يتعلق بالمشاريع الاقتصادية والاستثمار في المملكة. على أمل أن يسهم هذا العرض في رفع مستوى التنسيق العسكري والسياسي بين البلدين. ويعكف الأميركيون الذين رحبوا بالعرض على دراسته، ووضع خطط لآلية تنفيذه من جانبهم، غير أن لا شيء يلوح ويفيد بأن واشنطن بصدد مراجعة سياستها الخارجية في الشرق الأوسط التي أدت إلى تعظيم النفوذ الروسي في بعض الدول. أما بخصوص النفوذ الإيراني، ما زالت واشنطن تمتنع عن مجرد الطلب إلى المليشيات الطائفية التي ترعاها وتمولها إيران بمغادرة الأراضي السورية، ولعل واشنطن تكتفي بمراقبة عدم ضخ مزيد من الأموال الإيرانية إلى تلك المليشيات، بعد رفع تجميد الأرصدة الإيرانية في أميركا والغرب بموجب الاتفاق النووي. ومن طرف خفي، تصغي واشنطن لخطاب إيراني وروسي يفيد بأن داعش ومنظمات سنية متطرفة هي العدو المشترك الذي يجمع واشنطن وموسكو وطهران، وهو خطاب مضى عليه نحو عامين، تعاظم فيهما نفوذ المليشيات الإيرانية في العراق وسورية واليمن، ولولا عاصفة الحزم في اليمن، لكانت واشنطن اكتفت بمراقبة الوضع في اليمن، ولاعتبرت أن القاعدة وحدها، دون الحوثيين الانقلابيين، هي مصدر الخطر الوحيد على بقية دول المنطقة!
أرسلت واشنطن، في الأسابيع الماضية، إشارات عديدة، تفيد بعدم رضاها عن زعزعة إيران لاستقرار المنطقة، لكنها لم تفعل الكثير أو القليل، للحد من هذا النفوذ، ربما باستثناء وضع أحد قادة حزب الله، أخيراً، (سمير القنطار) على قائمة الإرهابيين، مع معاقبة بعض الشركات الإيرانية. وهي خطوات، في مجملها، ذات طابع رمزي، ووقائي وتطويقي، ولا تنطوي على مواجهة تُذكر مع التطرف الإيراني الذي يماثل التطرف السني في خطورته، حاضراً ومستقبلاً.
وفي هذه الأثناء، يتواصل التنسيق شبه الاستراتيجي بين موسكو وإيران، طرفين حليفين، يسعيان إلى تقاسم النفوذ في الشرق الأوسط، فموسكو تقف على الدوام ومسبقاً مع طهران، في كل ما يتعلق بملفها النووي، بما في ذلك طريقة تطبيق طهران اتفاق جنيف النووي، كذلك الأمر بتسليحها بأسلحة روسية متطورة، ومن أحدث ما تضمه الترسانة الروسية.
وبينما تعتصم واشنطن بسياسة وقائية دفاعية في كل ما يتعلق ببسط النفوذ في الشرق الأوسط، فذلك يحفز موسكو وطهران على مواصلة سياستهما الهجومية، واستثمار الأجواء “المريحة” التي توفرها الإدارة الديمقراطية، بقيادة باراك أوباما، وبما يبدو أنه سباق مع الزمن، قبل انتهاء العام 2016 الذي سيشهد نهاية ولاية المحامي، باراك أوباما، الذي يراقب الأوضاع في منطقتنا والعالم عن كثب، ويجيد المراقبة ذات النفس الطويل، بينما يجيد الروس والإيرانيون أموراً أخرى.
 العربي الجديد
قد يعجبك ايضا
تعليقات
جاري التحميل